رحيل أبي سينما الرعب الحديثة جورج أ. روميرو

رحيل أبي سينما الرعب الحديثة جورج أ. روميرو

استخدم أفلام «الزومبيز» لتحقيق غايات اجتماعية
الثلاثاء - 24 شوال 1438 هـ - 18 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14112]
84 إعجاب - 54 تعليق
سان فرانسيسكو: محمد رُضـا
في الرابع من أبريل (نيسان) سنة 1968، قاد المخرج جورج أ. روميرو، الذي توفي يوم الأحد الماضي، سيارته من مدينة بنسلفانيا إلى مدينة نيويورك حيث كان مقرراً حضور اجتماع عمل في الشركة التي ستقوم بتوزيع فيلمه الأول «ليلة الموتى الأحياء» (Night of the Living Dead).

الطريق طويل والسلوى الوحيدة المتاحة الاستماع إلى الراديو. فجأة ورد خبر مفاجئ: تم اغتيال مارتن لوثر كينغ.

بطريقة ما، وخلال الأشهر القليلة اللاحقة، عندما داهم نجاح الفيلم التوقعات التي أحيط بها على المستوى التجاري، تم الربط بين اغتيال كينغ وبين مقتل الممثل الرئيسي دواين جونز في نهاية الفيلم.

دواين ممثل أفرو - أميركي لم ينل الكثير من الشهرة لكن الذين شاهدوه في هذا الفيلم الأول لمخرجه تجاوزوا عشرين مليون فرد منذ ذلك الحين. السيناريو المكتوب أوصى بممثل يؤدي شخصية شاب يجد نفسه، وسبعة أشخاص آخرين، محاصرين في منزل ريفي من قِـبل «الزومبيز». في نهاية الفيلم هو الوحيد الناجي من أنياب المخلوقات القاتلة. هناك فريق من البيض الباحثين عن الزومبيز لقتلهم. يخرج من البيت ملوحاً لرجال الفريق المسلحين (وكلهم من البيض)، لكن أحدهم يبادر بإطلاق النار عليه ويرديه.

في عام 1999 التقيت بالمخرج الذي رسم معالم جديدة من يومها بالنسبة لسينما الرعب وسألته عما إذا كان وجود ومقتل الممثل الأسود مقصوداً للإشارة رمزاً إلى الوضع العنصري في الولايات المتحدة. ردّ:«ليس على الإطلاق. اخترت دواين لأنه ممثل جيد وحدث أنه أفرو - أميركي كما حدث أنه يُـقتل في النهاية عن طريق الخطأ. لكن عندما سمعت نبأ مقتل مارتن لوثر كينغ في تلك الليلة أدركت أن الفيلم قد يستفيد من هذا التوقيت. وما لبث النقاد بعد مشاهدتهم الفيلم أن كتبوا مفترضين وجود علاقة بين لون بشرة الممثل وبين موته».

* أسود وأبيض

ذلك الفيلم الذي تكلف 114 ألف دولار فقط وتم تصويره في بعض ريف فيلادلفيا بالأبيض والأسود كان الأول في سلسلة أفلام لروميرو دارت حول تلك الجرثومة الغامضة التي انتشرت بين الآدميين وحوّلتهم إلى زومبيز. بناء على نجاحه هذا (حقق نحو 4 ملايين دولار حينها) قرر روميرو المضي في تحقيق أفلام رعب فأنجز عملين هما «المجانين» (1973) و«مارتن» (1978) اللذان حفظا صيته كصانع أفلام رعب، لكنهما لم يتمتعا بالأصالة التي تميز بها «ليلة الموتى الأحياء». هذا ما دفعه إلى إنجاز جزء جديد سنة 1978 حمل عنوان «فجر الموتى الأحياء»، ثم ثلاثة أفلام أخرى تنتمي إلى هذه السلسلة وهي «يوم الموتى» (1985) و«أرض الموتى» (2005) ثم «مفكرة الموتى» (2007).

في السنوات الأولى بعد «ليلة الموتى الأحياء» لم يثر ذلك النجاح المحدود حماس أحد. الفيلم، الذي تم إنتاجه مستقلاً، كان له وضعه الخاص. لم يكن أول فيلم عن الزومبيز، وجورج أ. روميرو لم يستخدم كلمة زومبيز في أي من أفلام السلسلة، لكن الأفلام التي تتحدث عن هذه المخلوقات الشرهة التي لا تموت كانت ما تزال تتم في إطارات إما كلاسيكية تماماً (تفضل الإيحاءات والأجواء الداكنة) أو منفلتة من أي انتماء فعلي (أفلام إيطالية وأميركية تخلط الرعب بالعنف الشديد.

* أفلام روميرو كانت مختلفة ومختلفة جداً

نعم، هناك مشاهد يمكن وصفها بالعنف، لكن لم يكن هناك ذلك الدم المراق والألوان الفاقعة التي تروّج له. في الحقيقة ذلك الفيلم الأول كان بالأبيض والأسود، ومع أن المخرج استخدم الألوان في الأجزاء التالية، إلا أنه لم يكترث للمشاهد المقذعة أو ذات العنف البالغ.

هذا ليس كل ما تميّـزت به أفلام روميرو، بل تميّـزت عن سواها من أفلام الأحياء - الموتى قبله وبعده، بأنه احتوى على مضامين سياسية. لدينا ادعاء المخرج بأن وجود ممثله الأفرو - أميركي كان بالصدفة، لكن لدينا أكثر من ذلك لنؤكد إن المسألة كانت محسوبة.

حين تم الاتصال بدواين جونز لبطولة هذا الفيلم لاحظ أن الشخصية المسندة إليه هي شخصية سائق شاحنة. طلب تغييرها لشخصية شاب مثقف وسنرى أن هذا عزز الفيلم من حيث لم يحسب صانعه بادئ الأمر. ذلك أن السيناريو ينص، كما يُظهر الفيلم أيضاً، أن شخصية بن، التي أداها جونز، ليست شخصية أنانية. طوال الوقت في ذلك الفيلم وهو يحاول إنقاذ الأشخاص المحتجزين معه داخل ذلك البيت المحاصر. كل تلك الشخصيات بيضاء (رجالاً ونساء). كلهم باستثناء واحد راضون بقيام بن بقيادة وتنظيم وضعهم الحرج باستثناء شخص أبيض البشرة. لا يتفوه بأي عبارة عنصرية، لكن تصرّفاته تدل على شعوره بالحقد عدا عن أنه لا يريد أن ينصاع لأوامر شخص من بشرة غير بشرته.

بذلك الوضع نفسه كشف المخرج في ذلك الفيلم عن رموزه: الشخصيات كافة تمثل المجتمع الأميركي. بن الأسود هو من يحاول إثبات جدارته في هذا المجتمع وبعض البيض يحاول منعه من ذلك. إنه صدى لما كان يحدث (ولا يزال) في المجتمع أينما جثم تحت وطأة التفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

حتى وإن لم يكن روميرو يقصد شيئا بموت بطله بن (وهو ليس الواقع) فإن النهاية تجسيد لما سبقها. بيض الخارج الممثلون بفريق صيد الزومبيز يقتلون هذا الأسود الذي دافع عن بيض الداخل.

أكثر من ذلك، الزومبيز هنا من البيض. ومن قبل، في السينما الأميركية، اعتاد الجمهور مشاهدة زومبيز من ذوي البشرات الداكنة. هذه المرّة الزومبيز بيض مثل غالبية المشاهدين. بالتالي هؤلاء المتوحشون يمثلون المواطنين الأميركيين وليس مواطني «وست إنديز» أو جزيرة غوام في المحيط الأطلسي كما درجت الأفلام القديمة على تقديمهم.

* رعب وسياسة

في فيلم روميرو الثاني من السلسلة «فجر الموتى الأحياء» (1978) ينتقل المخرج إلى ما هو أبعد. من هنا الفيلم وصاعدا فإن روميرو سوف يعمل على فكرة أن المجتمع الأميركي هو الذي أنتج الزومبيز لأن المكوّنات الجينية موجودة فيه. وهي ليست مكوّنات عضوية أو تنتمي إلى خلايا البدن إلا بالنتيجة. أما الفاعل الأساسي فهو الكيفية الاستهلاكية التي يقوم عليها المجتمع.

لهذا الفيلم كتب المخرج سيناريو تقع أحداثه في «شوبينغ مول» بعد أن استفحل الوضع لدرجة يبدو فيها الانتصار على الزومبيز مستحيلاً. خمس شخصيات تلجأ إلى مركز تجاري شاسع للاحتماء بداخله. يعثرون فيه على أسلحة وينقلون ما يريدونه منها إلى مخبأهم. بعد حين يتسلل الزومبيز إلى المتجر وأول ما يقومون به هو التجوال في المكان متسعيدين فيه ذكرياتهم حين كانوا بشراً عاديين.

من ناحية هو مشهد محزن، ومن أخرى هو مشهد سياسي بامتياز يقصد نقد الطبيعة الاقتصادية والاستهلاكية التي تخلق أجيالاً تسعى من دون أن تصل وتحلم من دون أن تحقق وتتحوّل بالنتيجة إلى مخلوقات شبه آلية.

في الجزء الثالث «يوم الموتى» (1985) نجد روميرو وهو يتهم الجيش بممارسات عسكرية فاشية. هنا توصل روميرو لتقديم نماذج قصد منها نقد ما سمّاه «الطبيعة الفاشية للعسكر». في لقائنا آنذاك شدد على أن «لا أقصد إدانة القوة العسكرية للولايات المتحدة وحدها. بل القوى العسكرية بالعموم. لم يكن ذلك في مقدور الفيلم أساساً. لكني أعتقد أن الرسالة وصلت».

ما بين السبعينات والثمانينات كانت سينما الرعب المتأثرة بهذا المنهج المزدوج (الرعب والسياسة) قد بات منتشراً. ونحن نجده في أفلام شتّـى خرجت في ذلك الحين، بينهما فيلم وس غرافن «الهضاب لها أعين» (1977) وفيلم توبي هوبر «مذبحة تكساس المنشارية» (The Texas Chain Saw Massacre) سنة 1974 وجون كاربنتر («أحياء»).

في الفيلمين الأولين من هذه الثلاثية نهج يعتمد على النبش في النسيج الاجتماعي الأميركي. أحداثهما تدور في الريف الأميركي، ذلك الذي قدّمته أفلام الرعب والخيال العلمي في الخمسينات كبيئة مهددة بالمخلوقات الغازية. لكنها هنا لم تعد مثال «الأميركانا» ونبضها الوطني، بل كشفت عن أنها بيئة لشر البعيد عن الأعين.

أما في فيلم جون كاربنتر (الشهير بـ«هالووين») فقد عاين الموضع ذاته الذي عاينه قبله. «أحياء» (The Live) سنة 1988 عن رجل عاطل عن العمل في مدينة يحكمها بوليس قوي يكتشف وجود نظارة سوداء إذا ما وضعها على عينه شاهد مخلوقات غير آدمية هي التي تسيطر على الحياة. فيلم بارع، وجيد جداً، يقصد أن ينال من الحياة الاستهلاكية كون هذه المخلوقات هي التي باتت، حسب الفيلم، تسيطر على حياتنا وتمنع الغالبية من التقدم وجني أسباب الثراء.

ما صنعه روميرو هو منح سينما الرعب مواضيع جادة تطرحها عوض أن تبقى سائحة في دروب التخويف المحض. وبعد انطفاء مرحلته ومرحلة أترابه المذكورين، وسواهم، عادت سينما الرعب خاوية - غالباً - من المضامين الاجتماعية (استثني Get Out الحديث الذي يعمل على بعض خطوط وضعها روميرو في أول أفلامه) مكتفية بتصوير الزومبي كبهائم والآدميين كضحايا لا قيمة لها. وعلى حد قول المخرج في تصريح له لمجلة «ذا هوليوود ريبورتر» قبل أشهر قليلة فإن الزوبيز في فيلم World War Z» الذي قام براد بت بإنتاجه وتمثيله صوّر الزومبيز مثل نمل و«هذا ليس بيت القصيد».
أميركا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة