«أشباح» اليهود في وسط بيروت بعد عزلة طويلة

كثيرون بدلوا طائفتهم.. وتأهيل كنيس يعيدهم إلى الضوء

مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
TT

«أشباح» اليهود في وسط بيروت بعد عزلة طويلة

مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})

يعد يهود لبنان العدة للعودة إلى الضوء بعد عزلة ذاتية طالت أكثر من أربعة عقود، اختبأوا خلالها وراء هويات مزورة، ومارسوا في العلن طقوس ديانة مختلفة عن حقيقة ما ينتمون إليه من دين وما اتبعوه من عرف. فخلال بضعة أسابيع، يعيد يهود لبنان فتح كنيس «ماغن أبراهام» القائم في وسط بيروت، بعد عمليات ترميم أعادت إصلاح ما دمرته سنوات الحرب الأهلية.
ومن المخطط له أن يفتح الكنيس (وهو الكنيس الرئيس في العاصمة اللبنانية والوحيد حاليا) أبوابه على وقع صلوات يترأسها حاخام يهودي لبناني، وبحضور من بقي من أبناء الطائفة وانتظروا هذه اللحظة منذ أكثر من 40 سنة.
ووفق ما كشفت عنه مصادر يهودية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، ستبدأ «عملية تجهيز قاعة الكنيس بالمقاعد والثريات والسجاد، على أن تكتب أسماء جميع المتبرعين لإعادة إعمار الكنيس على لوحة ستعلق على الباب الخارجي».
المصادر ذاتها أوضحت أن «افتتاح الكنيس قد يعلن عنه بشكل رسمي، لكن القرار لم يحسم بعد لناحية حضور حشد كبير، نظرا للأوضاع الراهنة والتطورات في المنطقة»، مرجحة أن «يقتصر الافتتاح على حفل صغير يجمع عددا ضئيلا من أبناء الطائفة».
الجدير بالذكر أن يهود لبنان عاشوا قبل سنوات عديدة حياة طبيعية، شأنهم شأن بقية الطوائف اللبنانية، إلا أن حياتهم انقلبت رأسا على عقب، بعد قيام إسرائيل واندلاع الحروب العربية الإسرائيلية، فباتوا خلال العقود الأربعة الأخيرة يمشون والخوف صديقهم، يتلفتون يمينا ويسارا تحسبا لأي اعتداء يعتقدون أنهم قد يتعرضون إليه.
ورغم اعتراف الدولة اللبنانية رسميا بوجودهم كطائفة يتمتع أفرادها بحقوقهم المدنية والسياسية، فهم واقعيا «محرومون من الحقوق الاجتماعية فور معرفة هويتهم الحقيقية». هكذا، يصف أغلب اليهود في لبنان واقعهم كونهم أقلية يسميها الدستور اللبناني بـ«الطائفة الإسرائيلية» ويعترف بها بين الطوائف الـ18 المنصوص عليها في الدستور.
يعود وجود اليهود في لبنان إلى أيام العثمانيين (1516 - 1918م). وخلال سنوات الانتداب الفرنسي، اضطر الفرنسيون إلى الاعتراف الرسمي بوجودهم كطائفة «إسرائيلية» بتاريخ 13 مارس (آذار) 1936، بسبب تكاثرهم، إذ وصل عددهم في ذلك الوقت إلى خمسة آلاف شخص، فترجموا اسم النبي يعقوب بن إسحق من الفرنسية إلى العربية حرفيا «إزرائيل» أي «إسرائيل» وأطلقوها على الطائفة.
ويقول رئيس الطائفة الإسرائيلية في لبنان إسحق أرازي لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «إننا نعاني مشكلة في التسمية نظرا لما تمثله من حساسية عند عدد كبير من اللبنانيين، ونحن نتفهم ذلك»، وأردف: «حاولنا التعاون مع الوزير السابق زياد بارود عند توليه منصب وزارة الداخلية لتغيير التسمية إلى اليهودية، لكننا لم نستطع، ولا نزال نحاول حتى اليوم».
ويوضح أرازي أن جهودا تبذل لإعادة إنهاض الطائفة من جديد «عبر ترميم كنيس (ماغن أبراهام)، الكنيس الوحيد المتبقي لنا الذي تعرض للتدمير خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في عقد السبعينات بحي وادي أبو جميل في وسط بيروت، الحي الذي احتضن العدد الأكبر من اليهود». ثم أوضح: «لقد نجحنا بجمع التبرعات من الجالية اليهودية في الخارج، وجميعهم يهود لبنانيون (يشدد على كلمة لبنانيين)، بل إن مسيحيين ومسلمين ساهموا معنا في إعادة إعمار كنيسنا.. وساهمت حتى شركة (سوليدير) التي تتولى إدارة وسط بيروت، بنسبة خمسة في المائة، وفقا للقانون الذي ينص على مساهمة الدولة اللبنانية في ترميم المعابد والكنائس ودور العبادة».
وفي حين تثير علاقة اليهودي بدولته وانتماؤه إلى وطنه إشكالية كبرى لدى عدد من اللبنانيين، فإن أرازي يتناول بنبرة غاضبة هذه النقطة كما لو أنه يعاني مشكلة كبيرة مع نوع مماثل من الأسئلة: «ليتأكد الجميع أنه لو كان انتماؤنا صهيونيا إسرائيليا لما بقينا لحظة واحدة في لبنان»، نافيا «أي علاقة لنا بمن أرادوا العيش على أرض فلسطين وقتل الأبرياء». وأنهى كلامه ساخرا: «ماذا بإمكان طائفة من 200 شخص أن تفعل؟ ليس كل اليهود صهاينة، فهويتنا لبنانية وانتماؤنا لبناني مائة في المائة».
انفعال أرازي يقاطعه تعليق صديق يهودي كان جالسا إلى جواره، وهو رجل خمسيني طويل القامة، قال لنا: «حتى الشأن السياسي لا نتعاطى معه، في ظل وجود نائب عن الأقليات لا يأبه لأحوالنا، وحالنا كحال بقية اللبنانيين. إننا نعاني مثلهم من السياسيين والمسؤولين الذين ينحصر همهم الوحيد في تعبئة جيوبهم بأموالنا». وتابع بنبرة عالية: «في الماضي، كان عدد الناخبين من أبناء الطائفة أكثر من سبعة آلاف شخص، وشغل لبنانيون يهود مناصب كبيرة حتى في الشرطة اللبنانية، منهم ضابط من عائلة بصل، وكنا نصوت للنائب الراحل جوزيف شادر (وهو أرمني كاثوليكي)، وكان محبوبا لدى الطائفة، في حين أن مساهمة اليهود في الانتخابات انخفضت اليوم إلى اثنين في المائة فقط».
من ناحية أخرى، يختلف رأي سونيا، وهي سيدة يهودية ستينية، عن رأي أرازي وصديقه؛ فهي توضح لـ«الشرق الأوسط» بصراحة، حسب رأيها، أنه «لا يوجد صهيوني أو يهودي، فاليهود جميعهم واحد ولا يمكنهم التنصل من هويتهم»، وتابعت سونيا: «حرمني أهل زوجي من أولادي بسبب ديانتي اليهودية، بعد نشوء العداوة الكبرى بين العرب واليهود، وحاربوني بشتى أدوات التعذيب النفسي.. لقد تركت عائلتي، التي اختارت الذهاب إلى إسرائيل للعيش هناك، واخترت البقاء في لبنان إلى جانب زوجي وأولادي. لكن رواسب حرب العرب مع إسرائيل لم ترحم وجودي كإنسانة».
تستعيد سونيا محطات من سنوات خلت، مستذكرة «كيف كانوا في كل جلسة يقولون لي (أنت يهودية).. هل تحولت كلمة يهودية إلى شتيمة؟». ثم عبرت عن حبها لـ«أرض إسرائيل» التي تصفها بأنها «أرض اليهود المقدسة»، لكنها شرحت سبب رفضها المغادرة للعيش هناك بالقول: «جعلوني أكره لبنان وهويتي العربية، وأصبحت أتمنى الذهاب إلى إسرائيل للعيش فيها، لكن وجود أولادي منعني من الذهاب إلى أي بلد آخر، كما أنني تقدمت في العمر، ولا أجيد اللغة العبرية».
لا تبالي سونيا بالعزلة المفروضة على الطائفة، وتنهي حديثها غير مبالية: «إذا مت لا أريد أن أدفن إلا في مقبرة يهودية، وأريد أن يصلي عليّ حاخام يهودي، فالتوراة كتابي المقدس، وديانتي هي اليهودية، ولن أتنازل عن ذلك أبدا».
ثم تدافع هذه المرأة الستينية عن امرأة أخرى دخلت التاريخ كإحدى أشهر الجاسوسات الإسرائيليات في المنطقة العربية، هي شولا كوهين. تقول سونيا بسخط وغضب كبيرين: «ليست بجاسوسة، إذ كانت تهرب اليهود من لبنان والبلاد العربية إلى بلدهم إسرائيل، بعد موجة الاضطهادات التي تعرضنا لها بسبب خسارة العرب في الحرب ضد إسرائيل خلال الستينات».
لُقّبت شولا كوهين (اسمها الحقيقي «شولاميت») بـ«لؤلؤة الموساد الإسرائيلي»، وهي من مواليد القدس، لكنها تزوجت يهوديا لبنانيا من عائلة كيشيك، وانتقلت للعيش معه في حي وادي أبو جميل ببيروت عام 1936. وبدأت شولا، التي كانت تسكن في بناية الشويري الواقعة بنزلة المدرسة الأهلية في وادي أبو جميل، وتعمل في أحد المصارف اللبنانية، نشاطها لمصلحة الاستخبارات الإسرائيلية عام 1948، وتولت مهمة تهريب اليهود من لبنان. كذلك تولى «النادي المكابي» ومنظمة «بن تسيون» في وادي أبو جميل المهمة ذاتها، أي تهريب اليهود الآتين من سوريا بمساعدة عدد من اليهود وغير اليهود من اللبنانيين، وفق ما تؤكده تقارير عدة.
وقد تمكنت شولا كوهين من تجنيد شبكة من الجواسيس قبل اعتقالها عام 1961، وحُكم عليها بالإعدام، ولاحقا خُفِّض الحكم إلى السجن 20 سنة. وعام 1967، أطلق سراحها لقاء الإفراج عن جنود لبنانيين كان اعتقلهم الجيش الإسرائيلي قرب بلدة العديسة الحدودية بجنوب لبنان. وكان بين الأسماء التي حامت حولها شكوك بالتجسس المغنية آمال شوقي، التي كانت تعمل في الإذاعة اللبنانية، وزوجها الملحن سليم بصل، الذي صار اسمه سليم شوقي، والاثنان هاجرا إلى إسرائيل.
في المقابل، اشتهرت شخصيات يهودية كثيرة في مجالات الطب والتجارة والسلك الأمني في لبنان، فعرف الدكتور شمس الملقب بـ«طبيب الفقراء»، نظرا لاستقباله الزبائن من الطوائف كافة، وليس اليهودية فقط، مقابل أجر زهيد، وكان مقر عيادته داخل كنيس «ماغن أبراهام» إلى جانب جمعيات اليهود في وادي أبو جميل. أما المصرفي السوري - اللبناني الملياردير أدمون صفرا (حمل لاحقا الجنسية البرازيلية، وتوفي قبل سنوات في موناكو)، فقد تميز بذكائه وحنكته في مجال إدارة الأعمال، فأسس سلسلة مصارف صفرا من وسط بيروت.
أغلب اليهود في لبنان اليوم ضائعون بين هويتين؛ الأولى هويتهم اللبنانية، والثانية هوية إسرائيلية فرضها الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين واليهود جميعا منذ لحظة إعلان دولة إسرائيل، التي أدت إلى نكبة عام 1948. منذ ذلك التاريخ، تغيرت أحوال عدد كبير من اللبنانيين اليهود الذين فضلوا الاختباء وراء ديانات أخرى، مثل إبراهيم الملقب بـ«خياط الأمراء».
يحيط بمكتب إبراهيم، اليهودي السبعيني، آيات قرآنية معلقة على جدران المتجر، وصور تبدد تماما أي شك لدى الزائر حول هوية الرجل وديانته. يجلس إبراهيم على كرسي جلدي بني اللون، ويضع نظارات إطارها بني، وبيده يحمل عدة الخياطة التي رافقته منذ أكثر من 25 سنة؛ إبرة وخيط وبنطال يحتاج إلى ترقيع.
وبلهجة حلبية، يرحب إبراهيم بزبائنه الذين اعتادوا زيارته في كل مناسبة لشراء البدلات والقمصان من متجره، نظرا لجودة ملابسه وسمعته الحسنة في الحي الذي يسكنه.
قال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «على الأوراق الرسمية أنا مسلم. بدلت ديانتي لأبعد المشاكل والسخافات حولي، فبعض اللبنانيين لا يتقبلون وجودنا معهم، وبات لدينا هاجس من العيش كيهود في العلن»، ثم يستعيد بغصة أيام عز اليهود في لبنان قائلا: «كان لنا مدارسنا في وادي أبو جميل وجمعياتنا، وصل عدد كنسنا إلى 15 كنيسا في بيروت وفي بلدات دير القمر وعاليه وبحمدون. واشتهرنا بالتجارة في القماش والخياطة والذهب والنحاس وغيرها من المهن».
ويتوقف لحظة ليشعل سيجاره الفاخر، وينفض الغبار عن قميصه الأبيض، ويكمل سرده تفاصيل «من الصعب نسيانها» (على حد وصفه): «مهنة الخياطة هي عائلتي، أحيك ثيابا للأمراء والوزراء والسفراء من كل الجنسيات العربية، وأحمل جوازا دبلوماسيا، وأتلقى الدعوات من أعيان عرب لأرافقهم في مناسباتهم وأهتم بلباسهم الرسمي».
يضحك إبراهيم لدى سؤاله عن طريقة عيشه كيهودي في لبنان. ويعلق بكلمات بطيئة: «يتشارك اليهود في لبنان مع باقي اللبنانيين الظروف الاجتماعية الصعبة نفسها، ويتقاسمون معهم همومهم الموحدة في بلد أمنه على شفير الهاوية.. والانقسامات السياسية تكاد تقتله». ثم يقول: «أصدقاؤهم محدودون ويحتفظون بسرهم أنهم (يهود)، وأنا واحد من هؤلاء».
وفي شارع مقابل لمتجر إبراهيم، تعيش سيدتان في منزل مرت عليه سنوات من العمر. ديكوره على الطراز القديم، وجدران البيت تزينها لوحات فنية تدل على ذوق رفيع، وبداخله بيانو كبير نظيف ومرتب، ودفتر نوتات موسيقية مركون على جانب الكرسي، ومجسمات دينية صغيرة مثل شمعدان من تسع شموع، تضاء كل يوم سبت وفق طقوس اليهود الدينية، وضعت على طاولة تتوسط غرفة الضيوف.
تتحدث أستاذة الموسيقى الثمانينية ببطء شديد، وهي ترتشف القهوة الممزوجة مع الحليب ويداها ترتجفان، تعتني بشقيقتها المقعدة التي تكبرها بسنة واحدة. وتسترجع بحزن كبير ذكريات طفولتها في وادي أبو جميل: «كنت أستاذة موسيقى، أدرس الطلاب نوتات الموسيقى وأعزف بشغف على آلة البيانو التي أعشقها. توفي والداي وبقيت وحدي مع شقيقتي في لبنان بعدما سافر أقرباؤنا وأصدقاؤنا إلى بلاد الغربة تاركين وراءهم أملاكهم وبيوتهم، وما زالوا يحلمون بالعودة يوما ما إلى بلدهم الأول والأخير لبنان».
وتضيف، متحدثة باللغة الفرنسية، التي اعتادت تكلمها على حد قولها: «لا يتجاوز عدد اليهود اللبنانيين اليوم الـ200 شخص، تتراوح أعمارهم بين 50 و70 سنة، وعدد النساء المتزوجات بينهم قليل بسبب الهجرة الكبرى التي أفرغت البلد من رجاله اليهود. ومن ثم بات من الصعب على المرأة اليهودية ارتباطها برجل من ديانة أخرى لا يتقبل فكرة أن يحمل الولد (ذكرا أو أنثى) هوية والدته الدينية التي تنقلها لأولادها مباشرة عند الولادة، وفقا للديانة اليهودية. فتركنا بلا عائلة».
تصف «أستاذة الموسيقى»، كما تحب مناداتها، لبنان بـ«البلد المنفتح» وناسه بـ«المثقفين»، نافية تعرضها لأي اعتداء أو إهانة من أحد بسبب ديانتها. وهي تربطها مع جيرانها صداقة وحب واحترام متبادل. وتقول: «في السبعينات، عرض أشخاص كثيرون مساعدتنا للسفر إلى إسرائيل وبعروض مغرية، لكن الفكرة كانت مرفوضة بشكل جازم».
وتضطر إلى إنهاء كلامها بعدما نادتها شقيقتها المقعدة لتساعدها على النهوض من السرير. وعادت لتقول: «قد ينشغل بعض السخفاء بإصدار الأحكام المسبقة علينا، ولكن ليتذكروا قبل أي شيء أننا بشر».
على صعيد آخر، كان ليهود لبنان 17 كنيسا، أشهرها كنيس المن، والكنيس الإسبانيولي، وكنيس دانا، وكنيس دير القمر وكنيس صيدا، بالإضافة إلى وجود عدد من المقابر، ما زالت رفات اليهود تدفن فيها حتى اليوم، ولكن في الليل إذ تقام الصلوات سرا في الظلام، خوفا من انفضاح أمرهم.
ولقد أدى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى أعمال انتقامية عدة ضد الطائفة اليهودية اللبنانية، كما حاولت إسرائيل اجتذاب يهود لبنان ليهاجروا إليها. غير أن فكرة الهجرة إلى إسرائيل بقيت فكرة مرفوضة رغم تعرض الطائفة للكثير من الاعتداءات، أبرزها اختطاف 11 يهوديا من أعيان الطائفة اليهودية اللبنانية وإعدامهم، بحسب مصادر يهودية لبنانية. وقبل عدة سنوات، اتخذ رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق الراحل رفيق الحريري قرارا بإعادة افتتاح الكنيس وإحاطته بالحدائق، لكن القرار لم يُنفّذ.
وبعيدا عن الكنس ودور العبادة، كانت لليهود في لبنان حياة اجتماعية متكاملة الحلقات الثقافية والأكاديمية والاقتصادية. وكانت لهم ثلاث مدارس تدرس اللغة العبرية والفرنسية إضافة إلى العربية، هي مدرسة سليم طراب المعروفة بـ«التلمود تورا»، ومدرسة الآليانس، ومدرسة الحلبية، وجميعها كانت موجودة في حي وادي أبو جميل ببيروت. لكن هذه المدارس دمرت خلال الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي، باستثناء المدرسة التلمودية. أما بالنسبة للمدرسة التلمودية المجاورة لكنيس «ماغن أبراهام»، فقد هدمت لكي لا تحجب منظر شاطئ البحر على أبنية حديثة مجاورة، مع أن ملكية الأرض ما زالت لليهود اللبنانيين، وفق ما يؤكده أحد أبناء الطائفة في بيروت.
كذلك نشطت حركة اليهود ثقافيا قبيل إعلان دولة إسرائيل، فكانت لهم في لبنان صحيفة هي «العالم الإسرائيلي» لمؤسسها سليم آلياهو، الذي أصدرها عام 1921، وكتبت فيها مقالات سياسية شجعت الخط الصهيوني، ودعمت دولة إسرائيل، وحرضت الشعب اليهودي على احتلال فلسطين.
ووفق إحصاءات رسمية عام 2003. يوجد في لبنان حاليا 1500 يهودي، لكن 60 منهم فقط مسجلون كيهود، بينما تحول الباقون إلى ديانات أخرى. ونظرا لعددهم الكبير في الماضي، كان لكل منطقة مختار (عمدة) يهتم بشؤون الطائفة لتسهيل معاملاتهم الرسمية وإصدار الوثائق الرسمية لهم، كجوازات السفر وإخراجات القيد التي يدون عليه اسم الطائفة، ومن أشهر مخاتير اليهود في لبنان وآخرهم المختار سعد المن، الذي كان يمثل منطقة ميناء الحصن، التي تشمل وادي أبو جميل.
* مقبرة اليهود في حي «السوديكو»
* أول من دُفن في هذه المقبرة الحاخام موسى يديد ليفي عام 1829. وخلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)، كانت المقبرة اليهودية على خط تماس ميداني تحت سيطرة قوة من ميليشيا «القوات اللبنانية»، فزرعت فيها الألغام، كي لا يعبر خصومهم منها إلى الجانب الآخر. وفي وقت لاحق، أزال الجيش اللبناني كل الألغام التي زُرعت في هذه المقبرة. وتضررت عدة قبور من التفجيرات والصواريخ. وحسب رئيس الطائفة اليهودية، فإن عمليات الترميم للمقابر بدأت مع بدء عملية ترميم كنيس «ماغن أبراهام».
* زعماء الطائفة اليهودية في لبنان
* منذ عام 1910. قاد عدة زعماء المجتمع اليهودي اللبناني، ومنهم:
عزرا أنزروت يرور 1910
يوسف د. فارحي 1910 - 1924
يوسف ديشي 1925 - 1927
يوسف د. فارحي 1928 - 1930
سليم هراري 1931 - 1934
يوسف د. فارحي 1935 - 1938
إسحق ساسون 1977 - 1985
راؤول مزراحي 1985 - 1986
يوسف مزراحي 1986 - 2005
إسحق أرازي 2005 - 2014.

* كنيس «ماغن أبراهام»
* يعد كنيس «ماغن أبراهام»، أو كنيس «ماغين (أو مجن - أي درع باللغة العربية) إبراهيم»، الأقدم والوحيد في بيروت. ولقد شيد الكنيس عام 1925، وأطلق عليه اسم ابن أبراهام ساسون. وساعد يوسف فارحي، زعيم الطائفة اليهودية في لبنان، في إكمال البناء الداخلي، وذلك لنقص التمويل. واستعملت «الحركة الصهيونية» الكنيس في أربعينات القرن الـ20 محطة مؤقتة للمهاجرين غير الشرعيين إلى فلسطين.
وفي عام 1976؛ بعد عام على بداية الحرب الأهلية اللبنانية، نقل يوسف فارحي أسفار التوراة الخاصة به إلى جنيف بسويسرا، حيث استودعها لدى المصرفي الملياردير الراحل إدمون صفرا الذي حفظها بدوره في خزائن مصرفه. ولقد جرى نقل غالبيتها لاحقا إلى كنس لليهود الشرقيين في إسرائيل.
* حاخامات اليهود في لبنان
* بين أعوام 1908 و1978، قاد عدة حاخامات كنس اليهود في المجتمع اللبناني، ومنهم:
الحاخام دنون 1908 - 1909
يعقوب مسلاتون 1910 - 1921
سليمان تاجر 1921 - 1923
شبطاي باحبوت 1924 - 1950
بنزيون ليشتمان 1932 - 1959
يعقوب عطية 1949 - 1966
شحود شريم 1960 - 1978



هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.