حمدين صباحي لـ {الشرق الأوسط}: أحترم المعاهدات لكن {كامب ديفيد} بحاجة لتعديل

المرشح لانتخابات الرئاسة المصرية أكد حاجة بلاده لتأجيل النزاعات الخارجية والتفرغ للتنمية في الداخل

المرشح الرئاسي المصري حمدين صباحي ({الشرق الأوسط)
المرشح الرئاسي المصري حمدين صباحي ({الشرق الأوسط)
TT

حمدين صباحي لـ {الشرق الأوسط}: أحترم المعاهدات لكن {كامب ديفيد} بحاجة لتعديل

المرشح الرئاسي المصري حمدين صباحي ({الشرق الأوسط)
المرشح الرئاسي المصري حمدين صباحي ({الشرق الأوسط)

قال المرشح لانتخابات الرئاسة المصرية، حمدين صباحي، إنه قرر خوض الانتخابات لتحقيق أهداف الثورتين اللتين أسقطتا حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، والرئيس السابق محمد مرسي. وأضاف في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» أن الصلاحيات المحدودة للرئيس وفقا للدستور الجديد الذي أقر مطلع هذا العام، لن تعيق عمل الرئيس، ولكنها ستؤدي لإقامة نظام ديمقراطي عبر البرلمان.
وتطرق صباحي إلى طموحاته في تحقيق تنمية شاملة في البلاد الفقيرة، مشيرا إلى أن برنامجه في هذا الصدد يسعى لإقامة أنماط اقتصادية «لا تكون مصنفة بين هذا قطاع عام وهذا قطاع خاص وهذا قطاع تعاوني»، ولكن أن يكون فيها «نوع من أنواع التضافر في أشكال الملكية في ظل إدارة ذات كفاءة متفق عليها».
وقال المرشح الرئاسي إنه توجد أولوية في مصر للقضاء على الإرهاب، و«لم شمل» مصر خارج الاستقطاب الحاد الموجود حاليا، مشيرا إلى أنه «لا كل من أيد مبارك كان فاسدا، ولا كل من أيد مرسي هو إرهابي». وأوضح أن خطة مواجهة الإرهاب تتضمن الأمن «لأن الذي يستحل الإمساك بالسلاح في وجه مواطن أو جندي أو ضابط جيش أو شرطة، من حق الدولة أن تردعه»، لكنه أضاف أنه لا بد من التمييز بين حق العقاب على من يمارس الإرهاب أو يدعو إليه، وما بين من يعبر عن رأيه سلميا حتى لو كان له مرجعية ذات طابع إسلامي، وشدد على أن علاقات مصر مع تركيا أو مع قطر سيحكمها احترام المصالح، والتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية.
وأكد صباحي على أنه «مع حظر الإخوان كجماعة، وحظر قيام حزب لها وفقا للدستور»، لكنه دعا للفصل في التعامل بين القيادات التي تسببت في الفساد في عهدي مبارك ومرسي، والجمهور العادي الذي كان مؤيدا لهما. وقال عن علاقته القديمة بالإخوان: «نحن كنا مع الشعب حين كان يتعاطف معهم كضحايا، وكنا معه حين قبلهم كشريك، وكنا معه حين أسقطهم كحكام مستبدين».
كما رد القيادي على ما تردد من مزاعم بشأن استفادته من نظامي الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وقال: إن هذين النظامين سقطا، وعلى من لديه وثائق تتعلق بي أن يخرجها للعلن، قائلا إنها مجرد «حرب شائعات» تظهر مع كل انتخابات، و«أنا لا أملك غير شقتي وقطعة أرض تركها لي والدي». وفي ما يلي أهم ما جاء في الحوار..
* لماذا قررت خوض انتخابات الرئاسة؟
- لأنه توجد ثورتان عظيمتان في 25 يناير و30 يونيو. وكل الثورات تقوم لكي تصل إلى الحكم، بينما نحن في مصر لم نصل في وقت الثورة؛ فلنصل بالانتخابات. هدف الترشح هو تمكين مطالب المصريين، كما عبروا عنها في 25 يناير (كانون الثاني) و30 يونيو (حزيران)، من أن تتحول إلى سياسات نافذة تحقق مصالحهم في دولة ناجحة.
* لكن صلاحيات رئيس الدولة أصبحت أقل وفقا لدستور البلاد الجديد. فهل يمكن لهذه الصلاحيات بهذا الوضع أن تساعد الرئيس في تنفيذ ما يريد؟
- بالتأكيد تساعد الرئيس، لكن أيضا لا بد أن ينظر لقضية وصول الثورة للسلطة باعتبارها أوسع من الرئاسة. أي أن الثورة تشمل البرلمان والمحليات ومعها كل المؤسسات المجتمعية، ولهذا نطرح في حملتنا الانتخابية أننا بعد أن نفوز بالرئاسة، فإن التيار الرئيسي الذي نعبر عنه، وهو الذي يقف مع 25 يناير ولا يعُدّها نكسة، ومع 30 يونيو ولا ينظر لها كانقلاب.. هذا التيار عليه أن يخوض معركة الرئاسة وانتخابات مجلس الشعب وانتخابات المحليات. وبهذا فإن السلطات المتاحة للرئيس، وإن كانت أقل، لكنها تقيم نظاما ديمقراطيا أكثر، وتشرك الشعب في القرار.
* معروف أن البرلمان يحتاج إلى أحزاب وتيارات سياسية قوية، لكن في السنوات الأخيرة كان الأكثر قدرة على التنظيم وحشد الناخبين هو تيار الإسلام السياسي؛ كالإخوان والسلفيين. فهل يمكن أن نرى أحزابا مدنية قادرة على شغل أغلبية البرلمان المقبل وتشكيل حكومة؟
- مصر فيها قوى اجتماعية واعية بمصالحها، وتنظيم حزبي أقل من قدرة القوى الاجتماعية. لكن هذا التنظيم قابل لأن يكون أكثر كفاءة وقدرة على حجم إمكاناته للاقتراب من الناس. ويفترض أن نمكنه نحن من ذلك بتشريعات تسمح بدعم فكرة التعدد الحزبي وتقويتها، ونعوض ضعف كل حزب على حدة بإقامة ائتلافات وجبهات وطنية للمعبرين عن مشتركات. وهذا ما جرى في الثورة، لأن الثورة لم تنجح بقوة الأحزاب ولكن بقوة الجماهير.
القوى الاجتماعية صاحبة المصالح في التغيير. وهذه القوى ما زالت موجودة، وتستطيع أن ترتبط بالأحزاب الأكثر تمثيلا لها، وأكثر قدرة على استيعابها في بنائها التنظيمي. هذا الأمر لم يتحقق بعد، لكن من المفترض أن يتحقق. ومن بين آليات هذا الأمر مثلا: ما هو الحجم المتاح للأحزاب في قانون انتخابات البرلمان المقبل في نظام الانتخاب بالقائمة قياسا بالنظام الفردي.
* من هو التيار الذي تمثله كمرشح لانتخابات الرئاسة. نسمع تعبيرات مختلفة منها أنك تمثل التيار الناصري، وأحيانا يقال عنك المرشح اليساري، وأحيانا مرشح التيار الشعبي؟
- كل هذه تعبيرات صحيحة جزئيا، لكن قاصرة.. نحن في مصر لسنا بصدد فرز آيديولوجي، ولا حتى حزبي. نحن بصدد فرز اجتماعي. أي القوى الاجتماعية الموجودة على الأرض التي لها مصالح وعانت مظالم. هذه القوى هي التي شكلت عبقرية الوحدة من خلال التنوع في ميدان التحرير في 25 يناير 2011. وأيضا في 30 يونيو 2013. وطلبات هذه القوى واضحة.. تريد عدالة اجتماعية ودولة ديمقراطية واستقلالا وطنيا. كانت هذه هي هتافاتها.
أما مسألة تعبيرها التنظيمي، فقد أشرنا إليه وقلنا إنه ما زال فيه قصور، لكن هناك أفق مفتوح له من التطوير. ولن يكون مقتصرا على الأحزاب فقط، ولكن أحزاب وأيضا هناك حركات تجمع قوى وتكتلات سياسية شبابية ليست حزبية، وهناك تيارات ذات طابع سياسي، وهناك هيئات في المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات وغيره.. ما نستطيع قوله هو أن ما نعبر عنه نسميه التيار الرئيس في مصر الذي لديه طلب حقيقي على العدل الاجتماعي والديمقراطية والاستقلال الوطني، وهذا (التيار) لا يمكن اختصاره أو اختزاله لا في الناصرية ولا في التيار الشعبي ولا في اليسار، وإنما هو تيار ديمقراطي اجتماعي مدني يعبر عن رؤية واضحة.
* ينظر البعض إليك على أساس أنك كنت ضمن تيار قومي قوي، خاصة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وأنك كنت، على سبيل المثال، تستخدم خلال عضويتك في البرلمان توصيفا لإسرائيل بأنها «العدو الصهيوني»، وغيره. هل هذا الخطاب ما زال موجودا لديك.. وهل تخشى من أن يخيف مثل هذا الخطاب أطرافا غربية في حال وصولك إلى رئاسة الدولة المصرية؟
- قناعاتي كمصري أنه بالتأكيد يوجد «عدو صهيوني»، وبالتأكيد أن «كامب ديفيد» صلح غير عادل. وبالتأكيد أنا مع حقوق الشعب الفلسطيني. مهمتي ليست فرض آرائي الشخصية على دولة بالغة التنوع ولها مصالح. رأيي أن «كامب ديفيد» تحتاج لتعديل، على الأقل لتمكين الجيش من الانتشار في سيناء دون عوائق. لكني أحترم المعاهدات التي وقعتها مصر، وسأغيرها وفقا لقواعد القانون الدولي.
ودعم الشعب الفلسطيني مؤكد، لكن إدراكي أن هناك معركة للتنمية، وأولها القضاء على الفقر في مصر، يجعل أجندتي بالغة الوضوح.. معركتنا هنا؛ في الداخل. وترتبط كفاءة إدارة هذه المعركة بأفضل سياسة خارجية تحقق مصالح لمصر، خاصة التنمية في معناها الشامل وخصوصا الاقتصادية والنظام الديمقراطي، وهذا يعني تخفيض صراعاتنا خارج الحدود إلى الحد الأدنى، أو نؤجلها ونتفاداها إذا كان هذا ممكنا، وهو أمر صعب طبعا، لأنه لا يمكن تحقيق «صفر مشاكل»، كما يسمونها. لكن هذا يعني أن أولوياتي هي التي ستحدد جدول أعمالي.
في أربع سنوات، في حال الفوز في هذه الانتخابات، لا بد أن تكون المعركة الأولى فيها نموا اقتصاديا هائلا في إطار تنمية شاملة وتوزيع جاد للثروة بطريقة وفلسفة وقواعد قانونية وإدارة سياسية، على عكس التوزيع الظالم الذي جعل قلة تحتكر معظم الثروة على حساب فقر وجوع الأغلبية، بالإضافة إلى إقامة نظام ديمقراطي. أعتقد أن تحقيق هذا سيستنفد السنوات الأربع أو الثماني من عمل أي رئيس مقبل.
* حين كنت في البرلمان كنت من الداعين إلى ضرورة وجود مشروع قومي يلتف حوله الشعب. ما هو مشروعك القومي الذي يمكن أن يجعل المصريين يصبرون على اجتياز هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة؟
- مشروعي هو مشروع (ثورتي) 25 يناير زائد 30 يونيو. أي العدل الاجتماعي والنظام الديمقراطي، وهما وجهان لعملة واحدة. والقدرة على تأكيد أنهما غير قابلين للانفصال، هو ما يمكن أن يحقق استجابة لطلبات التيار الرئيس، لأنه يتكون من أغلبية المصريين. هذا التيار يحتاج لتنمية.. ولدينا في هذا الصدد مشروع جاد لتنمية متعددة المجالات. وهذا التيار يريد أن يضمن أن عائد التنمية يوزع بالعدل، حتى يخدم الأفقر والأضعف.
* ما هي تفاصيل هذا المشروع بشكل أكثر تحديدا؟
- أولا: فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، وهي جزء من التنمية الشاملة، لدينا مشروع جاد لإعادة إنهاض كل القطاع العام المصري الذي تعرض لـ«التخسير». ولدينا مشروع لتوسيع الملكية الخاصة وبالذات للشباب، عبر تبني فلسفة مشروعات صغيرة ومتوسطة ومتناهية الصغر، نستهدف أن ننشئ في خمس سنوات خمسة ملايين مشروع، تملك للشباب.. وسنربط هذا في الملكيات الصغيرة بفلسفة التعاون.
ولدينا تصور لتوسيع المعمور المصري في سيناء وفي أرض النوبة القديمة، وفي الساحل الشمالي الغربي، وفي الوادي الجديد. وكلها مشروعات ستقوم على استثمار أجنبي سيدعى لها، و(عبر) اكتتاب واسع، وهذا جزء رئيس من فلسفتنا، وهي أن يضع المصريون أموالهم في مشروعات يأملون في ربحيتها، ومشاركة من الدولة. نريد أن نقيم أنماطا اقتصادية لا تكون مصنفة بين هذا قطاع عام وهذا قطاع خاص وهذا قطاع تعاوني، ولكن أن يكون فيها نوع من أنواع التضافر في أشكال الملكية في ظل إدارة ذات كفاءة متفق عليها.
ثانيا: نحن نراهن على القيمة التنافسية لموقع مصر من خلال خدمات النقل العالمية وتجارة التعهيد التي يوجد لها أفق واسع جدا في مصر، وتوجد هنا تفاصيل كثيرة أخرى.
* ذكرت مسألة «التضافر» في أشكال المِلكية. ألا ترى أن هذا الأمر يمكن أن يجعل القطاع الخاص العربي والأجنبي يتخوف من الاستثمار في مصر؟
- بالعكس.. سيكون لديه فرص أعلى، وفتح باب للشراكات. وأهم شيء لقطاع الاستثمار أن يكون هناك دولة خالية من الفساد، ولا تضع أمامه العراقيل، ولا تفرض عليه أي «إتاوات» (جبايات). نحن لا نفرض على رأس المال في مصر أي شيء أكثر من أن نوسع قاعدة دافعي الضريبة عبر مجموعة سياسات، وسننتهج عدالة ضريبية عن طريق تطبيق ضريبة تصاعدية متعددة الشرائح، ونستخدم نفس هذه الضريبة كأداة لتوجيه أو حفز للاستثمار في مناطق مثل الصعيد وإقامة صناعات كثيفة العمالة وغيرها. نحن سنشجع الاستثمار الوطني والعربي والأجنبي على القدوم لمصر.
* هذا التطلع لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة يرتبط بالوضع السياسي، وهو وضع يبدو أنه لم يستقر بعد؛ تخرج مظاهرات بين وقت وآخر وهناك تفجيرات هنا وهناك، وهذه أمور أعتقد أنها تخيف السياح والمستثمرين. هل يوجد لديك تصور لحل مشكلة الإرهاب والتنظيمات المحظورة، مثل جماعة الإخوان؟
- أولا: أنا لا أتحدث عن استثمار أجنبي فقط، ولكن أيضا عن قطاع عام وعن مشروعات صغيرة يملكها الشباب، وهؤلاء لن يوقفهم الإرهاب، لأنه لا حجم أموالهم ولا طبيعة أنشطتهم ستكون مرهونة به. ثانيا: توجد أولوية في مصر لقضاء واضح على الإرهاب، وللم شمل مصر خارج الاستقطاب الحاد الموجود حاليا. خطتنا في هذا المجال تتضمن الأمن، لأن الذي يستحل الإمساك بالسلاح في وجه مواطن أو جندي أو ضابط جيش أو شرطة، من حق الدولة ومن واجبها أن تردعه بأقصى الدرجات، وأن تقدمه للقانون، لكن لا بد أن يجري التمييز بين حق العقاب على من يمارس الإرهاب أو يدعو إليه، وما بين من يعبر عن رأيه سلميا حتى لو كان له مرجعية ذات طابع إسلامي. وهنا تأتي أهمية غياب وجود عقاب جماعي. مصر تحتاج لهذا الفصل الحاد بين مواجهة واجبة للإرهاب، وحريات واجبة لسلميين بغض النظر عن رأيهم. وهذه المعادلة ستقلل حجم الاحتقان الموجود في البلد. القضاء على الإرهاب يحتاج لأمن ويحتاج لعدالة ناجزة وخطاب ديني مستنير، ويحتاج لثقافة سائدة بكل وسائلها تعزز فكرة حق الاختلاف في إطار دولة القانون سلميا، وتحتاج لمجتمع ديمقراطي، لأن نمو الحريات إحدى ضمانات انحصار الإرهاب، إضافة للعدالة الاجتماعية. هذه الرؤية تعطي لمصر قدرة على تقوية الأمن في مواجهة الإرهاب، دون أن يكون الاعتماد في ذلك على الأمن وحده.
* وهل أنت مع حظر جماعة الإخوان وفقا للقرارات الرسمية التي صدرت من الدولة، سواء سلطة تنفيذية أو قضائية؟
- نعم.. أنا مع حظر الإخوان كجماعة، وحظر قيام حزب لها وفقا للدستور. وأعتقد أن هذا جزاء عادل سياسيا؛ ليس لفشلهم في السلطة، ولكن لفشلهم في المعارضة، لأنهم وقفوا ضد الشعب وصنعوا بيئة العنف والإرهاب؛ سواء كانوا يمارسونها بالأصالة أو بالوكالة. ووجودهم على الخريطة كتنظيم لا معنى له في ظل التجربة المؤلمة والثمن الفادح الذي دفعناه حين كانوا في الحكم، لكن بالأخص حين أصبحوا في المعارضة. لكن الذي يسري عليهم كتنظيم ليس بالضرورة أن يسري على أشخاص. أنا أريد أن أؤمن للأفراد، كمواطنين اختاروا أن يكونوا ضد الدعوة للعنف وممارسته، حقهم في أن يعيشوا بأمان ولهم ما لكل مصري وعليهم ما عليه.
* هناك من يرى أن قضية الإخوان ستضطر رئيس الدولة المقبل للتعامل في الموضوع مع أطراف أخرى خارج مصر، على أساس أن الجماعة تنظيم «دولي» موجود في عدة بلاد مثل تركيا وقطر وغيرهما. كيف يمكن التعامل مع هذه الحالة؟
- جزء من مشروعية حظر الجماعة هو أنها ليست تنظيما وطنيا ولكنه تنظيم دولي يمكن أن يكون لديه حسابات «ما فوق الوطنية». وهذا غير مقبول في وقت نريد فيه بناء دولة وطنية ديمقراطية مدنية. العلاقات مع تركيا أو مع قطر سيحكمها احترام المصالح. إذا كان هناك احترام لمصالحنا ولم يكن هناك تدخل في شؤوننا الداخلية، فنحن سنرحب بعلاقات خالية من أي صراع.
* موعد الاقتراع يقترب.. فهل تثق في العملية الانتخابية في مصر؟
- طبعا الدولة تمارس تأثيرا مؤكدا، لكن ما نطمح إليه هو أن نقلل حدة التأثير بحضورنا، لأنه إذا كنا غائبين (عن المشهد الانتخابي) فإن هذا التأثير سيكون أفدح. ولا نريد تزويرا على أي حال. أقبل التأثير باعتباره تطورا طبيعيا لمسارنا الديمقراطي، ولسنا مثاليين حتى نتصور أن الدولة ستكون محايدة، وأيضا لسنا مثاليين حتى نقعد في بيتنا إلى أن تصبح الدولة محايدة.. من خبرتنا في كل معركة انتخابات أن تنتزع مساحة أوسع لضمانات بانتخابات ديمقراطية.
* لك تعليقات حذرت فيها من عودة النظام القديم ورجال نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى المشهد السياسي الجديد. ما هي المؤشرات على ذلك؟
- أصلا النظام القديم لم ينته. نحن أسقطنا رأسه، بل أسقطنا رأسين لنفس النظام، لأن في رأيي أن نظام الإخوان كان امتدادا طبيعيا لنظام مبارك. نفس الاختيارات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع إبدال النخبة المستفيدة من حلف الثروة والسلطة التي انتقلت من الحزب الوطني (الذي كان يرأسه مبارك) إلى مكتب إرشاد الإخوان وقياداته.
والمخاوف التي لدي ليست مخاوف من العودة، ولكن مخاوف من استرداد النفوذ أيضا لأن السياسات ما زالت قائمة. وسبب هذه المخاوف أن جزءا من رجال مبارك كانوا ممن شاركوا في ثورة 30 يونيو، لكنها لم تكن مشاركة المنتصر لثورة 25 يناير كما أراد الشعب، ولكن شراكة المنتقم من 25 يناير، كما أضمروا ولم يفصحوا عن ذلك في حينه. والآن أصبحوا يفصحون عن هذا الأمر. هؤلاء ممن يقولون على 25 يناير «نكسة»، وهؤلاء الذين أفسدوا حلف 30 يونيو بإجراءات فيها غباء سياسي، من نوع إصدار قانون (تنظيم) التظاهر الذي لم يستخدم ضد الإخوان ولكن ضد شباب ثورة 25 يناير. بعض من رموز ثورة يناير الآن في السجن، بينما بعض من رموز نظام مبارك الفاسدة «عائمة» الآن على السطح السياسي.
* ذكرت أن الدولة تساند المرشح المنافس. فما المقصود بالدولة هنا؟
- أعني هنا أجهزة الدولة ومؤسساتها. لكن هناك من هم داخل أجهزة الدولة وخارجها من القوى المستفيدة وصاحبة مصالح. وأنا أصف هذه القوى بقيادات «حلف الفساد»؛ تحالف الثروة والسلطة من عهد مبارك. وهذا بالمناسبة لا يسري على كل أعضاء الحزب الوطني. أنا أميز ما بين قيادات الفساد السياسي والاقتصادي في زمن مبارك، والأعضاء القاعديين للحزب الوطني الذين هم، أو كثير منهم، بالتوصيف الاجتماعي، فقراء حقيقيون وطبقة وسطى أزيحت بعنف، وعيبهم الوحيد أنه لم يكن لهم موقف سياسي، لكن هم مظاليم اقتصاديا واجتماعيا، وهؤلاء من ضمن جمهوري.. مثل جمهور الإخوان المسلمين. الإخوان كان حولهم جمهور واسع جدا، جمهور يستفيد من جمعياتهم الخيرية والصحية، في ظل غياب الدولة. لا كل من أيد مبارك كان فاسدا، ولا كل من أيد مرسي هو إرهابي. والمفروض الآن فصل القيادات التي صنعت الفساد والاستبداد في عهد مبارك ومرسي، عن الجماهير التي أحاطت بهم لأسباب متعددة.
* دائما يجري التفتيش في أي انتخابات- خاصة الرئاسية- عن أصحاب المصالح الذين يقفون خلف المرشح. فمن يمول حملتك الانتخابية؟
- الفقراء.. لو نظرت للتركيبة السياسية، وليس الاجتماعية، لحملتنا، ستجد فيها تقريبا معظم الأحزاب التي نشأت بعد 25 يناير 2011، مثل «الدستور» و«التحالف الشعبي» و«العدل»، بالإضافة إلى «الكرامة» و«التيار الشعبي».
* لكن معروف أن معظمها أحزاب فقيرة ربما لا تقدر على تمويل حملة انتخابات رئاسية؟
- نعم كلها أحزاب فقيرة، لكنها الأحزاب الأكثر تعبيرا عن المستقبل في مصر. ومن حيث التكوين الاجتماعي الواسع، ستجد أن معنا بالدرجة الأولى الأجيال الجديدة. ويوجد عدد معتبر ممن كانوا ينتوون مقاطعة الانتخابات، بدأوا في مراجعة أنفسهم للمشاركة معنا في هذه المعركة. لا شك أن حمل التمويل لدينا فقير، مثلما كان الحال في الحملة الانتخابية الرئاسية التي خضتها في 2012. نقول إن من معه جنيها فليتبرع به، ونتلقى أموالا من أصدقاء كثير منهم من الطبقة الوسطى القادرة على المساهمة. لكن في النهاية لن تجد في حملتنا أصحاب نفوذ من الأثرياء الكبار. ولن نتمكن من أن يكون لدينا نفس حجم الدعاية بشكل متكافئ.
* تردد على بعض مواقع التواصل الاجتماعي أنك تعاونت في السابق مع جماعة الإخوان، سواء من خلال انتخابات مجلس نقابة الصحافيين، أو ما بعدها، وأنك امتدحت القيادي الإخواني خيرت الشاطر. كيف ترد على هذا؟
- أنا دافعت عن خيرت الشاطر حين كان معارضا للمحاكمة العسكرية (في عهد مبارك). أنا دافعت عن كل الإخوان حين كانوا مظاليم. وكانوا زملاء لي في البرلمان حين كنا أعضاء في البرلمان. وحين نزلوا للميدان في 25 يناير قلنا لهم يا مرحبا. وحين دخلنا انتخابات البرلمان (أواخر 2011) كان هناك نحو أربعين طرفا في مصر مشاركا فيها، وكنا واحدا منها. وبالمناسبة الشعب المصري هو الذي أعطاهم الأغلبية في البرلمان وهو الذي أعطاهم الرئاسة، وهو الذي أسقطهم.
نحن كنا مع الشعب حين كان يتعاطف معهم كضحايا، وكنا معه حين قبلهم كشريك، وكنا معه حين أسقطهم كحكام مستبدين. نحن في الموقع المنطقي والطبيعي جدا. ثم من يقولون عني إنني تحالفت معهم في الماضي في الانتخابات يتوقفون عند هذا الحد، ولا يتطرقون إلى انتخابات الرئاسة في 2012. حيث كنت مرشحا ومرسي كان مرشحا، ثم حين دخل مرسي الجولة الثانية (أمام الفريق أحمد شفيق)، طلب مرسي تأييدي، وأنا رفضت، مثلما رفضت تأييد شفيق.
وحين أصبح الإخوان في السلطة مرسي عرض علي موقع نائب رئيس الجمهورية، وأنا رفضت. ثم إن من أسقط الإخوان هو الشعب الذي كانت واجهته السياسية جبهة الإنقاذ، وأنا من الأطراف الرئيسة في تكوينها. كما كنا أحد أطراف تأسيس حركة تمرد وتأييدها ورعايتها. وكما نزلت في 25 يناير لإسقاط مبارك، نزلت في 30 يونيو لإسقاط مرسي. كل هذا شهادة على أننا ليس لدينا موقف مسبق. نحن عاملنا هؤلاء على أساس أنهم إذا أخلصوا لمشروع وطني فنحن معهم، وإذا خانوه، كما فعلوا، فنحن أول من يقف ضدهم.
* قيل أيضا بأنه كانت لك علاقة بنظام معمر القذافي ونظام صدام حسين، وهناك «صندوق أسود» عن هذه العلاقة. ما تعليقك على هذا؟
- أنا دافعت عن العراق في مواجهة العدوان الأميركي، وهذا شرف لي.. ودافعت عن ليبيا في مواجهة الحصار والقصف الذي تعرضت له (قبل عقدين)، وهذا واجبي كمصري وعربي. وأنا رجل أمضيت أربعين سنة في العمل العام، لم آخذ مليما من هذين النظامين. ثم إن هذين النظامين (نظام صدام ونظام القذافي) قد سقطا، ومن أسقطهما أميركا، وأصبح تحت أيديها الوثائق، فلماذا لا يخرجون أي ورقة ضدي؟ ثم حين كنت أدافع عن العراق وليبيا كنت معارضا واضحا للرئيس الراحل أنور السادات، والرئيس الأسبق مبارك، فلماذا لم تخرج أجهزتهما أي شيء عني. أنا أرى أن مثل هذا الكلام نوع من اللغو الصغير وحرب الشائعات. أنا في المواجهة. وسبق وقلت إن من لديه شيء ضدي فليذهب إلى القضاء. الغث كثير.. وفي كل انتخابات يتردد مثل هذا الكلام، ومع ذلك ينتخبني الناس. وفي انتخابات الرئاسة الماضية حصلت على خمسة ملايين صوت. الشعب يعرف من هم اللصوص. أنا لا أملك غير شقتي وقطعة أرض تركها لي والدي.



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)