كوريون شماليون يعانون من ظروف عمل قاسية في روسيا

TT

كوريون شماليون يعانون من ظروف عمل قاسية في روسيا

تبنّت مدينة فلادفوستوك الروسية، المطلّة على المحيط الهادئ، رمزا جديدا من رموز العولمة المتجاوزة للحدود؛ العمالة الكورية الشمالية. وعلى عكس العمال المهاجرين في أغلب بلدان الغرب، فإن الكوريين الشماليين يلقون ترحيبا واسعا في روسيا، التي أصبحت على غرار الصين أحد أكبر مستخدمي العمالة من الدولة المارقة.
تقول يوليا كرافشينكو (32 عاما)، وهي ربة منزل من سكان فلادفوستوك، عن عمال كوريين شماليين في قطاع تزيين المنازل: «إنهم يتميزون بالسرعة والموثوقية، ويتقاضون القليل، وهم أفضل بكثير من العمال الروس. وهم لا يفعلون شيئا سوى العمل من الصباح وحتى الأوقات المتأخرة من الليل».
وعادات العمل التي تسعد أصحاب المنازل في فلادفوستوك توفر أيضا التحويلات النقدية التي تشتد الحاجة إليها في البلد الأكثر عزلة في العالم، حيث إن النظام الديكتاتوري الوراثي في بيونغ يانغ بات قاب قوسين من امتلاك القدرات النووية القادرة على توجيه الضربات إلى الولايات المتحدة. وخلال الأسبوع الماضي فقط، بلغت كوريا الشمالية مستوى جديدا عبر اختبار أول صاروخ باليستي عابر للقارات.
ونظرا للعقوبات الاقتصادية الدولية الصارمة وعجز البلاد عن إنتاج كثير من السلع والبضائع التي يريد أي شخص خارج حدود كوريا الشمالية شرائها، باستثناء قطع غيار الصواريخ والمنسوجات والفحم والفطر، أرسلت حكومة البلاد عشرات الآلاف من المواطنين الفقراء إلى مختلف مدن وبلدات الاتحاد السوفياتي القديم لاكتساب الأموال وتحويلها إلى النظام.
وتقول جمعيات حقوق الإنسان إن هذه الحركة العمالية التي تسيطر عليها الحكومة تصل إلى حد تجارة الرقيق المحرمة دوليا، ولكن الأوضاع في الداخل بائسة للغاية، لدرجة أن العمال في أغلب الأحيان ما يدفعون الرشى للحصول على فرصة السفر إلى روسيا.
ولقد ساعدت العمالة من كوريا الشمالية في بناء ملعب جديد لكرة القدم في سانت بطرسبرغ لاستخدامه في مباريات كأس العالم المقرر انعقادها هناك العام المقبل، وهو المشروع الذي لقي فيه أحد العمال مصرعه على الأقل. وهم يعملون الآن على تشييد مجمع سكني فاخر في وسط موسكو، ولقد عثر على اثنين من العمال الكوريين الشماليين صرعى الشهر الماضي في فندق رخيص بالقرب من موقع المشروع. كما أنهم يعملون أيضا في مهام قطع الأشجار في مخيمات بعيدة مخصصة لهذا الغرض في أقصى الشرق الروسي، والتي تشبه معسكرات الاعتقال الشهيرة في عهد ستالين.
وترك العمال الكوريون الشماليون أكبر بصماتهم وأهمها في فلادفوستوك، إذ يوفرون العمالة الموجهة إلى شركات إصلاح وصيانة المنازل التي تتباهى أمام العملاء بمدى انضباط وجودة ورخص العمالة الكورية الشمالية مقارنة مع العمالة الروسية.
ويقول موقع إحدى الشركات في فلادفوستوك: «من المثير للاهتمام أن هؤلاء الناس يعملون بجد واجتهاد ونظام. وهم لا يحتاجون إلى أوقات كبيرة للراحة أثناء العمل، ولا يحاولون التملص من واجباتهم أبدا». وتعد صناعة إصلاح وصيانة المنازل من أحسن الصناعات التي يعمل فيها عمال كوريا الشمالية، إذ لا يخضع الرسامون وعمال الجبس في العموم إلى المعاملة الوحشية التي يتعرض لها أغلب الكوريين الشماليين العاملين في مخيمات قطع الأشجار الروسية أو في مواقع التشييد والبناء.
ويعاني هؤلاء العمال من ممارسات ظالمة أخرى، وصفتها جمعيات حقوق الإنسان بأنها صورة فظيعة من برنامج تصدير العمالة في بيونغ يانغ، وهي مصادرة جميع إيراداتهم من طرف الدولة.
وصدر تقرير مطول حول عمالة كوريا الشمالية في روسيا العام الماضي من قبل مركز قاعدة البيانات لحقوق الإنسان في كوريا الشمالية، وهي من الجمعيات الحقوقية في سيول، وخلص التقرير إلى استيلاء الحزب الحاكم على 80 في المائة من الأجور التي يجنيها عمال الغابات في روسيا، وعلى 30 في المائة على الأقل من الرواتب المدفوعة إلى العمال في قطاع التشييد. وتستولي الحكومة على مزيد من الأموال لتغطية نفقات المعيشة، والمساهمات الإلزامية لما يسمى بصندوق الولاء وغير ذلك من التبرعات. ويشكل هذا «الهيكل الاستغلالي»، كما وصفه التقرير، أحد الأسباب الأساسية لظروف العمل غير الإنسانية التي تعاني منها العمالة الكورية الشمالية في روسيا.
وقدرت جمعية حقوق الإنسان المذكورة أن السلطات الكورية الشمالية تجني نحو 120 مليون دولار في العام من العمالة المصدرة إلى روسيا، وهي من أهم مصادر الدخل للأسرة الحاكمة في البلاد التي تأسست بدعم روسي في عام 1948 على يد كيم إيل سونغ، ويرأسها حاليا الحفيد كيم جونغ أون البالغ من العمر 33 عاما. ويبلغ عدد العمالة الكورية الشمالية المتواجدة في روسيا نحو 50 ألف عامل، رغم أن دراسات أخرى تفيد بأن الرقم لا يتجاوز 30 إلى 40 ألف عامل، وهو رقم أكبر من العمالة الكورية في الصين وهي من الوجهات الرئيسية الأخرى. وقال رئيس شركة فلادفوستوك للديكورات، التي توظف عشرات من الكوريين الشماليين، إن كمية الأموال التي تستولي عليها الحكومة الكورية من العمال قد زادت بشكل كبير على مدى العقد الماضي، وارتفعت إلى المعدل الشهري الحالي البالغ 50 ألف روبل أو ما يساوي 841 دولارا أميركيا، من أصل 17 ألف روبل في الشهر في عام 2006. وقال رئيس الشركة أيضا إن عماله الذين يتقاضون الأجور العالية أصبحوا يفقدون في الوقت الحالي نصف رواتبهم الشهرية أو أكثر من خلال الاستيلاء الحكومي عليها، في حين أن قائد كل فريق من فرق العمل البالغة 20 إلى 30 عاملا يحصل على أجر إضافي بنحو 20 في المائة مقابل العثور على وظائف الديكور والرسم لعماله. ولقد طلب الجانب الروسي عدم الكشف عن هويته بسبب خشيته من معاقبة رقباء حزب العمال الكوري الحاكم أو منعه تماما من العمل لديهم.
ولقد ازداد معدل مصادرة الرواتب في أعقاب الهبوط الحاد في قيمة العملة الروسية مقابل الدولار الأميركي، وهو التطور المثير للقلق بالنسبة للنظام الكوري الحاكم الذي يرغب في الحصول على مزيد من العملة الأميركية وليس الروسية.
ولكن ارتفاع كمية الأموال الروسية المستولى عليها بأكثر من تعويض هبوط الروبل يعكس سعي بيونغ يانغ الحثيث للحصول على مزيد من الأموال منذ تولي كيم جونغ أون مقاليد الحكم في البلاد في ديسمبر (كانون الأول) لعام 2011، وتعزيز برنامج الصواريخ والبرنامج النووي في كوريا الشمالية. ولقد أسفرت العقوبات الاقتصادية والحظر الصيني على واردات الفحم الكوري الشمالي في فبراير (شباط) بعد سلسلة من التجارب الصاروخية عن مزيد من الضغوط التي تعرضت لها مصادر بيونغ يانغ الأخرى من الإيرادات الأجنبية، مما يجعل من تصدير العمالة، إلى جانب سلسلة من المطاعم المملوكة للدولة وغيرها من الشركات الأخرى الصغيرة في فلادفوستوك وأماكن أخرى، أحد السبل المتقلصة للنظام الكوري الحاكم في الحصول على العملة الصعبة.
وللحيلولة دون اللجوء إلى كوريا الجنوبية، يجبر العمال الكوريون الشماليون على العيش معا في أماكن مزدحمة ومنتشرة حول ضواحي فلادفوستوك، وهم ممنوعون من الاتصال مع المواطنين الروس وغيرهم من الأجانب خارج نطاق العمل.
ويتزامن ازدهار تصدير العمالة الكورية الشمالية إلى روسيا مع التوسع في الروابط الأخرى بين البلدين، بما في ذلك الزيادة الأخيرة في صادرات الفحم الروسي وبدء خدمات العبارات البحرية الجديدة مرتين في الأسبوع اعتبارا من مايو (أيار) بين فلادفوستوك وراسون، وهي المنطقة الاقتصادية الخاصة على الساحل الشرقي من كوريا الشمالية.
وفي أبريل (نيسان) من العام الماضي، بعد شهور من إعلان كوريا الشمالية عن اختبار قنبلة هيدروجينية مصغرة، اجتمع المسؤولون من روسيا وكوريا الشمالية جنوب مدينة فلادفوستوك للاحتفال بإعادة افتتاح منزل كيم إيل سونغ، البناء الخشبي المخصص لتخليد ذكرى الديكتاتور الراحل. ولقد أعيد بناء المنزل الخشبي على حساب روسيا بعد أن أتت عليه النيران تماما.
* خدمة «نيويورك تايمز»



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.