قطاع الطيران الهندي... مرحلة جديدة تخدم الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم

حقق أرباحاً بواقع 1.31 مليار دولار في 2016

بيع شركة «إير إنديا» يمكن أن يحدث فقط إذا ما وافق أي مشتر محتمل على تحمل القروض والمسؤوليات الأخرى المتعلقة بشركة الخطوط الجوية الوطنية (أ.ب)
بيع شركة «إير إنديا» يمكن أن يحدث فقط إذا ما وافق أي مشتر محتمل على تحمل القروض والمسؤوليات الأخرى المتعلقة بشركة الخطوط الجوية الوطنية (أ.ب)
TT

قطاع الطيران الهندي... مرحلة جديدة تخدم الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم

بيع شركة «إير إنديا» يمكن أن يحدث فقط إذا ما وافق أي مشتر محتمل على تحمل القروض والمسؤوليات الأخرى المتعلقة بشركة الخطوط الجوية الوطنية (أ.ب)
بيع شركة «إير إنديا» يمكن أن يحدث فقط إذا ما وافق أي مشتر محتمل على تحمل القروض والمسؤوليات الأخرى المتعلقة بشركة الخطوط الجوية الوطنية (أ.ب)

مع بدء الحكومة الهندية في عملية تصفية الاستثمارات في شركة خطوط الطيران الوطنية «إير إنديا» والشركات التابعة لها، فمن المقدر لصناعة الطيران الهندية، والتي تهدف إلى أن تكون أكبر صناعة في مجالها حول العالم بحلول عام 2030، أن تشهد استثمارات بنحو 25 مليار دولار في قطاع المطارات والاستحواذ على الطائرات الجديدة، بما يخدم اقتصاد البلد الأسرع نموا في العالم.
ومع النمو المحقق في الحركة الجوية بواقع 13 في المائة، تعد الهند تاسع أكبر سوق للطيران المدني في العالم مع حجمها البالغ 17 مليار دولار. وقد حصلت على المركز الثالث كأكبر سوق محلية حول العالم بديلا لليابان هذا العام، بعد الولايات المتحدة بمقدار (719 مليون دولار) والصين بمقدار (436 مليون دولار)، وفقاً لتقرير حديث صادر عن مركز الطيران لمنطقة آسيا والمحيط الهادي ومقره سيدني.
يقول قابيل كاول، المدير التنفيذي لمركز الطيران، في بيان إعلامي مؤخراً: «بلغ عدد المسافرين على متن الرحلات الجوية المحلية الهندية نحو 100 مليون مسافر في عام 2017. وسوف نواصل احتلال هذا المركز الثالث لفترة طويلة من الوقت بسبب صعوبة التغلب على الصين أو الولايات المتحدة في هذا المضمار».
ولقد دخلت صناعة الطيران الهندية في مرحلة جديدة من التوسع، مدفوعة بعوامل متعددة مثل شركات الطيران منخفضة التكلفة، والمطارات الحديثة، والاستثمارات الأجنبية المباشرة في شركات الطيران المحلية، وتكنولوجيا المعلومات المتقدمة، والتركيز الكبير على الربط الجوي الإقليمي. وقد سجلت شركات الطيران العاملة في الهند أرباحا بواقع 1.31 مليار دولار في السنة المالية 2016، وفقاً إلى بيانات شركة كريسيل المحدودة.
ومن المتوقع لقطاع الطيران المحلي توظيف نحو 4 ملايين عامل خلال العقدين القادمين، بسبب تحسن الأنشطة الاقتصادية، وإنتاجية العمل، كما أشارت دراسة أعدتها وزارة الطيران المدني الهندية بهذا الصدد.
* بيع شركة «إير إنديا»
وافق رئيس الوزراء الهندي على قرار بيع شركة «إير إنديا» للطيران التي حققت خسائر كبيرة في الفترة السابقة، وبلغت ديونها أكثر من 8 مليارات دولار، بما يعادل قيمة أصول الشركة مجتمعة.
ولقد أنشأت الشركة المذكورة أول الأمر تحت اسم شركة «تاتا للطيران» على يد المستثمر الهندي جيه. أر. دي. تاتا في عام 1932.
ولقد قاد جيه. أر. دي. تاتا بنفسه طائرة وحيدة المحرك تحمل 25 كيلوغراما من البريد بين مدينة كراتشي إلى مدينة بومباي. وخلال الحرب العالمية الثانية، شاركت الطائرة في مسح لمسار في شبه الجزيرة العربية، ونقل الإمدادات إلى العراق، ونقل اللاجئين من بورما، وإصلاح وصيانة معدات للقوات الجوية الملكية البريطانية.
تحولت شركة «تاتا» للطيران من القطاع الخاص إلى العام وصارت شركة مساهمة هندية في عام 1946 وتغير اسمها ليكون شركة «إير إنديا» المحدودة مع اتخاذها لشعار المهراجا الشهير، ونشرت أجنحتها إلى أوروبا، قبل أن يتم تأميمها وطنيا في عام 1953. ومع استمرار السيد جيه. أر. دي. تاتا في منصب رئيس مجلس إدارة الشركة حتى بعد قرار التأميم، تمت إقالته من منصبه على نحو مفاجئ في عام 1977. ثم أدمجت الحكومة الهندية شركة الخطوط الجوية المحلية مع شركة «إير إنديا» في شركة واحدة عام 2007.
ولقد أعربت شركة «إنديغو» للطيران منخفض التكلفة، وهي مملوكة لشركة إنترغلوب للطيران، عن اهتمامها بالحصول على حصة في شركة «إير إنديا» الوطنية الهندية.
وقال أحد المصادر المطلعة على التطورات إنه بالإضافة إلى المالكين السابقين لشركة «إير إنديا»، مجموعة شركات تاتا، فهناك شركات طيران خليجية أعربت أيضاً عن رغبتها في الحصول على حصة من الشركة نفسها. وفي الأثناء ذاتها، أمام الحكومة الهندية ثلاثة خيارات بالنسبة لشركة «إير إنديا»؛ البيع الكامل بنسبة 100 في المائة لأصول الشركة، وبيع حصة بنسبة 74 في المائة، أو بيع حصة بنسبة 51 في المائة، كما قال تقرير صادر عن صحيفة «هندو». مما يعني أنه في أي سيناريو، سوف تمتنع الحكومة عن أن تكون المالك الحصري لأسهم شركة الطيران. وقالت المصادر إن بيع شركة «إير إنديا» المستقلة بذاتها يمكن أن يحدث فقط إذا ما وافق أي مشتر محتمل على تحمل القروض والمسؤوليات الأخرى المتعلقة بشركة الخطوط الجوية الوطنية.
* صناعة الطيران الهندي
شهدت صناعة الطيران الهندية دفعة جيدة من الاستثمار والتعاون الأجنبي المباشر، والذي يُسمح له في الوقت الحاضر بأن يصل إلى 100 في المائة في كثير من الفئات في قطاعات مثل خدمات النقل بالمطارات، وهي من القطاعات غير المدرجة، وكذلك خدمات المروحيات والطائرات المائية.
إلى جانب ذلك، يجري تشجيع الجهات الدولية على المشاركة في تشييد المطارات من خلال نماذج مختلفة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع الدعم الكبير الذي تقدمه الدولة من حيث التمويل، وتخصيص الأراضي، والإعفاءات الضريبية، وغير ذلك من المحفزات.
* الاستثمارات والتطورات الرئيسية في صناعة الطيران الهندية
وجذبت الإمكانات الضخمة صناع الطائرات العالمية الشركات الهندية إلى شراء المزيد من الطائرات. ووفقا لشركتي «بوينغ» و«إيرباص»، أكبر شركتين لصناعة الطائرات في العالم، فمن المتوقع للهند أن تطلب شراء أكثر من 1600 طائرة خلال العشرين سنة المقبلة.
ووفقاً لتقرير الطيران الهندي الصادر عن «FICCI - KPMG» فإن شركة «إيرباص» قد وقعت على اتفاقية مع شركة «إيكوس» الفضائية الهندية، وهي من شركات صناعة مكونات الطائرات، لتوريد أكثر من 100 ألف قطعة معدنية من التيتانيوم لصالح طائرة إيرباص إيه 320 ذات المحرك الجديد.
كما تستثمر شركة «إيرباص» 40 مليون دولار في إنشاء مركز لتدريب الطيارين والصيانة في نيودلهي، والذي يبدأ تشغيله الفعلي بحلول نهاية العام الحالي.
ولقد دخلت شركة «بوينغ» مع شركة «تاتا» للأنظمة المتقدمة، وهي إحدى الشركات التابعة والمملوكة بالكامل لمجموعة «تاتا» الصناعية، في مشروع مشترك لإقامة منشأة جديدة في حيدر آباد لتصنيع الهياكل الخارجية لطائرات الأباتشي بصفة مبدئية مع التعاون في فرص تطوير الأنظمة المتكاملة في الهند على المدى الطويل. وتتكاثر الطائرات التي تحلق في سماء الطيران الهندي، مع شركة «سبيس - جيت» كآخر الشركات التي طلبت شراء الطائرات الجديدة عبر أمر شراء 205 طائرات جديدة بقيمة 22 مليار دولار ومن بينها 40 طائرة بوينغ 737 - 10، وأمر آخر بقيمة 1.7 مليار دولار لشراء 50 طائرة تجارية صغيرة. ومن المتوقع أن يصل إجمالي طلبات الشراء إلى أكثر من ألف طائرة، مما يجعل الهند أكبر ثالث مشتر للطائرات في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. ومن بين الألف طائرة المشار إليها هناك 700 طائرة من المقررة تسليمها خلال عشر سنوات والبقية خلال خمس سنوات لاحقة. يقول دينيش كيسكار، نائب رئيس شركة بوينغ لوكالة «رويترز» الإخبارية: «يمكن للنمو الاقتصادي الهندي المساعدة في تعويض التباطؤ في أجزاء أخرى من العالم». كما تتوقع شركة «بوينغ» أيضاً أن تحتاج الهند إلى 1850 طائرة جديدة خلال العقدين المقبلين. وتقدر الشركة الأميركية أن يبلغ إجمالي طلبات الشراء 265 مليار دولار.
كما تبيع شركة «بوينغ» أيضاً 100 طائرة إلى شركة «جيت إيروايز» الهندية. كما أنها تعتبر المنافس الأول لبيع 100 طائرة أخرى إلى شركة «فيستارا» وهي إحدى شركات الطيران العاملة في الهند.
أما شركة «جو - إير»، وهي خامس أكبر شركة طيران في الهند من حيث عدد المسافرين، فقد وقعت على مذكرة تفاهم مع شركة «إيرباص» الأوروبية لشراء 72 طائرة جديدة من طراز (A320neo) بقيمة 7.7 مليار دولار، كجزء من توجهات التوسع الجديدة للشركة.
وتخطط شركة «لوكهيد مارتن» الأميركية إلى إنشاء قاعدة في الهند لتصنيع الطائرات المقاتلة من طراز «إف - 16 - في»، وطائرات «سي - 130 هيركليز» للنقل العسكري إلى جانب المروحيات المقاتلة. وقد أبرمت شركة «بهارات فورج» الهندية المعنية بصناعة المكونات الآلية وهي إحدى شركات مجموعة «كالياني» تعاقدا مع شركة «رولزرويس» تقوم الشركة الهندية بموجبه بتوريد المكونات عالية الجودة لصالح مجموعة من محركات الطائرات. ووقعت وزارة الطيران المدني الهندية مذكرة تفاهم مع فنلندا، وكازاخستان، وكينيا، والسويد، والنرويج، والدنمارك، وسلطنة عمان، وإثيوبيا لمزيد من التعاون بين هذه الدول من حيث المقاعد الإضافية، وتقاسم رموز شركات الطيران، وزيادة الترددات، ونقاط الاتصال الإضافية، خلال مفاوضات الطيران المدني الدولي لعام 2015 والتي عقدت في تركيا.
يقول سيدهارث بيرلا، الرئيس الأسبق لمؤسسة فيشي، هيئة الأعمال والصناعة الهندية، أن قطاع الطيران الهندي يقدم فرصا كبيرة وعلى المدى الطويل للاعبين الدوليين في مجال الطيران. وقال أيضاً إن الحكومة الهندية وصناعة الطيران تعملان بشكل وثيق في هذا المجال.
وتعاون كثير من اللاعبين الدوليين مع الشركات العالمية للعمل في الهند. وأنشأت مجموعة «تاتا» شركتي طيران مستقلتين من الصفر - شركة فيستارا مع الخطوط الجوية في سنغافورة وشركة إير آسيا إنديا مع إير آسيا بي اتش دي. كذلك، استحوذت شركة الاتحاد للطيران على حصة بنسبة 24 في المائة في شركة «جيت إيروايز». ولقد تم تخفيف المزيد من القيود العام الماضي. وحاولت الخطوط الجوية القطرية التقارب مع الحكومة الهندية للحصول على مشروع محتمل لشركة من شركات الطيران الآن بعد تخفيف القيود واللوائح العام الماضي، واعتبارا من ذلك الوقت يمكن لشركة طيران أجنبية الاستحواذ على 100 في المائة من أية شركة طيران هندية بالاشتراك مع مستثمر أجنبي.
* التحديات
ولكن السباق المحموم للحصول على حصص في هذا السوق بات أشبه بالمنحدر الزلق. وفقا إلى مركز الطيران لمنطقة آسيا والمحيط الهادي، فقد حذر من أن شركات الطيران تخاطر بالاستحواذ على حصص بأكبر مما تستطيع التحمل.
ويقول تقرير مركز أبحاث الطيران: «من شأن التوسع غير المسبوق أن يضيف ضغوطا هائلة على نظام الطيران. ويبدو أن صناعة الطيران تقلل في الوقت الراهن من شأن التحديات المستقبلية».
وهناك كثير من الأمثلة في تاريخ الطيران في الهند التي يمكن الاعتبار بها، مع شركات كينغ - فيشر للطيران، وهي الشركة الفاشلة المملوكة لبارون صناعة المشروبات فيجاي ماليا، باعتبارها من أحدث الأمثلة على ذلك. كما يمكن اعتبار شركة الطيران الوطنية الهندية من أبرز الأمثلة على الشركات ذات الأوضاع غير المستقرة.
ومن التحديات الكبرى الماثلة هناك نقص البنية التحتية. إذ إن طفرة الطيران الهندية معرضة لتهديد خطير من واقع حقيقة مفادها أن 75 في المائة فقط من أصل 400 مطار محلي في حيز التشغيل الفعلي - وحتى أكبر المطارات في البلاد مثل مطار مومباي ونيودلهي وشيناي، أصبحت تعاني من الازدحام الشديد في حركات السفر والوصول اليومية.
وقال مركز الطيران لمنطقة آسيا والمحيط الهادي إن الافتقار إلى الاستعدادات الكافية في البلاد من شأنه أن يهدد هذه الصناعة على نحو سريع، ولا سيما مع عدد 700 طائرة من أصل 1080 طائرة جديدة من المتوقع أن تصل وتسلم إلى الهند خلال السنوات العشر المقبلة.
وأفاد التقرير البحثي أخيرا أن: «وصول الطائرات الجديدة على هذا النحو الكبير سوف يتطلب تنمية ضخمة للبنية التحتية والموارد البشرية الماهرة، وبوتيرة لم يسبق لها مثيل من قبل في الهند. كما سوف تصبح مواقف السيارات ومنافذ المدرجات أكثر ندرة على نحو كبير خلال السنوات القليلة المقبلة».



زخم الطلبات يرفع وتيرة نمو خدمات التوصيل في السعودية

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

زخم الطلبات يرفع وتيرة نمو خدمات التوصيل في السعودية

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

مدفوعاً بتغيرات متسارعة في سلوك المستهلك وتنامي الاعتماد على الحلول الرقمية، يواصل قطاع توصيل الطلبات في السعودية تحقيق قفزات نوعية، معززاً مكانته بوصفه أحد أبرز محركات الاقتصاد الرقمي، بعد تسجيل القطاع نمواً لافتاً خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة تقارب 49 في المائة، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

ويدعم تلك القفزة زيادة تجاوزت 118 مليون طلب خلال الربع الأول من العام الحالي، في دلالة واضحة على اتساع قاعدة المستخدمين وتطور البنية التحتية للخدمات اللوجيستية والتقنية في المملكة.

وحسب تقرير حديث صادر عن الهيئة العامة للنقل، استحوذت العاصمة الرياض على 44 في المائة من إجمالي الطلبات في الربع الأول 2026، تلتها مكة المكرمة 22.2 في المائة، ثم المنطقة الشرقية 16.2 في المائة، فيما توزعت بقية الطلبات على باقي مناطق المملكة.

أبرز التطبيقات

ومن أبرز قائمة تطبيقات التوصيل في السعودية: «هنقرستيشن»، و«جاهز»، و«كيتا»، و«مرسول»، و«نينجا»، و«كريم ناو»، و«تويو»، وغيرها من المنصات التي تعمل في هذا المجال.

وتشهد تلك التطبيقات منافسة شرسة مع ارتفاع الطلبات المنفذة من قبل المستهلكين والاعتماد عليها بشكل كبير، حيث يقدم بعض من تلك المنصات عروضاً ترويجية وخصومات على تلك الطلبات للاستحواذ على أكبر نسبة من العملاء.

وكان قطاع نشاط الطلبات قد سجل في المملكة نمواً ملحوظاً خلال الربع الثالث من العام الماضي، إذ تجاوز إجمالي عدد الطلبات المنفذة أكثر من 103 ملايين عملية طلب على مستوى مناطق السعودية، بارتفاع بلغ 40 في المائة، قياساً بالربع المماثل من عام 2024، مما يعكس النمو المتواصل في خدمات توصيل الطرود وارتفاع الطلب على التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجيستية في البلاد.

الأنظمة والتشريعات

ويعود هذا النمو الملحوظ الذي يشهده قطاع توصيل الطلبات إلى عدد من العوامل، أبرزها تطوير الأنظمة والتشريعات التي مكّنت الشركات من رفع جودة خدماتها وكفاءتها التشغيلية، إلى جانب تعزيز البنية التحتية الرقمية ودعم الابتكار في مجالات الخدمات اللوجيستية.

كما أسهمت التحولات في سلوك المستهلكين والاعتماد المتزايد على التجارة الإلكترونية في رفع حجم الطلب على خدمات التوصيل، بالإضافة إلى الاستثمارات في الحلول التقنية الحديثة التي عززت سرعة الاستجابة ورفعت مستوى التنافسية داخل السوق.

يذكر أن المملكة شهدت في الأعوام الأخيرة طفرة في تطبيقات التوصيل، ومن ضمنها خدمات المطاعم والتموينات وبقية المستلزمات الأخرى. وبلغت ذروة اعتماد المستهلكين عليها بعد تطبيق الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد في عام 2020.


أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

«هي صدمة متعددة الأبعاد»... هكذا اختصر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة، واصفاً الحرب الحالية بأنها زلزال لم تشهده الجغرافيا السياسية والاقتصادية منذ خمسة عقود، وأنها أصابت أحد أكثر الممرات الاقتصادية حيوية في العالم، حيث لم تكتفِ بزعزعة أسواق الطاقة، بل امتدت لتعطل طرق التجارة وتضرب ثقة قطاع الأعمال، مما خلق حالة من الغموض تتطلب استجابات غير تقليدية. وأكد في المقابل أن السعودية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مؤسسات مالية صلبة وتنويع مصادر دخلها، مما يمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط.

وكان صندوق النقد الدولي خفَّض في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان بحسب درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة، وتوفر بدائل لضمان صادراتها النفطية. ففي البلدان المصدّرة للنفط المتضررة من الصراع، يُتوقع حالياً انكماش خمسة من ثمانية اقتصادات في عام 2026. وتواجه قطر الانخفاض الأكثر حدة في التوقعات نتيجة ما لحق ببنيتها التحتية من أضرار هائلة. وفي المقابل، تواجه سلطنة عُمان تراجعاً طفيفاً في التوقعات بسبب وقوع منفذها البحري بالكامل خارج مضيق هرمز، كما يُتوقع أن تستفيد من تحسن أرصدة ماليتها العامة وحسابها الجاري بفضل ارتفاع أسعار النفط. فيما برزت السعودية في مقدِّمة الدول التي ستُحقِّق نمواً هذا العام بنحو 3.1 في المائة، بفضل أنابيب النفط البديلة.

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

من جهته، أوضح أزعور خلال حلقة نقاش افتراضية حول آخر مستجدات صندوق النقد الدولي بشأن تأثير حرب الشرق الأوسط على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن هذه الصدمة الاستثنائية التي ضربت قلب الممرات التجارية والطاقة العالمية، تقابلها صلابة مؤسسية في السعودية؛ حيث أكد أن المملكة نجحت في بناء «مصدات» مالية قوية من خلال تنويع الدخل وتقوية مؤسساتها، مما يمنحها الحيز المالي الكافي للمضي قدماً في طموحات «رؤية 2030» وحماية مشاريعها العملاقة من شظايا الاضطرابات الإقليمية.

مؤسسات مالية قوية

وشرح أزعور في إجابته على سؤال «الشرق الأوسط» أن السعودية عملت بذكاء لربط سياستها المالية بـ«مرساة» متوسطة المدى. وأوضح أن عملية «إعادة ترتيب أولويات المشاريع» التي تقوم بها المملكة هي ممارسة اقتصادية صحية وطبيعية تفرضها تغيرات الظروف الدولية، والهدف منها هو ضمان استمرار الغرض الجوهري لـ«رؤية 2030» في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف، مؤكداً أن المملكة تمتلك القدرة على التكيف مع اضطرابات طرق التجارة بفضل المؤسسات المالية القوية التي تم بناؤها.

تصدع البنية التحتية للطاقة

وأوضح أزعور أن الصدمة الحالية اتخذت من قطاع الهيدروكربونات مركزاً لها، حيث تشير البيانات والرسوم البيانية إلى توقف مفاجئ لتدفق أكثر من 12 مليون برميل يومياً من النفط والغاز. وشرح أن هذا التعطل لم يقف عند حدود الطاقة، بل تمدد ليصيب «القطاع الحقيقي»؛ حيث سجلت السياحة في معظم دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً، كما تضررت ثقة قطاع الأعمال، وظهرت تداعيات ذلك بوضوح في اتساع هوامش الائتمان وتذبذب العملات، وكان الجنيه المصري الشاهد الأكبر على وطأة هذه الهزات الارتدادية العنيفة.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

سيناريوهات «يوم الحساب»

وعند الانتقال للحديث عن المستقبل، رسم أزعور ملامح «السيناريو المرجعي» الذي يفترض انتهاء الأعمال القتالية بحلول منتصف العام، ومع ذلك، أوضح أن الأسواق يجب أن تتأهب لأسعار نفط أعلى بـ10 دولارات للبرميل. وحذر بشدة من سيناريو «أكثر تعقيداً» قد يقفز فيه النفط إلى متوسط 130 دولاراً لفترة طويلة، مبيناً أن هذا التحول سيحول الأزمة من صدمة عرض إلى عبء ثقيل على موازين الدول المستوردة للنفط مثل الأردن وتونس، حيث سيؤدي لانكماش حاد في الحساب الجاري.

ترابط مصالح المنطقة

وشرح أزعور بعمق مدى ترابط مصالح المنطقة، موضحاً أن دولاً مثل باكستان ومصر والأردن تعتمد بشكل بنيوي على دول الخليج، ليس فقط في تأمين الطاقة، بل في «شرايين الحياة» المالية. وأكد أن أي اضطراب في الخليج يترجم فوراً إلى تراجع في تحويلات المغتربين (التي تمثل 5 في المائة من الناتج المحلي لبعض الدول) وتوقف في التدفقات الرأسمالية، محذراً من أن استمرار الحرب قد يحول أزمة الطاقة إلى «كارثة أمن غذائي» للدول الهشة بسبب ارتفاع تكلفة الأسمدة والسلع الأساسية.

«ابقوا البارود جافاً»

وفي الجزء الأكثر حزماً من عرضه، أوضح أزعور أن «مساحة المناورة» أمام الحكومات باتت تضيق بسبب المديونية العالية التي خلفتها الجائحة. واستشهد بنصيحة «وزير مالية خليجي» بضرورة «إبقاء البارود جافاً»، شارحاً أن الدول مطالبة اليوم بالرشاقة في استخدام هوامش الأمان المتاحة لها. وشدد على ضرورة «المعايرة» الدقيقة للسياسات؛ بحيث يتم إلغاء الدعم الشامل وتوجيهه نقدياً للفئات الضعيفة، مع ضرورة الحفاظ على «تشديد نقدي» لمحاربة التضخم، والاعتراف بأن مرونة سعر الصرف هي الدرع الحقيقية لحماية الاقتصاد من الهزات العنيفة.

ورأى أزعور أن هذه الأزمة، رغم قسوتها، يجب أن تكون نقطة تحول تفرض إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد للمنطقة. وأوضح أن الاعتماد المفرط على مسارات تجارية وطاقية أحادية بات يشكل خطراً وجودياً في عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية المتسارعة، مشدداً على أن «اليوم التالي» للحرب لا ينبغي أن يكون عودة للنماذج القديمة، بل انطلاقة نحو بناء «اقتصاد المرونة».

وشرح أن هذا التحول الجذري يتطلب مسارات عمل متوازية؛ تبدأ بتسريع وتيرة تنويع القواعد الإنتاجية لتقليل الحساسية تجاه صدمات أسعار الطاقة، وصولاً إلى تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي أثبتت الأزمة أنه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو «درع أمان» اقتصادية مشتركة. كما أشار إلى ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي عبر الابتكار، لضمان ألا تظل لقمة عيش شعوب المنطقة رهينة لتعطل سلاسل الإمداد العالمية.

وفي رسالة لصنّاع القرار، أكد أزعور أن الاستقرار المالي المستدام لا يتحقق فقط بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل ببناء «مخففات صدمات» هيكلية في صلب الأنظمة الاقتصادية، تجعل من دول المنطقة فاعلاً قادراً على امتصاص الهزات الكبرى والتحول نحو نمو أكثر استدامة وشمولاً، بعيداً عن تقلبات الجغرافيا السياسية وحروبها الممتدة.


بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال البنك المركزي الياباني، يوم الثلاثاء، إنه يجب على اليابان توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار التوترات قد يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة، ويزيد من حالات تعثر الشركات. وقال بنك اليابان في تقرير نصف سنوي: «يحافظ النظام المالي الياباني على استقراره بشكل عام».

ولكن التقرير أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف شراء السلع الأساسية للشركات، والتأثير على سلاسل التوريد، مما قد يزيد من مخاطر التعثر، على الرغم من أن إقراض أكبر 3 بنوك يابانية للشرق الأوسط لا يزال محدوداً.

وأضاف التقرير: «لا يزال من الضروري إيلاء اهتمام دقيق لاحتمالية تأثير ذلك على الأوضاع المالية للشركات، وإدارة تدفقاتها النقدية».

وأشار التقرير أيضاً إلى المخاطر المرتبطة بازدياد نشاط المؤسسات غير المصرفية، مثل صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، ومقرضي الائتمان الخاص.

ووفقاً للتقرير، لم تُقدِّم البنوك اليابانية الكبرى حتى الآن سوى نحو 9 في المائة من إجمالي قروضها الخارجية للصناديق الأجنبية، بما في ذلك الأسهم الخاصة والائتمان، مما يدل على أن انكشافها لا يزال محدوداً في الوقت الراهن. ومع ذلك، ذكر بنك اليابان أن القطاع المصرفي المحلي يزداد ترابطاً مع المؤسسات غير المصرفية الأجنبية، محذراً من أن الضغوط التي تُؤثر على هذه المؤسسات من حيث الائتمان أو السيولة «قد تنتقل بسهولة أكبر إلى القطاعات المصرفية في مختلف الدول».

وقد واجهت بعض صناديق الائتمان الخاصة في الولايات المتحدة طلبات استرداد مرتفعة؛ حيث سارع المستثمرون الأفراد القلقون إلى سحب استثماراتهم، وسط مخاوف بشأن الشفافية والتقييمات والاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

ولا يزال سوق الائتمان الخاص في اليابان صغيراً نسبياً، نظراً لسهولة حصول الشركات على قروض مصرفية تقليدية، لكن البنوك اليابانية زادت من تمويلها لصناديق الائتمان الخاصة العالمية في السنوات الأخيرة سعياً وراء عوائد أعلى.