فيلمان عربيان وانتهى الأمر.. سوري عن مأساة حمص في مقابل موريتاني عن متطرفي مالي

{الشرق الأوسط} في مهرجان «كان» السينمائي (3)

 المخرج عبد الرحمن سيساكو
المخرج عبد الرحمن سيساكو
TT

فيلمان عربيان وانتهى الأمر.. سوري عن مأساة حمص في مقابل موريتاني عن متطرفي مالي

 المخرج عبد الرحمن سيساكو
المخرج عبد الرحمن سيساكو

بكى المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، في المؤتمر الصحافي الذي عقد بعد عرض فيلمه الأخير «تمبوكتو». حاول أن يشرب من زجاجة الماء التي على الطاولة أمامه، لكنه تراجع عنها ووضع راحتي يديه على عينيه وبكى.
كان يشرح الوضع في الجوار. فيلمه ذاك يقع في جمهورية مالي غير البعيدة، ومثلها مثل دول أخرى في أفريقيا، وخارج أفريقيا، تشهد انتشار المد الإسلامي المتطرف وارتفاع نبرة التشدد الملازمة له. في فيلمه هذا، يتقدم أحد مشرفي «الإمارة» المعلنة في عاصمة مقاطعة تمبوكتو طالبا من امرأة أفريقية محجبة ترتدي الزي الإسلامي الصحيح، ويأمرها بارتداء القفازات. لكنها بائعة أسماك؛ كيف يمكن لها أن ترتدي القفازات وتبيع؟
في يوم واحد أنجز مهرجان «كان» السينمائي عروضه العربية الرسمية، وفي الوقت نفسه، نظرته على وضعين متجانسين في العالمين العربي والإسلامي. «تمبوكتو» حول المتطرفين الإسلاميين وقد استولوا على القرار وشؤون الحياة، و«ماء الفضة» حول ما يقع في سوريا من حرب طاحنة.
بعد ذلك سينصرف المهرجان، تبعا لجدولته، صوب أوجاع العالم الأخرى: الثقافة المنهارة تحت وطأة العزلة الفردية في فيلم جان - لوك غودار «وداعا للغة»، وصراع النقابات في بريطانيا حسب البريطاني كن لوتش في «قاعة جيمي»، وانتشار المخدرات والعنف في لندن اليوم كما عند فيلم «ثلج في الفردوس» لأندرو هولم، ثم هناك الذكرى المئوية لانطلاق الحرب العالمية الأولى سنة 1914، ومن الوسط الأوروبي الذي يشهد الأحداث العاصفة اليوم، في «جسور ساراييفو»، حيث غودار أحد 13 مخرجا التأم حول هذا المشروع.

* صوت معتدل
ليست أفلاما كثيرة العدد ولا هي غالبة، إذ إن السائد لا يزال الحكايات الفردية والمشاكل الشخصية التي عادة ما تكون انعكاسا لأوضاع أعم، لكنها (سينمائيا على الأقل) تبقى تحت مظلة الهم الفردي في معظم الأحيان.
الرابط بين فيلم «تمبوكتو» لسيساكو و«ماء الفضة» للسوريين أسامة محمد ووئام سيماف بدرخان لا يمكن نكرانه؛ في الأول حديث عن بيئة صحراوية مقهورة، وفي الثاني بيئة مدنية وقعت تحت أقدام ديكتاتورية النظام وفاشية الحكم. في الأول هناك بلدة، وفي الثاني هناك مدينة حمص، ومن خلال حمص، كل سوريا ماثلة.
«تمبوكتو» يبدأ بغزال يركض هربا من سيارة يعتليها مسلحون يطلقون عليه النار وينتظرون أن ينهكه الركض فيقع. بعد ذلك هناك ذلك الغربي معصوب العينين الذي يساق إلى قلب منطقة المسلحين. يبادرك الشعور هنا بأننا قد نرى صراعا بين الشرق والغرب، أو أن هذا الرجل الفرنسي الذي جرى جلبه إلى المكان على أهبة أن يموت فيه. لكن الأحداث تتركه تماما (إلى نحو ربع ساعة قبل نهاية الفيلم) لتحكي فصلا موازيا؛ هناك قرية تتبع البلدة نسمع أن سكانها هجروها لكننا لا نرى منها سوى خيمة واحدة يعيش فيها رجل من الطوارق وزوجته وابنته. عندما يهرع ابن جاره الراحل باكيا، كون مواطن أفريقي قتل واحدة من البقرات (عندما داست شبكته المنصوبة لصيد السمك من النهر الكبير) يقرر أن يواجهه. مشادة تقع. الأفريقي يسقط قتيلا. ها هو الزوج في عهدة الإدارة الحكم المحلي بانتظار صدور الحكم بإعدامه. إنه لا يخشى الموت، لكنه يخشى وجه ابنته التي لن يراها. يخاف على مستقبلها وعلى مستقبل زوجته من بعد رحيله.
هذا هو الإطار العام للحكاية التي لا يسردها المخرج سيساكو كما وردت هنا، بل ينتقل ما بينها وبين تصوير التعليمات الجديدة التي أصدرتها الإمارة الحاكمة. إلى جانب، ذلك المشهد الصغير حول بائعة السمك، هناك فصلان حول عزف الموسيقى داخل البيوت الذي بات ممنوعا. في الفصل الأول يتبين أن الغناء إسلامي، فيُسمح به، وفي الثاني عاطفي، فيُقاد الساهرون والعازفون إلى حيث يجري تنفيذ حكم الجلد والرجم عليهم.
هناك صوت معتدل يسعى المخرج لتقديمه ليكون مواجها يبث نوعا من التوازن المطلوب، وهو صوت أحد الشيوخ الذي يندد، قبل مشاهد الرجم والجلد، بأحكام صدرت من دون ضرورة الشورى، بل تبعا لأوامر فردية، حيث يتدخل لمنع تزويج فتاة رغما عنها لرجل لا تعرفه. لكن المشهدين الرئيسين اللذين يظهر فيهما صوت العقل لا يؤديان إلى أكثر من التذكير بأن الإسلام الحنيف ليس على صورة ما يرتكبه التطرف. وهو تذكير في محله رغم أنه درامي لا يلعب دورا مؤثرا، فعلى مقربة هناك مجموعة «بوكو حرام» التي تجاوزت أي خط اعتدال، بل أي موقف متطرف سابق وأخذت تتصرف على نحو يخرق كل القوانين الإنسانية. هذا في بال المشاهدين الغربيين وهم يتابعون أحداث «تمبوكتو».

* سلبيات
لكن «تمبوكتو» ليس فيلما جيدا للأسف. هناك مشاهد جيدة فيه. في الواقع، ربع الساعة الأول من الفيلم، يعد بتحفة صغيرة، وصولا إلى ذلك المشهد الذي يلعب فيه الفتيان لعبة كرة قدم من دون كرة قدم (ممنوعة)، فإذا بهم يمثلون اللعب في مشهد يعلو فوق باقي مستويات العمل التعبيرية، وعلى أنغام غناء وموسيقى مناسبين.
تنظيم السرد في عملية تتابع متطورة البناء مشكلة سيساكو الأولى. النقلات من وإلى الأحداث هي أقرب لأن تكون نقلات بين فيلمين مختلفين.
فأحداث الطوارقي وعائلته لا تتجه صوب ما يقع في البلدة، وأحداث البلدة (من حيثيات سيطرتها على القرار) لا تتوجه صوب الجانب الآخر من الفيلم. حين يقع التلاقي يقع بعد عثرات درامية واضحة. إنه فيلم رسالة، والرسالة تأخذ العناية الأكبر في فيلم كان يستحق معالجة كلية أفضل.
مشكلة أخرى عند المخرج الموريتاني تتعلق بعدم سعيه لاستكمال المشهد الذي يكوّنه بالتفاصيل الضرورية: لماذا رحل أبناء الضاحية الصحراوية؟ ما الذي أبقى الطوارقي في المكان دون سواه؟ ولماذا يرعى الصبي عشرات الأبقار (يختلف العدد من مشهد لآخر) فوق الرمال الخاوية من النباتات؟
ربما هي الميزانية المحدودة التي قد تكون منعته من إنشاء بلدة كاملة، لكن هذا سبب، وليس عذرا، لا يمكن تطويعه.
من ناحية أخرى، هناك شخصية لامرأة أفريقية تحمل ديكا على كتفها. تضحك بلا مبرر، وتبدو كما لو أنها تستوعب أكثر مما تفصح عنه. شخصية يمكن عدّها مجنونة، لكنها في الواقع مأخوذة من سينما السبعينات عندما كان منتشرا في السينمات المغاربية تقديم «مجنون القرية» و«أبله القرية»، ذكرا كان أم أنثى.
أما ذلك الفرنسي، فنراه مرة أخرى وأخيرة وهو يرقص شيئا مما يمكن وصفه بالباليه (لست متأكدا). من هو؟ وما هو؟ أمران لا إجابة عنهما.
لا يحار المرء كثيرا في موقع الرسالة من الفيلم. إنها في القلب. وبكاء المخرج في المؤتمر سبقه بكاؤه من خلال الفيلم على حال لم يعد بالإمكان وصفها بالكلمات، ربما ليس هنا على أي حال.

* معاناة بلا رتوش
الأمور عند المخرج السوري أسامة محمد مختلفة. إنها أكثر وضوحا. قبل أكثر من ثلاثة أعوام انطلق الشعب السوري في درعا وحماه وحمس وانطلياس وسواها بمظاهرة كان يجب أن تواجه بالورود عوض الرصاص. لكن النظام اختار الحل العنيف، والفيلم يواكب ما حدث، وينضح من خلاله بمشاهد بالغة العنف ومثيرة للكآبة المطلقة. لا يستطيع إلا أن يكون ملتصقا بالواقع كما يعرضه، وإلا لكان فيلما آخر.
«ماء الفضة» فيلم تسجيلي يبدأ بعبارة تقول إن الفيلم مؤلف من ألوف الصور التي التقطها ألوف الأشخاص، و«أنا»، بلسان المخرج الذي سبق له أن قدم فيلمه الروائي الطويل الأول «صندوق الدنيا» في هذا المهرجان قبل سنوات طويلة، ثم غاب عن الإخراج، ولو أنه شارك في كتابة السيناريوهات لبضع أفلام سورية روائية خلال السنوات العشر الأخيرة ومن بينها أفلام عبد اللطيف عبد الحميد.
أسامة محمد مخرج علوي المذهب، لكن ذلك لم يمنعه من أن يعارض النظام وهو يتحدث (صوتا فقط) معلقا على وضعه، إذ ترك سوريا في عام 2011 إلى باريس، وشعر بأنه خان وطنه حين فعل ذلك، ثم أخذ يرتب لعودته، لكنه ترتيب ذهني لا أكثر «ليلا أريد أن أعود. في صباح اليوم التالي أذهب وأشتري (مايكروسوفت)».
يوفر المخرج في نحو نصف ساعة أولى كثيرا من المشاهد التسجيلية حول كيف ولماذا انطلقت الثورة وكيف ووجهت. نرى عنف رجال النظام الدموي والإهانات غير الإنسانية التي يتلقاها من أُلقِي القبض عليهم.
إنسان يُعامل هكذا في الاعتقال ناتج عن أنه كان يعامل هكذا، ولو على نحو غير ملموس أو مرئي، حين كان خارج الاعتقال. لا يمكن القول: «حين كان حرا»، لأن الحرية هي ما ناضل الشعب من أجله، ولو كانت موجودة لما كانت ثورته.
في جزء ثان (وكل جزء مقسوم إلى فصول، وكل فصل بعنوان مختلف) نتابع رابطا صوتيا بين المخرج وفتاة كردية اسمها سيماف. هو في باريس يتابع بقلق، وهي في حمص تعيش الحال المزري الذي ألمّ بها وبالحمصيين جميعا.
إنها من يطلب منها المخرج لاحقا أن يصنع مما تسلمه من مواد مصورة (منها أو من سواها) فيلما تسجيليا يحمل المعاناة، من دون رتوش وبلا قصة أو بطولات.. لتتكم الجدران المكتومة والمباني المحترقة والأجساد المرمية في الشوارع والقطط التي احترقت وهامت، والمعذبون الذين فتك بهم لمجرد خروجهم مطالبين بالحرية («بدك حرية.. آه؟») يقول أحد الضباط، وهو يواصل ضرب أحد المواطنين على ظهره.
لكن إذا ما كان الفيلم، وعلى نحو طبيعي، بلا قصة، فإنه ليس بلا تعليق يحاول أن يلعب دورا فلسفيا وثقافيا. وضع المخرجان عبارات من نوع «أنظر إلى البيت والبيت ينظر لي» و«تتنفسني الحياة» و«هل أنا هنا أو أنا هناك؟».. القليل من ذلك نافع، لكن ما استُخدم منه هنا كثير، وفي أحيان متوالية ينفصل عما يود المرء سماعه. يمنع الفيلم من تحليله للواقع وينصرف لبلورة تلك الوجدانيات التي مكانها فيلم آخر.
في إحدى محطاته يحاول «ماء الفضة» أن يعكس معادلة متوازنة؛ تشكو الفتاة في واحدة من مراسلاتها من جور المتطرفين الذين استولوا على المدينة وتتساءل، على نحو مفهوم، ما إذا كانت الثورة دخلت نفقا طويلا يبعدها عما انطلقت من أجله. لكن هذه المشاهد قصيرة لا تخدش رسالة الفيلم الأصلية، ولو أنها تزيد من بعد المسافة بين الفيلم وأي تحليل سياسي ممكن. تبقيه، بكلمات أخرى، في نطاق التعبير الذاتي بعيدا عن السياسة، وهذا مبرر بدوره.
أهم ما في هذه المحاولة لا يمكن أن يكون حواره وجمل تعليقاته، بل الشكل الذي صاغ فيه المخرجان عملهما. إنه صادق، ولذلك هو مفجع. بصريا ممعن وبصرياته منظمة بفن تجريبي، وأحيانا بفن متأثر من أسلوب غودار في الخلط بين الصور والكلمات.
حين انتهى الفيلم لم يصفق له كثيرون. كيف تصفق لفيلم مأسوي؟ إعجابا به أم إعجابا بالمأساة؟ لكن الجميع، على أي حال، خرج وقد شملته الكآبة. ها نحن في حضرة فيلم عن وضع آخر لم يعد قابلا للوصف.

* أخبار وهوامش
* الصحافة السينمائية في «كان» وقفت إلى جانب المنتج هارفي واينستاين حول مسألة فيلم «غريس أوف موناكو».
في الأول قامت مجلتا «فاراياتي» و«ذا هوليوود ريبورتر» بتقديم قراءة نقدية سلبية للفيلم قبل عرضه‬. في اليوم الثاني، انضمت مجلة «سكرين» متسائلة ما إذا كان بإمكان واينستاين فعل شيء «حيال فيلم بمثل هذا المستوى».
* الأمير عظيم حاجي بولكيا، ابن ملك بروني، وصل إلى «كان» وفي خططه الإشراف على قيام شركته المؤسسة حديثا في لندن (اسمها داريل برينس برودكشنز) بإنتاج أول فيلم لها تحت عنوان «أنت لست أنت». في الوقت ذاته، يواجه موقف والده الذي اشترى واحدا من أكبر فنادق لوس أنجليس (ذا بفرلي هيلز هوتيل)، بعدما أشيع أن السلطان معادٍ للمثليين، مما أثار ضده حملة شعبية معارضة واعتصامات أمام الفندق.
* أصداء وفاة المخرج السويدي من أصل عربي مالك بنجلول تركت أثرا حزينا هنا كون الشاب الراحل أقدم على الانتحار نتيجة شعوره بالكآبة، حسب تصريح شقيقه، رغم إنجازه أوسكار أفضل فيلم تسجيلي العام الماضي،



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».