«أشباح» اليهود في وسط بيروت بعد عزلة طويلة

كثيرون بدلوا طائفتهم.. وتأهيل كنيس يعيدهم إلى الضوء

مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
TT

«أشباح» اليهود في وسط بيروت بعد عزلة طويلة

مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})
مقبرة يهودية في صيدا.. مدمرة ومهملة ({الشرق الأوسط})

يعد يهود لبنان العدة للعودة إلى الضوء بعد عزلة ذاتية طالت أكثر من أربعة عقود، اختبأوا خلالها وراء هويات مزورة، ومارسوا في العلن طقوس ديانة مختلفة عن حقيقة ما ينتمون إليه من دين وما اتبعوه من عرف. فخلال بضعة أسابيع، يعيد يهود لبنان فتح كنيس «ماغن أبراهام» القائم في وسط بيروت، بعد عمليات ترميم أعادت إصلاح ما دمرته سنوات الحرب الأهلية.
ومن المخطط له أن يفتح الكنيس (وهو الكنيس الرئيس في العاصمة اللبنانية والوحيد حاليا) أبوابه على وقع صلوات يترأسها حاخام يهودي لبناني، وبحضور من بقي من أبناء الطائفة وانتظروا هذه اللحظة منذ أكثر من 40 سنة.
ووفق ما كشفت عنه مصادر يهودية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، ستبدأ «عملية تجهيز قاعة الكنيس بالمقاعد والثريات والسجاد، على أن تكتب أسماء جميع المتبرعين لإعادة إعمار الكنيس على لوحة ستعلق على الباب الخارجي».
المصادر ذاتها أوضحت أن «افتتاح الكنيس قد يعلن عنه بشكل رسمي، لكن القرار لم يحسم بعد لناحية حضور حشد كبير، نظرا للأوضاع الراهنة والتطورات في المنطقة»، مرجحة أن «يقتصر الافتتاح على حفل صغير يجمع عددا ضئيلا من أبناء الطائفة».
الجدير بالذكر أن يهود لبنان عاشوا قبل سنوات عديدة حياة طبيعية، شأنهم شأن بقية الطوائف اللبنانية، إلا أن حياتهم انقلبت رأسا على عقب، بعد قيام إسرائيل واندلاع الحروب العربية الإسرائيلية، فباتوا خلال العقود الأربعة الأخيرة يمشون والخوف صديقهم، يتلفتون يمينا ويسارا تحسبا لأي اعتداء يعتقدون أنهم قد يتعرضون إليه.
ورغم اعتراف الدولة اللبنانية رسميا بوجودهم كطائفة يتمتع أفرادها بحقوقهم المدنية والسياسية، فهم واقعيا «محرومون من الحقوق الاجتماعية فور معرفة هويتهم الحقيقية». هكذا، يصف أغلب اليهود في لبنان واقعهم كونهم أقلية يسميها الدستور اللبناني بـ«الطائفة الإسرائيلية» ويعترف بها بين الطوائف الـ18 المنصوص عليها في الدستور.
يعود وجود اليهود في لبنان إلى أيام العثمانيين (1516 - 1918م). وخلال سنوات الانتداب الفرنسي، اضطر الفرنسيون إلى الاعتراف الرسمي بوجودهم كطائفة «إسرائيلية» بتاريخ 13 مارس (آذار) 1936، بسبب تكاثرهم، إذ وصل عددهم في ذلك الوقت إلى خمسة آلاف شخص، فترجموا اسم النبي يعقوب بن إسحق من الفرنسية إلى العربية حرفيا «إزرائيل» أي «إسرائيل» وأطلقوها على الطائفة.
ويقول رئيس الطائفة الإسرائيلية في لبنان إسحق أرازي لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «إننا نعاني مشكلة في التسمية نظرا لما تمثله من حساسية عند عدد كبير من اللبنانيين، ونحن نتفهم ذلك»، وأردف: «حاولنا التعاون مع الوزير السابق زياد بارود عند توليه منصب وزارة الداخلية لتغيير التسمية إلى اليهودية، لكننا لم نستطع، ولا نزال نحاول حتى اليوم».
ويوضح أرازي أن جهودا تبذل لإعادة إنهاض الطائفة من جديد «عبر ترميم كنيس (ماغن أبراهام)، الكنيس الوحيد المتبقي لنا الذي تعرض للتدمير خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في عقد السبعينات بحي وادي أبو جميل في وسط بيروت، الحي الذي احتضن العدد الأكبر من اليهود». ثم أوضح: «لقد نجحنا بجمع التبرعات من الجالية اليهودية في الخارج، وجميعهم يهود لبنانيون (يشدد على كلمة لبنانيين)، بل إن مسيحيين ومسلمين ساهموا معنا في إعادة إعمار كنيسنا.. وساهمت حتى شركة (سوليدير) التي تتولى إدارة وسط بيروت، بنسبة خمسة في المائة، وفقا للقانون الذي ينص على مساهمة الدولة اللبنانية في ترميم المعابد والكنائس ودور العبادة».
وفي حين تثير علاقة اليهودي بدولته وانتماؤه إلى وطنه إشكالية كبرى لدى عدد من اللبنانيين، فإن أرازي يتناول بنبرة غاضبة هذه النقطة كما لو أنه يعاني مشكلة كبيرة مع نوع مماثل من الأسئلة: «ليتأكد الجميع أنه لو كان انتماؤنا صهيونيا إسرائيليا لما بقينا لحظة واحدة في لبنان»، نافيا «أي علاقة لنا بمن أرادوا العيش على أرض فلسطين وقتل الأبرياء». وأنهى كلامه ساخرا: «ماذا بإمكان طائفة من 200 شخص أن تفعل؟ ليس كل اليهود صهاينة، فهويتنا لبنانية وانتماؤنا لبناني مائة في المائة».
انفعال أرازي يقاطعه تعليق صديق يهودي كان جالسا إلى جواره، وهو رجل خمسيني طويل القامة، قال لنا: «حتى الشأن السياسي لا نتعاطى معه، في ظل وجود نائب عن الأقليات لا يأبه لأحوالنا، وحالنا كحال بقية اللبنانيين. إننا نعاني مثلهم من السياسيين والمسؤولين الذين ينحصر همهم الوحيد في تعبئة جيوبهم بأموالنا». وتابع بنبرة عالية: «في الماضي، كان عدد الناخبين من أبناء الطائفة أكثر من سبعة آلاف شخص، وشغل لبنانيون يهود مناصب كبيرة حتى في الشرطة اللبنانية، منهم ضابط من عائلة بصل، وكنا نصوت للنائب الراحل جوزيف شادر (وهو أرمني كاثوليكي)، وكان محبوبا لدى الطائفة، في حين أن مساهمة اليهود في الانتخابات انخفضت اليوم إلى اثنين في المائة فقط».
من ناحية أخرى، يختلف رأي سونيا، وهي سيدة يهودية ستينية، عن رأي أرازي وصديقه؛ فهي توضح لـ«الشرق الأوسط» بصراحة، حسب رأيها، أنه «لا يوجد صهيوني أو يهودي، فاليهود جميعهم واحد ولا يمكنهم التنصل من هويتهم»، وتابعت سونيا: «حرمني أهل زوجي من أولادي بسبب ديانتي اليهودية، بعد نشوء العداوة الكبرى بين العرب واليهود، وحاربوني بشتى أدوات التعذيب النفسي.. لقد تركت عائلتي، التي اختارت الذهاب إلى إسرائيل للعيش هناك، واخترت البقاء في لبنان إلى جانب زوجي وأولادي. لكن رواسب حرب العرب مع إسرائيل لم ترحم وجودي كإنسانة».
تستعيد سونيا محطات من سنوات خلت، مستذكرة «كيف كانوا في كل جلسة يقولون لي (أنت يهودية).. هل تحولت كلمة يهودية إلى شتيمة؟». ثم عبرت عن حبها لـ«أرض إسرائيل» التي تصفها بأنها «أرض اليهود المقدسة»، لكنها شرحت سبب رفضها المغادرة للعيش هناك بالقول: «جعلوني أكره لبنان وهويتي العربية، وأصبحت أتمنى الذهاب إلى إسرائيل للعيش فيها، لكن وجود أولادي منعني من الذهاب إلى أي بلد آخر، كما أنني تقدمت في العمر، ولا أجيد اللغة العبرية».
لا تبالي سونيا بالعزلة المفروضة على الطائفة، وتنهي حديثها غير مبالية: «إذا مت لا أريد أن أدفن إلا في مقبرة يهودية، وأريد أن يصلي عليّ حاخام يهودي، فالتوراة كتابي المقدس، وديانتي هي اليهودية، ولن أتنازل عن ذلك أبدا».
ثم تدافع هذه المرأة الستينية عن امرأة أخرى دخلت التاريخ كإحدى أشهر الجاسوسات الإسرائيليات في المنطقة العربية، هي شولا كوهين. تقول سونيا بسخط وغضب كبيرين: «ليست بجاسوسة، إذ كانت تهرب اليهود من لبنان والبلاد العربية إلى بلدهم إسرائيل، بعد موجة الاضطهادات التي تعرضنا لها بسبب خسارة العرب في الحرب ضد إسرائيل خلال الستينات».
لُقّبت شولا كوهين (اسمها الحقيقي «شولاميت») بـ«لؤلؤة الموساد الإسرائيلي»، وهي من مواليد القدس، لكنها تزوجت يهوديا لبنانيا من عائلة كيشيك، وانتقلت للعيش معه في حي وادي أبو جميل ببيروت عام 1936. وبدأت شولا، التي كانت تسكن في بناية الشويري الواقعة بنزلة المدرسة الأهلية في وادي أبو جميل، وتعمل في أحد المصارف اللبنانية، نشاطها لمصلحة الاستخبارات الإسرائيلية عام 1948، وتولت مهمة تهريب اليهود من لبنان. كذلك تولى «النادي المكابي» ومنظمة «بن تسيون» في وادي أبو جميل المهمة ذاتها، أي تهريب اليهود الآتين من سوريا بمساعدة عدد من اليهود وغير اليهود من اللبنانيين، وفق ما تؤكده تقارير عدة.
وقد تمكنت شولا كوهين من تجنيد شبكة من الجواسيس قبل اعتقالها عام 1961، وحُكم عليها بالإعدام، ولاحقا خُفِّض الحكم إلى السجن 20 سنة. وعام 1967، أطلق سراحها لقاء الإفراج عن جنود لبنانيين كان اعتقلهم الجيش الإسرائيلي قرب بلدة العديسة الحدودية بجنوب لبنان. وكان بين الأسماء التي حامت حولها شكوك بالتجسس المغنية آمال شوقي، التي كانت تعمل في الإذاعة اللبنانية، وزوجها الملحن سليم بصل، الذي صار اسمه سليم شوقي، والاثنان هاجرا إلى إسرائيل.
في المقابل، اشتهرت شخصيات يهودية كثيرة في مجالات الطب والتجارة والسلك الأمني في لبنان، فعرف الدكتور شمس الملقب بـ«طبيب الفقراء»، نظرا لاستقباله الزبائن من الطوائف كافة، وليس اليهودية فقط، مقابل أجر زهيد، وكان مقر عيادته داخل كنيس «ماغن أبراهام» إلى جانب جمعيات اليهود في وادي أبو جميل. أما المصرفي السوري - اللبناني الملياردير أدمون صفرا (حمل لاحقا الجنسية البرازيلية، وتوفي قبل سنوات في موناكو)، فقد تميز بذكائه وحنكته في مجال إدارة الأعمال، فأسس سلسلة مصارف صفرا من وسط بيروت.
أغلب اليهود في لبنان اليوم ضائعون بين هويتين؛ الأولى هويتهم اللبنانية، والثانية هوية إسرائيلية فرضها الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين واليهود جميعا منذ لحظة إعلان دولة إسرائيل، التي أدت إلى نكبة عام 1948. منذ ذلك التاريخ، تغيرت أحوال عدد كبير من اللبنانيين اليهود الذين فضلوا الاختباء وراء ديانات أخرى، مثل إبراهيم الملقب بـ«خياط الأمراء».
يحيط بمكتب إبراهيم، اليهودي السبعيني، آيات قرآنية معلقة على جدران المتجر، وصور تبدد تماما أي شك لدى الزائر حول هوية الرجل وديانته. يجلس إبراهيم على كرسي جلدي بني اللون، ويضع نظارات إطارها بني، وبيده يحمل عدة الخياطة التي رافقته منذ أكثر من 25 سنة؛ إبرة وخيط وبنطال يحتاج إلى ترقيع.
وبلهجة حلبية، يرحب إبراهيم بزبائنه الذين اعتادوا زيارته في كل مناسبة لشراء البدلات والقمصان من متجره، نظرا لجودة ملابسه وسمعته الحسنة في الحي الذي يسكنه.
قال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «على الأوراق الرسمية أنا مسلم. بدلت ديانتي لأبعد المشاكل والسخافات حولي، فبعض اللبنانيين لا يتقبلون وجودنا معهم، وبات لدينا هاجس من العيش كيهود في العلن»، ثم يستعيد بغصة أيام عز اليهود في لبنان قائلا: «كان لنا مدارسنا في وادي أبو جميل وجمعياتنا، وصل عدد كنسنا إلى 15 كنيسا في بيروت وفي بلدات دير القمر وعاليه وبحمدون. واشتهرنا بالتجارة في القماش والخياطة والذهب والنحاس وغيرها من المهن».
ويتوقف لحظة ليشعل سيجاره الفاخر، وينفض الغبار عن قميصه الأبيض، ويكمل سرده تفاصيل «من الصعب نسيانها» (على حد وصفه): «مهنة الخياطة هي عائلتي، أحيك ثيابا للأمراء والوزراء والسفراء من كل الجنسيات العربية، وأحمل جوازا دبلوماسيا، وأتلقى الدعوات من أعيان عرب لأرافقهم في مناسباتهم وأهتم بلباسهم الرسمي».
يضحك إبراهيم لدى سؤاله عن طريقة عيشه كيهودي في لبنان. ويعلق بكلمات بطيئة: «يتشارك اليهود في لبنان مع باقي اللبنانيين الظروف الاجتماعية الصعبة نفسها، ويتقاسمون معهم همومهم الموحدة في بلد أمنه على شفير الهاوية.. والانقسامات السياسية تكاد تقتله». ثم يقول: «أصدقاؤهم محدودون ويحتفظون بسرهم أنهم (يهود)، وأنا واحد من هؤلاء».
وفي شارع مقابل لمتجر إبراهيم، تعيش سيدتان في منزل مرت عليه سنوات من العمر. ديكوره على الطراز القديم، وجدران البيت تزينها لوحات فنية تدل على ذوق رفيع، وبداخله بيانو كبير نظيف ومرتب، ودفتر نوتات موسيقية مركون على جانب الكرسي، ومجسمات دينية صغيرة مثل شمعدان من تسع شموع، تضاء كل يوم سبت وفق طقوس اليهود الدينية، وضعت على طاولة تتوسط غرفة الضيوف.
تتحدث أستاذة الموسيقى الثمانينية ببطء شديد، وهي ترتشف القهوة الممزوجة مع الحليب ويداها ترتجفان، تعتني بشقيقتها المقعدة التي تكبرها بسنة واحدة. وتسترجع بحزن كبير ذكريات طفولتها في وادي أبو جميل: «كنت أستاذة موسيقى، أدرس الطلاب نوتات الموسيقى وأعزف بشغف على آلة البيانو التي أعشقها. توفي والداي وبقيت وحدي مع شقيقتي في لبنان بعدما سافر أقرباؤنا وأصدقاؤنا إلى بلاد الغربة تاركين وراءهم أملاكهم وبيوتهم، وما زالوا يحلمون بالعودة يوما ما إلى بلدهم الأول والأخير لبنان».
وتضيف، متحدثة باللغة الفرنسية، التي اعتادت تكلمها على حد قولها: «لا يتجاوز عدد اليهود اللبنانيين اليوم الـ200 شخص، تتراوح أعمارهم بين 50 و70 سنة، وعدد النساء المتزوجات بينهم قليل بسبب الهجرة الكبرى التي أفرغت البلد من رجاله اليهود. ومن ثم بات من الصعب على المرأة اليهودية ارتباطها برجل من ديانة أخرى لا يتقبل فكرة أن يحمل الولد (ذكرا أو أنثى) هوية والدته الدينية التي تنقلها لأولادها مباشرة عند الولادة، وفقا للديانة اليهودية. فتركنا بلا عائلة».
تصف «أستاذة الموسيقى»، كما تحب مناداتها، لبنان بـ«البلد المنفتح» وناسه بـ«المثقفين»، نافية تعرضها لأي اعتداء أو إهانة من أحد بسبب ديانتها. وهي تربطها مع جيرانها صداقة وحب واحترام متبادل. وتقول: «في السبعينات، عرض أشخاص كثيرون مساعدتنا للسفر إلى إسرائيل وبعروض مغرية، لكن الفكرة كانت مرفوضة بشكل جازم».
وتضطر إلى إنهاء كلامها بعدما نادتها شقيقتها المقعدة لتساعدها على النهوض من السرير. وعادت لتقول: «قد ينشغل بعض السخفاء بإصدار الأحكام المسبقة علينا، ولكن ليتذكروا قبل أي شيء أننا بشر».
على صعيد آخر، كان ليهود لبنان 17 كنيسا، أشهرها كنيس المن، والكنيس الإسبانيولي، وكنيس دانا، وكنيس دير القمر وكنيس صيدا، بالإضافة إلى وجود عدد من المقابر، ما زالت رفات اليهود تدفن فيها حتى اليوم، ولكن في الليل إذ تقام الصلوات سرا في الظلام، خوفا من انفضاح أمرهم.
ولقد أدى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى أعمال انتقامية عدة ضد الطائفة اليهودية اللبنانية، كما حاولت إسرائيل اجتذاب يهود لبنان ليهاجروا إليها. غير أن فكرة الهجرة إلى إسرائيل بقيت فكرة مرفوضة رغم تعرض الطائفة للكثير من الاعتداءات، أبرزها اختطاف 11 يهوديا من أعيان الطائفة اليهودية اللبنانية وإعدامهم، بحسب مصادر يهودية لبنانية. وقبل عدة سنوات، اتخذ رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق الراحل رفيق الحريري قرارا بإعادة افتتاح الكنيس وإحاطته بالحدائق، لكن القرار لم يُنفّذ.
وبعيدا عن الكنس ودور العبادة، كانت لليهود في لبنان حياة اجتماعية متكاملة الحلقات الثقافية والأكاديمية والاقتصادية. وكانت لهم ثلاث مدارس تدرس اللغة العبرية والفرنسية إضافة إلى العربية، هي مدرسة سليم طراب المعروفة بـ«التلمود تورا»، ومدرسة الآليانس، ومدرسة الحلبية، وجميعها كانت موجودة في حي وادي أبو جميل ببيروت. لكن هذه المدارس دمرت خلال الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي، باستثناء المدرسة التلمودية. أما بالنسبة للمدرسة التلمودية المجاورة لكنيس «ماغن أبراهام»، فقد هدمت لكي لا تحجب منظر شاطئ البحر على أبنية حديثة مجاورة، مع أن ملكية الأرض ما زالت لليهود اللبنانيين، وفق ما يؤكده أحد أبناء الطائفة في بيروت.
كذلك نشطت حركة اليهود ثقافيا قبيل إعلان دولة إسرائيل، فكانت لهم في لبنان صحيفة هي «العالم الإسرائيلي» لمؤسسها سليم آلياهو، الذي أصدرها عام 1921، وكتبت فيها مقالات سياسية شجعت الخط الصهيوني، ودعمت دولة إسرائيل، وحرضت الشعب اليهودي على احتلال فلسطين.
ووفق إحصاءات رسمية عام 2003. يوجد في لبنان حاليا 1500 يهودي، لكن 60 منهم فقط مسجلون كيهود، بينما تحول الباقون إلى ديانات أخرى. ونظرا لعددهم الكبير في الماضي، كان لكل منطقة مختار (عمدة) يهتم بشؤون الطائفة لتسهيل معاملاتهم الرسمية وإصدار الوثائق الرسمية لهم، كجوازات السفر وإخراجات القيد التي يدون عليه اسم الطائفة، ومن أشهر مخاتير اليهود في لبنان وآخرهم المختار سعد المن، الذي كان يمثل منطقة ميناء الحصن، التي تشمل وادي أبو جميل.
* مقبرة اليهود في حي «السوديكو»
* أول من دُفن في هذه المقبرة الحاخام موسى يديد ليفي عام 1829. وخلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)، كانت المقبرة اليهودية على خط تماس ميداني تحت سيطرة قوة من ميليشيا «القوات اللبنانية»، فزرعت فيها الألغام، كي لا يعبر خصومهم منها إلى الجانب الآخر. وفي وقت لاحق، أزال الجيش اللبناني كل الألغام التي زُرعت في هذه المقبرة. وتضررت عدة قبور من التفجيرات والصواريخ. وحسب رئيس الطائفة اليهودية، فإن عمليات الترميم للمقابر بدأت مع بدء عملية ترميم كنيس «ماغن أبراهام».
* زعماء الطائفة اليهودية في لبنان
* منذ عام 1910. قاد عدة زعماء المجتمع اليهودي اللبناني، ومنهم:
عزرا أنزروت يرور 1910
يوسف د. فارحي 1910 - 1924
يوسف ديشي 1925 - 1927
يوسف د. فارحي 1928 - 1930
سليم هراري 1931 - 1934
يوسف د. فارحي 1935 - 1938
إسحق ساسون 1977 - 1985
راؤول مزراحي 1985 - 1986
يوسف مزراحي 1986 - 2005
إسحق أرازي 2005 - 2014.

* كنيس «ماغن أبراهام»
* يعد كنيس «ماغن أبراهام»، أو كنيس «ماغين (أو مجن - أي درع باللغة العربية) إبراهيم»، الأقدم والوحيد في بيروت. ولقد شيد الكنيس عام 1925، وأطلق عليه اسم ابن أبراهام ساسون. وساعد يوسف فارحي، زعيم الطائفة اليهودية في لبنان، في إكمال البناء الداخلي، وذلك لنقص التمويل. واستعملت «الحركة الصهيونية» الكنيس في أربعينات القرن الـ20 محطة مؤقتة للمهاجرين غير الشرعيين إلى فلسطين.
وفي عام 1976؛ بعد عام على بداية الحرب الأهلية اللبنانية، نقل يوسف فارحي أسفار التوراة الخاصة به إلى جنيف بسويسرا، حيث استودعها لدى المصرفي الملياردير الراحل إدمون صفرا الذي حفظها بدوره في خزائن مصرفه. ولقد جرى نقل غالبيتها لاحقا إلى كنس لليهود الشرقيين في إسرائيل.
* حاخامات اليهود في لبنان
* بين أعوام 1908 و1978، قاد عدة حاخامات كنس اليهود في المجتمع اللبناني، ومنهم:
الحاخام دنون 1908 - 1909
يعقوب مسلاتون 1910 - 1921
سليمان تاجر 1921 - 1923
شبطاي باحبوت 1924 - 1950
بنزيون ليشتمان 1932 - 1959
يعقوب عطية 1949 - 1966
شحود شريم 1960 - 1978



الجيش اليمني... صمود بمحيط مدينة تعز وتقدم في الجوف

مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني... صمود بمحيط مدينة تعز وتقدم في الجوف

مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)

حافظت القوات الحكومية اليمنية على مواقعها في جبهات مدينة تعز المحاصرة، وتمكنت، بمساندة المقاومة الشعبية، من كسر هجوم حوثي عنيف في جبهة الأقروض جنوب شرقي المدينة، بالتزامن مع استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرق مدينة الحزم، مركز محافظة الجوف، في تطور ميداني يهدف إلى التقدم نحو المدينة.

وفي مقابل هذا الثبات في تعز والتقدم في الجوف، وسّع الحوثيون تحركاتهم العسكرية باتجاه مديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، وتمكنوا، رغم الغارات الجوية والخسائر التي تكبدوها، من السيطرة على قلعة المقاطرة التاريخية والتوغل في مناطق ومرتفعات مهمة، بينها منطقة النفق ومواقع مطلّة على عقبة هيجة العبد، بعد مواجهات ضارية مع القوات الحكومية.

وحسب مصادر محلية، لا تزال القوات الحكومية، بمساندة «قوات العمالقة» و«درع الوطن»، تسيطر على أجزاء واسعة من المديرية، وتمكنت من صد هجمات وتدمير أرتال تعزيزات حوثية في أسفل العقبة وسائلة سوق الربوع، بينما تواصل شن هجمات مضادة لاستعادة المواقع التي سيطرت عليها الجماعة وسط الدفع بتعزيزات ومقاتلين قبليين لمواجهة التمدد الحوثي.

جبهات مدينة تعز صامدة أمام حصار الحوثيين وهجماتهم منذ نحو 4 أسابيع (أ.ف.ب)

وتتركز المواجهات في جنوب مدينة تعز وجنوبها الشرقي على جبهات الأقروض وكحلان وفي الضباب غرب المدينة، حيث تمكنت القوات المسلحة، بمساندة المقاومة الشعبية، من كسر هجوم حوثي عنيف في جبهة الأقروض، وسط استمرار المواجهات والغارات الجوية التي استهدفت تجمعات للجماعة في هذه الجبهات.

وامتدت الغارات الجوية، الأحد، إلى مناطق في محافظتي ذمار والحديدة، بينها مديرية باجل، كما استهدفت مواقع حوثية في هيجة العبد وطريق الصحى جنوب غربي تعز، في إطار العمليات الجوية المرافقة للمعارك البرية.

وفي المقابل، تركز الهجوم الحوثي على مديرية المقاطرة شمال لحج، حيث سيطرت الجماعة على قلعة المقاطرة التاريخية، وتوغلت في منطقة النفق وعدد من المرتفعات المطلة على عقبة هيجة العبد.

أهمية المقاطرة

تكتسب هذه التطورات أهمية عسكرية بالنظر إلى موقع جبال المقاطرة وقلعتها المشرفة على طريق نقيل هيجة العبد وطريق الكربة، وهما من المسارات الحيوية التي تربط تعز بالمناطق الجنوبية.

وتتيح السيطرة على القلعة مراقبة التحركات في محيط هذه الممرات وتهديد حركة المرور عبرها، مما يثير مخاوف من اتساع القيود العسكرية على الطرق المؤدية إلى تعز، وتعميق عزل المدينة التي تعاني أصلاً من الحصار الحوثي.

في الصورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية شمالي محافظة لحج (إعلام محلي)

ولا تقتصر أهمية المرتفعات على تأمين الطرق المحلية؛ إذ تفتح السيطرة عليها مجالاً للتقدم باتجاه مديرية طور الباحة، كما تمنح إشرافاً جغرافياً على قاعدة العند العسكرية في محافظة لحج.

وتشكل المقاطرة، بحكم موقعها الجبلي، عمقاً للممرات المتصلة بالساحل الغربي وباب المندب، كما أن السيطرة على مرتفعاتها تتيح تأمين خطوط التقدم والحد من فرص الالتفاف العسكري، فضلاً عن التأثير على حركة القوات والإمدادات في المنطقة الممتدة باتجاه رأس العارة جنوبي مضيق باب المندب.

تقدم ميداني في الجوف

وفي تطور ميداني موازٍ، أعلنت القوات المسلحة اليمنية، ممثلةً بالفرقة الأولى طوارئ، استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرق مدينة الحزم، عقب معارك عنيفة انتهت بفرار عناصر الحوثيين من مواقعهم في محيط جبال دحيضة.

قوات الجيش اليمني حققت تقدماً شرقي مدينة الحزم مركز محافظة الجوف (إعلام عسكري)

وقالت القوات إنها سيطرت على مخازن أسلحة وذخائر تركتها الجماعة خلفها، ودمرت آليات ومدرعات قتالية، مضيفة أن المواجهات أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من الحوثيين والقبض على آخرين.

وعلى الصعيد الإداري والعسكري، أصدر مجلس القيادة الرئاسي، الأحد، قرارين جمهوريين بتعيين اللواء حسين العجي علي العواضي محافظاً لمحافظة البيضاء، واللواء أمين علي العكيمي محافظاً لمحافظة الجوف، مع تعيين الأخير قائداً لمحور الجوف.


أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
TT

أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)

ربطت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة، أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب باستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي، محذرة من أن استمرار دعم الجماعات المسلحة وتقويض سلطة الحكومات الوطنية يحولان الأزمات الداخلية إلى تهديدات عابرة للحدود، تطال أمن المنطقة والملاحة الدولية والتجارة العالمية.

وقالت الزوبة إن الحديث عن أمن إقليمي مستدام لا يمكن أن ينفصل عن وجود يمن آمن ومستقر، مؤكدة أن تداعيات الانقلاب على الدولة اليمنية تجاوزت حدود البلاد لتطال أمن دول الجوار والممرات البحرية والمصالح الدولية. ودعت إلى ترجمة التضامن الدولي مع اليمن إلى خطوات عملية تعالج مصادر التهديد، وفي مقدمتها وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية إلى الجماعات المسلحة.

وفي كلمة ألقتها خلال الجلسة العامة الثالثة لحوار المنامة 2026، تحت عنوان «أسس الأمن الإقليمي»، وضعت الوزيرة استعادة الدولة اليمنية في صلب معادلة الأمن الإقليمي، محددة أربعة مرتكزات لتحقيق الاستقرار، تشمل احترام سيادة الدول وتعزيز مؤسساتها الوطنية، وتقديم الدبلوماسية والحوار على المواجهات، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والغذاء وحماية المدنيين ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى جانب حماية الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وشددت على أن أي تسوية تتعلق باليمن ينبغي أن تقودها الدولة اليمنية وتصون سيادتها ومرجعيات الحل السياسي، وتفضي إلى استعادة مؤسساتها وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيدها، معتبرة أن دعم الجماعات المسلحة التي تنازع الحكومات سلطتها يقوض فرص الاستقرار ويطيل أمد الصراعات.

مدخل الاستقرار

في رسالتها أمام المشاركين في حوار المنامة، أكدت أفراح الزوبة أن الحكومة اليمنية تمضي في معركة استعادة الدولة، وأنها لا تطلب من أحد القتال نيابة عنها، لكنها تتطلع إلى إسناد شركائها وتعزيز قدرات مؤسساتها وإنفاذ حظر توريد الأسلحة ووقف تدفقها إلى الجماعات المسلحة.

وشددت على ضرورة إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وفق المرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216.

وقالت إن اليمن المستقر قادر على استعادة دوره في محيطيه العربي والإقليمي، ليكون شريكاً في حماية أمن المنطقة وممراتها البحرية والتجارة الدولية، معتبرة أن اليمنيين وهم يدافعون عن دولتهم يدافعون، في الوقت نفسه، عن أمن المنطقة ومصالح العالم.

وزيرة الخارجية اليمنية مع نظيرها البحريني (سبأ)

وفي سياق تحذيرها من امتداد التهديدات إلى المجال البحري، استشهدت الزوبة بتقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، مشيرة إلى ما أورده تقرير عام 2024 بشأن تلقي الحوثيين أسلحة ومساعدة تقنية وتدريباً ودعماً مالياً من إيران وجماعات مسلحة عراقية و«حزب الله».

كما لفتت إلى ما تضمنه تقرير الفريق لعام 2025 من معلومات عن تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية في مجالات تهريب الأسلحة والتدريب وتبادل الخبرات العسكرية، محذرة من خطورة تشابك الجماعات المسلحة مع شبكات الجريمة المنظمة، وداعية إلى تعزيز تبادل المعلومات وتجفيف مصادر التمويل ومراقبة مسارات انتقال السلاح والخبرات عبر الحدود.

وأكدت أن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا ينفصل عن استقرار اليمن، وأن حماية الساحل والممرات البحرية تبدأ بمعالجة مصادر التهديد على اليابسة، ووقف تدفق السلاح والتمويل، ومكافحة شبكات التهريب، وتعزيز قدرات الدول الساحلية مع احترام سيادتها.

تركيز على الدعم الدولي

على هامش حوار المنامة، نقلت الزوبة هذه الملفات إلى مباحثاتها الثنائية مع مسؤولين بريطانيين وكنديين ومصريين وأميركيين وخليجيين وأتراك، في تحرك ركز على تعزيز الدعم الدولي لمؤسسات الدولة اليمنية وتوسيع التعاون الأمني والبحري ومواجهة مصادر تسليح الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزيرة بحثت مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، تطورات الأوضاع الميدانية والإنسانية، واستعرضت استمرار الحصار الحوثي على تعز وتدهور الخدمات الأساسية، إلى جانب الانتهاكات التي يتعرض لها موظفو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المحتجزون لدى الجماعة.

أفراح الزوبة خلال لقائها مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

وتوقف اللقاء عند وفاة الموظف الأممي محمد الشامي أثناء احتجازه لدى الحوثيين، بعد أكثر من عامين على اختطافه، في واقعة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين الدوليين في مناطق سيطرة الجماعة.

كما تناول الجانبان التعاون الأمني والبحري، بما في ذلك بناء قدرات خفر السواحل وحماية المنشآت الحيوية، وتكثيف الجهود الدولية لمواجهة مصادر تسليح الحوثيين والحد من تدفق الأسلحة إليهم. وأكد الوزير البريطاني استمرار دعم بلاده للحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة، وأهمية تبادل المعلومات والتنسيق مع الشركاء الدوليين.

وفي مباحثاتها مع وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، بدر عبد العاطي، ركزت أفراح الزوبة على التطورات في البحر الأحمر ومخاطر التصعيد الحوثي على أمن الملاحة، مستعرضة استمرار حصار تعز واستهداف المطارات في اليمن والمملكة العربية السعودية، وما تمثله هذه الاعتداءات من تهديد للمدنيين والطيران المدني والأمن الإقليمي.

وأكد الجانبان أهمية صون أمن الممرات البحرية الدولية وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوترات، بينما جدد الوزير المصري موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ومساندة الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار.


نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
TT

نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)

دخل الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية أسبوعه الرابع، وسط ازدياد القيود على وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية، وإغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، بينما تتسع موجات النزوح وتتراجع قدرة المنظمات الإغاثية على تلبية الاحتياجات المتصاعدة للسكان.

وتواجه شاحنات المساعدات الإنسانية عراقيل حوثية متكررة عند نقاط التفتيش، رغم حصولها على التصاريح اللازمة، في ظل إغلاق الجماعة معظم الطرق التي تربط المحافظة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث توجد مخازن الإمدادات في عدن.

ولم تسلم الطرق الالتفافية الواقعة في مناطق التماس من القيود، فيما أسهمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطرق في إبطاء حركة النقل وتأخير وصول الإمدادات إلى المحتاجين.

وتشير بيانات المنظمات الإنسانية إلى تجاوز عدد النازحين 300 ألف شخص، فرّ معظمهم من جراء القتال في تعز وعلى امتداد الساحل الغربي. كما تنذر موجة النزوح الجديدة التي بدأت من محافظة لحج في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باستمرار اتساع نطاق الأزمة الإنسانية وارتفاع أعداد المتضررين.

مظاهرة حاشدة من سكان مدينة تعز تنديداً بالحصار الحوثي (إعلام محلي)

وتتفاقم الأوضاع داخل مدينة تعز ومحيطها مع استمرار استهداف الأحياء السكنية بالقذائف المدفعية، وفرض قيود مشددة على الوصول إلى عدد من المناطق. وفي موازاة ذلك، تواجه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، فيما لا تزال إمدادات إنسانية مخصصة للمدينة عالقة في انتظار السماح بوصولها، بالتزامن مع صعوبات متصاعدة تواجه الأسر النازحة الراغبة في مغادرة المحافظة.

وفي أحدث مؤشر على التكلفة البشرية للقتال، قالت «مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان» إنها وثقت 263 ضحية مدنية، بين قتيل وجريح، حتى 27 أكتوبر الماضي، بينهم 67 قتيلاً. وبلغ عدد الأطفال بين الضحايا 97، أي نحو نصف إجمالي القتلى، في مؤشر على حجم المخاطر التي يتعرض لها القُصّر من جراء استمرار الأعمال القتالية.

استجابة محدودة

على صعيد الاستجابة الإنسانية، استهدفت المرحلة الأولى من المساعدات، عبر «آلية الاستجابة السريعة»، 207 آلاف و480 نازحاً، تسلمت غالبية الأسر منهم حصصها الإغاثية. ومع ذلك، فلا يزال نحو 9 آلاف أسرة مسجلة تنتظر الحصول على المساعدات؛ بسبب اضطراب سلاسل الإمداد وإجراءات التصاريح وتدهور الوضع الأمني، وهي عوامل تعرقل عمليات النقل والتوزيع.

أما المرحلة الثانية من الاستجابة، فلا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الفعلية. فعلى الرغم من وصول المساعدات النقدية الطارئة إلى معظم الأسر التي استكملت عملية التحقق من بياناتها، فإن تغطية المساعدات الغذائية لم تصل إلا لما يزيد قليلاً على نصف تلك الأسر، في حين ظلت خدمات المأوى والمياه والإصحاح محدودة للغاية مقارنة بأعداد المحتاجين.

الحوثيون يستهدفون بشكل متكرر أحياء مدينة تعز بالقذائف المدفعية (إعلام محلي)

وبدورها، لم تصل خدمات التغذية العلاجية إلا إلى جزء ضئيل من الفئات المستهدفة؛ مما يزيد هشاشة الأسر المقيمة في مواقع النزوح المكتظة، ويرفع تعرضها للمخاطر الصحية، خصوصاً مع تفشي وباء الكوليرا وتدهور ظروف الإيواء والصرف الصحي.

ولا تقتصر التداعيات على نقص الغذاء والخدمات الأساسية؛ إذ تشير تقارير الشركاء الإنسانيين إلى ازدياد حالات انفصال أفراد الأسر، والمخاطر المرتبطة بمخلفات الحرب والمتفجرات، فضلاً عن ارتفاع التهديدات المتعلقة بالطرد والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما أدى إغلاق 5 مساحات آمنة مخصصة للنساء والفتيات إلى تقليص فرص حصولهن على خدمات الحماية والدعم.

ورغم القيود الأمنية وصعوبات الوصول، فإن منظمات وطنية ودولية تواصل تقديم الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، بما يشمل الرعاية الصحية والمياه والمأوى والمساعدات النقدية، إلى جانب أنشطة التعامل مع الألغام ومخلفات الحرب في مناطق الساحل الغربي.

تعليق الدراسة

في امتداد لتداعيات الوضع الأمني على الحياة اليومية، جددت «لجنة الطوارئ» بمحافظة تعز تأكيد استمرار قرار تعليق الدراسة ومنح إجازات مؤقتة في المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حتى صدور إشعار رسمي آخر، محذرة من أي محاولات لاستئناف العملية التعليمية خارج التوجيهات المعتمدة.

وقالت «اللجنة» إن أي دعوة لاستئناف الدراسة، أو إلزام الطلاب والكوادر التعليمية والإدارية الحضور، خلافاً لقراراتها السابقة، يمثلان مخالفة صريحة للتعليمات الرامية إلى حماية الأرواح وصون الحقوق.

سكان في تعز المحاصرة خلال تشييع مدنيين وعسكريين قتلوا بقصف حوثي (رويترز)

وأبدت «اللجنة» قلقها إزاء معلومات عن ضغوط تمارسها الجماعة الحوثية على مديري المدارس والمعاهد وقيادات فروع الجامعات والكليات لاستئناف الدراسة، رغم استمرار المخاطر الأمنية، محذرة من استغلال المؤسسات التعليمية في عمليات التجنيد والاستقطاب والتعبئة الطائفية.

وحمّلت «اللجنة» الحوثيين وكل من يتواطأ معهم المسؤولية عن هذه الضغوط وما قد ينجم عنها من تعريض الطلاب والموظفين للخطر، مؤكدة أن تعليق الدراسة لا يمس الحقوق التعليمية للطلاب أو الحقوق القانونية والوظيفية والمالية للعاملين في القطاع.

كما حذرت بأن تشغيل المؤسسات التعليمية خارج الأطر المعتمدة قد يعرض المسؤولين للمساءلة القانونية والإدارية، بما في ذلك تعليق صرف المستحقات المالية للمتورطين في مخالفة التعليمات. ودعت القياداتِ التعليميةَ إلى التزام القرار والإبلاغ عبر وسائل آمنة عن أي ضغوط أو تهديدات.