حمدين صباحي لـ {الشرق الأوسط}: أحترم المعاهدات لكن {كامب ديفيد} بحاجة لتعديل

المرشح لانتخابات الرئاسة المصرية أكد حاجة بلاده لتأجيل النزاعات الخارجية والتفرغ للتنمية في الداخل

المرشح الرئاسي المصري حمدين صباحي ({الشرق الأوسط)
المرشح الرئاسي المصري حمدين صباحي ({الشرق الأوسط)
TT

حمدين صباحي لـ {الشرق الأوسط}: أحترم المعاهدات لكن {كامب ديفيد} بحاجة لتعديل

المرشح الرئاسي المصري حمدين صباحي ({الشرق الأوسط)
المرشح الرئاسي المصري حمدين صباحي ({الشرق الأوسط)

قال المرشح لانتخابات الرئاسة المصرية، حمدين صباحي، إنه قرر خوض الانتخابات لتحقيق أهداف الثورتين اللتين أسقطتا حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، والرئيس السابق محمد مرسي. وأضاف في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» أن الصلاحيات المحدودة للرئيس وفقا للدستور الجديد الذي أقر مطلع هذا العام، لن تعيق عمل الرئيس، ولكنها ستؤدي لإقامة نظام ديمقراطي عبر البرلمان.
وتطرق صباحي إلى طموحاته في تحقيق تنمية شاملة في البلاد الفقيرة، مشيرا إلى أن برنامجه في هذا الصدد يسعى لإقامة أنماط اقتصادية «لا تكون مصنفة بين هذا قطاع عام وهذا قطاع خاص وهذا قطاع تعاوني»، ولكن أن يكون فيها «نوع من أنواع التضافر في أشكال الملكية في ظل إدارة ذات كفاءة متفق عليها».
وقال المرشح الرئاسي إنه توجد أولوية في مصر للقضاء على الإرهاب، و«لم شمل» مصر خارج الاستقطاب الحاد الموجود حاليا، مشيرا إلى أنه «لا كل من أيد مبارك كان فاسدا، ولا كل من أيد مرسي هو إرهابي». وأوضح أن خطة مواجهة الإرهاب تتضمن الأمن «لأن الذي يستحل الإمساك بالسلاح في وجه مواطن أو جندي أو ضابط جيش أو شرطة، من حق الدولة أن تردعه»، لكنه أضاف أنه لا بد من التمييز بين حق العقاب على من يمارس الإرهاب أو يدعو إليه، وما بين من يعبر عن رأيه سلميا حتى لو كان له مرجعية ذات طابع إسلامي، وشدد على أن علاقات مصر مع تركيا أو مع قطر سيحكمها احترام المصالح، والتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية.
وأكد صباحي على أنه «مع حظر الإخوان كجماعة، وحظر قيام حزب لها وفقا للدستور»، لكنه دعا للفصل في التعامل بين القيادات التي تسببت في الفساد في عهدي مبارك ومرسي، والجمهور العادي الذي كان مؤيدا لهما. وقال عن علاقته القديمة بالإخوان: «نحن كنا مع الشعب حين كان يتعاطف معهم كضحايا، وكنا معه حين قبلهم كشريك، وكنا معه حين أسقطهم كحكام مستبدين».
كما رد القيادي على ما تردد من مزاعم بشأن استفادته من نظامي الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وقال: إن هذين النظامين سقطا، وعلى من لديه وثائق تتعلق بي أن يخرجها للعلن، قائلا إنها مجرد «حرب شائعات» تظهر مع كل انتخابات، و«أنا لا أملك غير شقتي وقطعة أرض تركها لي والدي». وفي ما يلي أهم ما جاء في الحوار..
* لماذا قررت خوض انتخابات الرئاسة؟
- لأنه توجد ثورتان عظيمتان في 25 يناير و30 يونيو. وكل الثورات تقوم لكي تصل إلى الحكم، بينما نحن في مصر لم نصل في وقت الثورة؛ فلنصل بالانتخابات. هدف الترشح هو تمكين مطالب المصريين، كما عبروا عنها في 25 يناير (كانون الثاني) و30 يونيو (حزيران)، من أن تتحول إلى سياسات نافذة تحقق مصالحهم في دولة ناجحة.
* لكن صلاحيات رئيس الدولة أصبحت أقل وفقا لدستور البلاد الجديد. فهل يمكن لهذه الصلاحيات بهذا الوضع أن تساعد الرئيس في تنفيذ ما يريد؟
- بالتأكيد تساعد الرئيس، لكن أيضا لا بد أن ينظر لقضية وصول الثورة للسلطة باعتبارها أوسع من الرئاسة. أي أن الثورة تشمل البرلمان والمحليات ومعها كل المؤسسات المجتمعية، ولهذا نطرح في حملتنا الانتخابية أننا بعد أن نفوز بالرئاسة، فإن التيار الرئيسي الذي نعبر عنه، وهو الذي يقف مع 25 يناير ولا يعُدّها نكسة، ومع 30 يونيو ولا ينظر لها كانقلاب.. هذا التيار عليه أن يخوض معركة الرئاسة وانتخابات مجلس الشعب وانتخابات المحليات. وبهذا فإن السلطات المتاحة للرئيس، وإن كانت أقل، لكنها تقيم نظاما ديمقراطيا أكثر، وتشرك الشعب في القرار.
* معروف أن البرلمان يحتاج إلى أحزاب وتيارات سياسية قوية، لكن في السنوات الأخيرة كان الأكثر قدرة على التنظيم وحشد الناخبين هو تيار الإسلام السياسي؛ كالإخوان والسلفيين. فهل يمكن أن نرى أحزابا مدنية قادرة على شغل أغلبية البرلمان المقبل وتشكيل حكومة؟
- مصر فيها قوى اجتماعية واعية بمصالحها، وتنظيم حزبي أقل من قدرة القوى الاجتماعية. لكن هذا التنظيم قابل لأن يكون أكثر كفاءة وقدرة على حجم إمكاناته للاقتراب من الناس. ويفترض أن نمكنه نحن من ذلك بتشريعات تسمح بدعم فكرة التعدد الحزبي وتقويتها، ونعوض ضعف كل حزب على حدة بإقامة ائتلافات وجبهات وطنية للمعبرين عن مشتركات. وهذا ما جرى في الثورة، لأن الثورة لم تنجح بقوة الأحزاب ولكن بقوة الجماهير.
القوى الاجتماعية صاحبة المصالح في التغيير. وهذه القوى ما زالت موجودة، وتستطيع أن ترتبط بالأحزاب الأكثر تمثيلا لها، وأكثر قدرة على استيعابها في بنائها التنظيمي. هذا الأمر لم يتحقق بعد، لكن من المفترض أن يتحقق. ومن بين آليات هذا الأمر مثلا: ما هو الحجم المتاح للأحزاب في قانون انتخابات البرلمان المقبل في نظام الانتخاب بالقائمة قياسا بالنظام الفردي.
* من هو التيار الذي تمثله كمرشح لانتخابات الرئاسة. نسمع تعبيرات مختلفة منها أنك تمثل التيار الناصري، وأحيانا يقال عنك المرشح اليساري، وأحيانا مرشح التيار الشعبي؟
- كل هذه تعبيرات صحيحة جزئيا، لكن قاصرة.. نحن في مصر لسنا بصدد فرز آيديولوجي، ولا حتى حزبي. نحن بصدد فرز اجتماعي. أي القوى الاجتماعية الموجودة على الأرض التي لها مصالح وعانت مظالم. هذه القوى هي التي شكلت عبقرية الوحدة من خلال التنوع في ميدان التحرير في 25 يناير 2011. وأيضا في 30 يونيو 2013. وطلبات هذه القوى واضحة.. تريد عدالة اجتماعية ودولة ديمقراطية واستقلالا وطنيا. كانت هذه هي هتافاتها.
أما مسألة تعبيرها التنظيمي، فقد أشرنا إليه وقلنا إنه ما زال فيه قصور، لكن هناك أفق مفتوح له من التطوير. ولن يكون مقتصرا على الأحزاب فقط، ولكن أحزاب وأيضا هناك حركات تجمع قوى وتكتلات سياسية شبابية ليست حزبية، وهناك تيارات ذات طابع سياسي، وهناك هيئات في المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات وغيره.. ما نستطيع قوله هو أن ما نعبر عنه نسميه التيار الرئيس في مصر الذي لديه طلب حقيقي على العدل الاجتماعي والديمقراطية والاستقلال الوطني، وهذا (التيار) لا يمكن اختصاره أو اختزاله لا في الناصرية ولا في التيار الشعبي ولا في اليسار، وإنما هو تيار ديمقراطي اجتماعي مدني يعبر عن رؤية واضحة.
* ينظر البعض إليك على أساس أنك كنت ضمن تيار قومي قوي، خاصة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. وأنك كنت، على سبيل المثال، تستخدم خلال عضويتك في البرلمان توصيفا لإسرائيل بأنها «العدو الصهيوني»، وغيره. هل هذا الخطاب ما زال موجودا لديك.. وهل تخشى من أن يخيف مثل هذا الخطاب أطرافا غربية في حال وصولك إلى رئاسة الدولة المصرية؟
- قناعاتي كمصري أنه بالتأكيد يوجد «عدو صهيوني»، وبالتأكيد أن «كامب ديفيد» صلح غير عادل. وبالتأكيد أنا مع حقوق الشعب الفلسطيني. مهمتي ليست فرض آرائي الشخصية على دولة بالغة التنوع ولها مصالح. رأيي أن «كامب ديفيد» تحتاج لتعديل، على الأقل لتمكين الجيش من الانتشار في سيناء دون عوائق. لكني أحترم المعاهدات التي وقعتها مصر، وسأغيرها وفقا لقواعد القانون الدولي.
ودعم الشعب الفلسطيني مؤكد، لكن إدراكي أن هناك معركة للتنمية، وأولها القضاء على الفقر في مصر، يجعل أجندتي بالغة الوضوح.. معركتنا هنا؛ في الداخل. وترتبط كفاءة إدارة هذه المعركة بأفضل سياسة خارجية تحقق مصالح لمصر، خاصة التنمية في معناها الشامل وخصوصا الاقتصادية والنظام الديمقراطي، وهذا يعني تخفيض صراعاتنا خارج الحدود إلى الحد الأدنى، أو نؤجلها ونتفاداها إذا كان هذا ممكنا، وهو أمر صعب طبعا، لأنه لا يمكن تحقيق «صفر مشاكل»، كما يسمونها. لكن هذا يعني أن أولوياتي هي التي ستحدد جدول أعمالي.
في أربع سنوات، في حال الفوز في هذه الانتخابات، لا بد أن تكون المعركة الأولى فيها نموا اقتصاديا هائلا في إطار تنمية شاملة وتوزيع جاد للثروة بطريقة وفلسفة وقواعد قانونية وإدارة سياسية، على عكس التوزيع الظالم الذي جعل قلة تحتكر معظم الثروة على حساب فقر وجوع الأغلبية، بالإضافة إلى إقامة نظام ديمقراطي. أعتقد أن تحقيق هذا سيستنفد السنوات الأربع أو الثماني من عمل أي رئيس مقبل.
* حين كنت في البرلمان كنت من الداعين إلى ضرورة وجود مشروع قومي يلتف حوله الشعب. ما هو مشروعك القومي الذي يمكن أن يجعل المصريين يصبرون على اجتياز هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة؟
- مشروعي هو مشروع (ثورتي) 25 يناير زائد 30 يونيو. أي العدل الاجتماعي والنظام الديمقراطي، وهما وجهان لعملة واحدة. والقدرة على تأكيد أنهما غير قابلين للانفصال، هو ما يمكن أن يحقق استجابة لطلبات التيار الرئيس، لأنه يتكون من أغلبية المصريين. هذا التيار يحتاج لتنمية.. ولدينا في هذا الصدد مشروع جاد لتنمية متعددة المجالات. وهذا التيار يريد أن يضمن أن عائد التنمية يوزع بالعدل، حتى يخدم الأفقر والأضعف.
* ما هي تفاصيل هذا المشروع بشكل أكثر تحديدا؟
- أولا: فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، وهي جزء من التنمية الشاملة، لدينا مشروع جاد لإعادة إنهاض كل القطاع العام المصري الذي تعرض لـ«التخسير». ولدينا مشروع لتوسيع الملكية الخاصة وبالذات للشباب، عبر تبني فلسفة مشروعات صغيرة ومتوسطة ومتناهية الصغر، نستهدف أن ننشئ في خمس سنوات خمسة ملايين مشروع، تملك للشباب.. وسنربط هذا في الملكيات الصغيرة بفلسفة التعاون.
ولدينا تصور لتوسيع المعمور المصري في سيناء وفي أرض النوبة القديمة، وفي الساحل الشمالي الغربي، وفي الوادي الجديد. وكلها مشروعات ستقوم على استثمار أجنبي سيدعى لها، و(عبر) اكتتاب واسع، وهذا جزء رئيس من فلسفتنا، وهي أن يضع المصريون أموالهم في مشروعات يأملون في ربحيتها، ومشاركة من الدولة. نريد أن نقيم أنماطا اقتصادية لا تكون مصنفة بين هذا قطاع عام وهذا قطاع خاص وهذا قطاع تعاوني، ولكن أن يكون فيها نوع من أنواع التضافر في أشكال الملكية في ظل إدارة ذات كفاءة متفق عليها.
ثانيا: نحن نراهن على القيمة التنافسية لموقع مصر من خلال خدمات النقل العالمية وتجارة التعهيد التي يوجد لها أفق واسع جدا في مصر، وتوجد هنا تفاصيل كثيرة أخرى.
* ذكرت مسألة «التضافر» في أشكال المِلكية. ألا ترى أن هذا الأمر يمكن أن يجعل القطاع الخاص العربي والأجنبي يتخوف من الاستثمار في مصر؟
- بالعكس.. سيكون لديه فرص أعلى، وفتح باب للشراكات. وأهم شيء لقطاع الاستثمار أن يكون هناك دولة خالية من الفساد، ولا تضع أمامه العراقيل، ولا تفرض عليه أي «إتاوات» (جبايات). نحن لا نفرض على رأس المال في مصر أي شيء أكثر من أن نوسع قاعدة دافعي الضريبة عبر مجموعة سياسات، وسننتهج عدالة ضريبية عن طريق تطبيق ضريبة تصاعدية متعددة الشرائح، ونستخدم نفس هذه الضريبة كأداة لتوجيه أو حفز للاستثمار في مناطق مثل الصعيد وإقامة صناعات كثيفة العمالة وغيرها. نحن سنشجع الاستثمار الوطني والعربي والأجنبي على القدوم لمصر.
* هذا التطلع لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة يرتبط بالوضع السياسي، وهو وضع يبدو أنه لم يستقر بعد؛ تخرج مظاهرات بين وقت وآخر وهناك تفجيرات هنا وهناك، وهذه أمور أعتقد أنها تخيف السياح والمستثمرين. هل يوجد لديك تصور لحل مشكلة الإرهاب والتنظيمات المحظورة، مثل جماعة الإخوان؟
- أولا: أنا لا أتحدث عن استثمار أجنبي فقط، ولكن أيضا عن قطاع عام وعن مشروعات صغيرة يملكها الشباب، وهؤلاء لن يوقفهم الإرهاب، لأنه لا حجم أموالهم ولا طبيعة أنشطتهم ستكون مرهونة به. ثانيا: توجد أولوية في مصر لقضاء واضح على الإرهاب، وللم شمل مصر خارج الاستقطاب الحاد الموجود حاليا. خطتنا في هذا المجال تتضمن الأمن، لأن الذي يستحل الإمساك بالسلاح في وجه مواطن أو جندي أو ضابط جيش أو شرطة، من حق الدولة ومن واجبها أن تردعه بأقصى الدرجات، وأن تقدمه للقانون، لكن لا بد أن يجري التمييز بين حق العقاب على من يمارس الإرهاب أو يدعو إليه، وما بين من يعبر عن رأيه سلميا حتى لو كان له مرجعية ذات طابع إسلامي. وهنا تأتي أهمية غياب وجود عقاب جماعي. مصر تحتاج لهذا الفصل الحاد بين مواجهة واجبة للإرهاب، وحريات واجبة لسلميين بغض النظر عن رأيهم. وهذه المعادلة ستقلل حجم الاحتقان الموجود في البلد. القضاء على الإرهاب يحتاج لأمن ويحتاج لعدالة ناجزة وخطاب ديني مستنير، ويحتاج لثقافة سائدة بكل وسائلها تعزز فكرة حق الاختلاف في إطار دولة القانون سلميا، وتحتاج لمجتمع ديمقراطي، لأن نمو الحريات إحدى ضمانات انحصار الإرهاب، إضافة للعدالة الاجتماعية. هذه الرؤية تعطي لمصر قدرة على تقوية الأمن في مواجهة الإرهاب، دون أن يكون الاعتماد في ذلك على الأمن وحده.
* وهل أنت مع حظر جماعة الإخوان وفقا للقرارات الرسمية التي صدرت من الدولة، سواء سلطة تنفيذية أو قضائية؟
- نعم.. أنا مع حظر الإخوان كجماعة، وحظر قيام حزب لها وفقا للدستور. وأعتقد أن هذا جزاء عادل سياسيا؛ ليس لفشلهم في السلطة، ولكن لفشلهم في المعارضة، لأنهم وقفوا ضد الشعب وصنعوا بيئة العنف والإرهاب؛ سواء كانوا يمارسونها بالأصالة أو بالوكالة. ووجودهم على الخريطة كتنظيم لا معنى له في ظل التجربة المؤلمة والثمن الفادح الذي دفعناه حين كانوا في الحكم، لكن بالأخص حين أصبحوا في المعارضة. لكن الذي يسري عليهم كتنظيم ليس بالضرورة أن يسري على أشخاص. أنا أريد أن أؤمن للأفراد، كمواطنين اختاروا أن يكونوا ضد الدعوة للعنف وممارسته، حقهم في أن يعيشوا بأمان ولهم ما لكل مصري وعليهم ما عليه.
* هناك من يرى أن قضية الإخوان ستضطر رئيس الدولة المقبل للتعامل في الموضوع مع أطراف أخرى خارج مصر، على أساس أن الجماعة تنظيم «دولي» موجود في عدة بلاد مثل تركيا وقطر وغيرهما. كيف يمكن التعامل مع هذه الحالة؟
- جزء من مشروعية حظر الجماعة هو أنها ليست تنظيما وطنيا ولكنه تنظيم دولي يمكن أن يكون لديه حسابات «ما فوق الوطنية». وهذا غير مقبول في وقت نريد فيه بناء دولة وطنية ديمقراطية مدنية. العلاقات مع تركيا أو مع قطر سيحكمها احترام المصالح. إذا كان هناك احترام لمصالحنا ولم يكن هناك تدخل في شؤوننا الداخلية، فنحن سنرحب بعلاقات خالية من أي صراع.
* موعد الاقتراع يقترب.. فهل تثق في العملية الانتخابية في مصر؟
- طبعا الدولة تمارس تأثيرا مؤكدا، لكن ما نطمح إليه هو أن نقلل حدة التأثير بحضورنا، لأنه إذا كنا غائبين (عن المشهد الانتخابي) فإن هذا التأثير سيكون أفدح. ولا نريد تزويرا على أي حال. أقبل التأثير باعتباره تطورا طبيعيا لمسارنا الديمقراطي، ولسنا مثاليين حتى نتصور أن الدولة ستكون محايدة، وأيضا لسنا مثاليين حتى نقعد في بيتنا إلى أن تصبح الدولة محايدة.. من خبرتنا في كل معركة انتخابات أن تنتزع مساحة أوسع لضمانات بانتخابات ديمقراطية.
* لك تعليقات حذرت فيها من عودة النظام القديم ورجال نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى المشهد السياسي الجديد. ما هي المؤشرات على ذلك؟
- أصلا النظام القديم لم ينته. نحن أسقطنا رأسه، بل أسقطنا رأسين لنفس النظام، لأن في رأيي أن نظام الإخوان كان امتدادا طبيعيا لنظام مبارك. نفس الاختيارات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مع إبدال النخبة المستفيدة من حلف الثروة والسلطة التي انتقلت من الحزب الوطني (الذي كان يرأسه مبارك) إلى مكتب إرشاد الإخوان وقياداته.
والمخاوف التي لدي ليست مخاوف من العودة، ولكن مخاوف من استرداد النفوذ أيضا لأن السياسات ما زالت قائمة. وسبب هذه المخاوف أن جزءا من رجال مبارك كانوا ممن شاركوا في ثورة 30 يونيو، لكنها لم تكن مشاركة المنتصر لثورة 25 يناير كما أراد الشعب، ولكن شراكة المنتقم من 25 يناير، كما أضمروا ولم يفصحوا عن ذلك في حينه. والآن أصبحوا يفصحون عن هذا الأمر. هؤلاء ممن يقولون على 25 يناير «نكسة»، وهؤلاء الذين أفسدوا حلف 30 يونيو بإجراءات فيها غباء سياسي، من نوع إصدار قانون (تنظيم) التظاهر الذي لم يستخدم ضد الإخوان ولكن ضد شباب ثورة 25 يناير. بعض من رموز ثورة يناير الآن في السجن، بينما بعض من رموز نظام مبارك الفاسدة «عائمة» الآن على السطح السياسي.
* ذكرت أن الدولة تساند المرشح المنافس. فما المقصود بالدولة هنا؟
- أعني هنا أجهزة الدولة ومؤسساتها. لكن هناك من هم داخل أجهزة الدولة وخارجها من القوى المستفيدة وصاحبة مصالح. وأنا أصف هذه القوى بقيادات «حلف الفساد»؛ تحالف الثروة والسلطة من عهد مبارك. وهذا بالمناسبة لا يسري على كل أعضاء الحزب الوطني. أنا أميز ما بين قيادات الفساد السياسي والاقتصادي في زمن مبارك، والأعضاء القاعديين للحزب الوطني الذين هم، أو كثير منهم، بالتوصيف الاجتماعي، فقراء حقيقيون وطبقة وسطى أزيحت بعنف، وعيبهم الوحيد أنه لم يكن لهم موقف سياسي، لكن هم مظاليم اقتصاديا واجتماعيا، وهؤلاء من ضمن جمهوري.. مثل جمهور الإخوان المسلمين. الإخوان كان حولهم جمهور واسع جدا، جمهور يستفيد من جمعياتهم الخيرية والصحية، في ظل غياب الدولة. لا كل من أيد مبارك كان فاسدا، ولا كل من أيد مرسي هو إرهابي. والمفروض الآن فصل القيادات التي صنعت الفساد والاستبداد في عهد مبارك ومرسي، عن الجماهير التي أحاطت بهم لأسباب متعددة.
* دائما يجري التفتيش في أي انتخابات- خاصة الرئاسية- عن أصحاب المصالح الذين يقفون خلف المرشح. فمن يمول حملتك الانتخابية؟
- الفقراء.. لو نظرت للتركيبة السياسية، وليس الاجتماعية، لحملتنا، ستجد فيها تقريبا معظم الأحزاب التي نشأت بعد 25 يناير 2011، مثل «الدستور» و«التحالف الشعبي» و«العدل»، بالإضافة إلى «الكرامة» و«التيار الشعبي».
* لكن معروف أن معظمها أحزاب فقيرة ربما لا تقدر على تمويل حملة انتخابات رئاسية؟
- نعم كلها أحزاب فقيرة، لكنها الأحزاب الأكثر تعبيرا عن المستقبل في مصر. ومن حيث التكوين الاجتماعي الواسع، ستجد أن معنا بالدرجة الأولى الأجيال الجديدة. ويوجد عدد معتبر ممن كانوا ينتوون مقاطعة الانتخابات، بدأوا في مراجعة أنفسهم للمشاركة معنا في هذه المعركة. لا شك أن حمل التمويل لدينا فقير، مثلما كان الحال في الحملة الانتخابية الرئاسية التي خضتها في 2012. نقول إن من معه جنيها فليتبرع به، ونتلقى أموالا من أصدقاء كثير منهم من الطبقة الوسطى القادرة على المساهمة. لكن في النهاية لن تجد في حملتنا أصحاب نفوذ من الأثرياء الكبار. ولن نتمكن من أن يكون لدينا نفس حجم الدعاية بشكل متكافئ.
* تردد على بعض مواقع التواصل الاجتماعي أنك تعاونت في السابق مع جماعة الإخوان، سواء من خلال انتخابات مجلس نقابة الصحافيين، أو ما بعدها، وأنك امتدحت القيادي الإخواني خيرت الشاطر. كيف ترد على هذا؟
- أنا دافعت عن خيرت الشاطر حين كان معارضا للمحاكمة العسكرية (في عهد مبارك). أنا دافعت عن كل الإخوان حين كانوا مظاليم. وكانوا زملاء لي في البرلمان حين كنا أعضاء في البرلمان. وحين نزلوا للميدان في 25 يناير قلنا لهم يا مرحبا. وحين دخلنا انتخابات البرلمان (أواخر 2011) كان هناك نحو أربعين طرفا في مصر مشاركا فيها، وكنا واحدا منها. وبالمناسبة الشعب المصري هو الذي أعطاهم الأغلبية في البرلمان وهو الذي أعطاهم الرئاسة، وهو الذي أسقطهم.
نحن كنا مع الشعب حين كان يتعاطف معهم كضحايا، وكنا معه حين قبلهم كشريك، وكنا معه حين أسقطهم كحكام مستبدين. نحن في الموقع المنطقي والطبيعي جدا. ثم من يقولون عني إنني تحالفت معهم في الماضي في الانتخابات يتوقفون عند هذا الحد، ولا يتطرقون إلى انتخابات الرئاسة في 2012. حيث كنت مرشحا ومرسي كان مرشحا، ثم حين دخل مرسي الجولة الثانية (أمام الفريق أحمد شفيق)، طلب مرسي تأييدي، وأنا رفضت، مثلما رفضت تأييد شفيق.
وحين أصبح الإخوان في السلطة مرسي عرض علي موقع نائب رئيس الجمهورية، وأنا رفضت. ثم إن من أسقط الإخوان هو الشعب الذي كانت واجهته السياسية جبهة الإنقاذ، وأنا من الأطراف الرئيسة في تكوينها. كما كنا أحد أطراف تأسيس حركة تمرد وتأييدها ورعايتها. وكما نزلت في 25 يناير لإسقاط مبارك، نزلت في 30 يونيو لإسقاط مرسي. كل هذا شهادة على أننا ليس لدينا موقف مسبق. نحن عاملنا هؤلاء على أساس أنهم إذا أخلصوا لمشروع وطني فنحن معهم، وإذا خانوه، كما فعلوا، فنحن أول من يقف ضدهم.
* قيل أيضا بأنه كانت لك علاقة بنظام معمر القذافي ونظام صدام حسين، وهناك «صندوق أسود» عن هذه العلاقة. ما تعليقك على هذا؟
- أنا دافعت عن العراق في مواجهة العدوان الأميركي، وهذا شرف لي.. ودافعت عن ليبيا في مواجهة الحصار والقصف الذي تعرضت له (قبل عقدين)، وهذا واجبي كمصري وعربي. وأنا رجل أمضيت أربعين سنة في العمل العام، لم آخذ مليما من هذين النظامين. ثم إن هذين النظامين (نظام صدام ونظام القذافي) قد سقطا، ومن أسقطهما أميركا، وأصبح تحت أيديها الوثائق، فلماذا لا يخرجون أي ورقة ضدي؟ ثم حين كنت أدافع عن العراق وليبيا كنت معارضا واضحا للرئيس الراحل أنور السادات، والرئيس الأسبق مبارك، فلماذا لم تخرج أجهزتهما أي شيء عني. أنا أرى أن مثل هذا الكلام نوع من اللغو الصغير وحرب الشائعات. أنا في المواجهة. وسبق وقلت إن من لديه شيء ضدي فليذهب إلى القضاء. الغث كثير.. وفي كل انتخابات يتردد مثل هذا الكلام، ومع ذلك ينتخبني الناس. وفي انتخابات الرئاسة الماضية حصلت على خمسة ملايين صوت. الشعب يعرف من هم اللصوص. أنا لا أملك غير شقتي وقطعة أرض تركها لي والدي.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.