أسبوع باريس للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2018... الخطاب نسوي والتصاميم أنثوية

سيناريوهات وقصص تتغنى بقوة المرأة وتناضل من أجل حقوقها بفنية

من عرض «ديور» الذي تعاونت فيه المصممة ماريا غراتزيا كيوري مع الفنان بييترو روفو... هذا الأخير صمم حديقة «أوتيل ناسيونال ديز أنفاليد» بزرعه أشجاراً ونحته قطعاً خشبية تجسد حيوانات لتكون خلفية مناسبة لاحتفال المصممة بمرور 70 عاماً على تأسيس الدار - من عرض إيلي صعب - من عرض  جيورجيو أرماني - من عرض جون بول غوتييه - من عرض جون بول غوتييه - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «فالنتينو»
من عرض «ديور» الذي تعاونت فيه المصممة ماريا غراتزيا كيوري مع الفنان بييترو روفو... هذا الأخير صمم حديقة «أوتيل ناسيونال ديز أنفاليد» بزرعه أشجاراً ونحته قطعاً خشبية تجسد حيوانات لتكون خلفية مناسبة لاحتفال المصممة بمرور 70 عاماً على تأسيس الدار - من عرض إيلي صعب - من عرض جيورجيو أرماني - من عرض جون بول غوتييه - من عرض جون بول غوتييه - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «فالنتينو»
TT

أسبوع باريس للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2018... الخطاب نسوي والتصاميم أنثوية

من عرض «ديور» الذي تعاونت فيه المصممة ماريا غراتزيا كيوري مع الفنان بييترو روفو... هذا الأخير صمم حديقة «أوتيل ناسيونال ديز أنفاليد» بزرعه أشجاراً ونحته قطعاً خشبية تجسد حيوانات لتكون خلفية مناسبة لاحتفال المصممة بمرور 70 عاماً على تأسيس الدار - من عرض إيلي صعب - من عرض  جيورجيو أرماني - من عرض جون بول غوتييه - من عرض جون بول غوتييه - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «فالنتينو»
من عرض «ديور» الذي تعاونت فيه المصممة ماريا غراتزيا كيوري مع الفنان بييترو روفو... هذا الأخير صمم حديقة «أوتيل ناسيونال ديز أنفاليد» بزرعه أشجاراً ونحته قطعاً خشبية تجسد حيوانات لتكون خلفية مناسبة لاحتفال المصممة بمرور 70 عاماً على تأسيس الدار - من عرض إيلي صعب - من عرض جيورجيو أرماني - من عرض جون بول غوتييه - من عرض جون بول غوتييه - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «سكاباريلّي» - من عرض «فالنتينو»

كانت باريس تنبض بالحركة في الأسبوع الماضي؛ فقد كان عالم الموضة يحتفل فيها بموسم الـ«هوت كوتير» لخريف وشتاء 2018. كانت الشمس مشرقة، والألوان ساطعة، فضلا عن رائحة تفاؤل قوية تفوح في الأجواء لم تؤثر عليها الحراسة الأمنية المشددة. صحيح أن منظر رجال الشرطة وهم يجولون بين الناس العاديين حاملين رشاشات وبنادق كان يثير بعض المخاوف ويُذكرنا بأن العالم في حرب يومية مع الإرهاب، إلا أن حرارة الشمس وما تابعناه طوال الأسبوع من أناقة تحاكي الفن، كانت تُذوب كل المخاوف. كلما ارتفعت الحرارة كنا نُقنع أنفسنا بأنها فيتامين مفيد للجسم. المشكلة كانت في بعض العروض التي أقيمت في الهواء الطلق، مثل عرض «ديور»؛ فهي لم تأخذ بالحسبان حالة الطقس. لحسن الحظ أن جمال ما قدمته مصممتها ماريا غراتزيا كيوري من إبداعات شفعت لها عذاب الانتظار الطويل تحت لفح الشمس. كانت مُفعمة بالإبداع والجمال، وأهم من هذا؛ تحترم المرأة من منظور يتعدى التصاميم الأنيقة إلى دورها ومكانتها في المجتمع.
ففي ظل الأحوال السياسية التي هزت العالم في العام الماضي ولا نزال نعيش تبعاتها، أصبح البعض يرى أن الحقوق التي اكتسبتها بعد نضال طويل، بدأت تتسرب من بين يديها، وبالتالي هي في حاجة إلى حركة نسوية جديدة، على الأقل للمحافظة على مكتسباتها. الطريف أن اليوم الأخير من الأسبوع تزامن مع مراسم دفن سيمون فيل، الناشطة الحقوقية والسياسية والأكاديمية الفرنسية التي نذرت حياتها لحقوق المرأة. كانت هناك أعلام منكسة وأخرى باللون الأسود حدادا عليها. كما أن «ميزون مارجيلا» اضطرت لتغيير مكان عرضها بعد أن صدر قرار رئاسي بأن تُجرى المراسم في «ليزانفاليد» Les Invalides. وفاة سيمون فيل أعادت للأذهان نضال المرأة الذي لا يزال مستمرا. ما خلفته من آراء ونادت به طوال حياتها، كان يُطل علينا في كثير من العروض، لا سيما أن عددا لا يستهان به من المصممين حاولوا حمل مشعل الحركة النسوية؛ من ماريا غراتزيا كيوري التي ترفع منذ التحاقها بدار «ديور» أعلام هذه الحركة، إلى كارل لاغرفيلد الذي قدم منذ بضع سنوات عرضا ضخما أنهاه بمسيرة في «لوغران باليه» رفعت فيها العارضات الأعلام للمطالبة بحقوقهن وما شابه ذلك من شعارات. أما باقي المصممين في هذا الموسم، فلم يخفوا قلقهم من الأحوال السياسية التي نعيشها وتأثيراتها على كثير من مناحي الحياة؛ الاقتصادية والثقافية والفنية. هؤلاء عبروا عن مخاوفهم من خلال تشكيلات تحترم المرأة وتبتعد عن ترخيصها بتصاميم تكشف مفاتنها في استسهال فج لمعنى الأنوثة.
طبعا لم يأت هذا الاحترام على حساب الجانب التجاري؛ فالـ«هوت كوتير» كما نعرف تخاطب امرأة تريد الفريد والمتميز بأي ثمن، فسعر فستان في هذا الموسم قد يفوق المائة ألف دولار بكثير؛ حسب اسم المصمم ونوع الأقمشة وكمية التطريزات. مبلغ يعد بالنسبة لعُضوات هذا النادي النخبوي، معقولا ومقدورا عليه، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بيوت المجوهرات الكبيرة، مثل «فان كليف آند أربلز» و«كارتييه» و«بياجيه» و«ديبيرز» وغيرها، دخلت على الخط وباتت تنافس المصممين بقطع تفوق الملايين من الدولارات. فقد اخترقت هذه البيوت «الأسبوع» وأصبحت تحرص على أن تعرض فيه أجمل وأغلى ما لديها. «بياجيه» مثلا تعرض في محلها خاتما بأكثر من 8 ملايين يورو، كما أن نصف المجموعة التي أبدعتها الفنانة فكتوار دي كاستيلان لدار «ديور» بيعت قبل عرضها أمام وسائل الإعلام بأيام.
ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن كثيرا من الأحاديث لم تكن عن الأسعار بقدر ما كانت عن الآمال المعلقة على حكومة إيمانويل ماكرون، أصغر رئيس فرنسي منذ نابليون، وتحديدا وعدها بتخفيض الضرائب، وانعكاسات ذلك على صناعة الموضة. في الجانب الآخر، كانت صور سيمون فيل، التي تصدرت معظم أغلفة المجلات الفرنسية، تُعيدنا إلى نضال المرأة المستمر، وتجعلنا، بشكل لا شعوري، نربط كثيرا من الخيوط بعضها ببعض، ونستخلص أن «الأسبوع» كان نسويا بكل المقاييس. كما كانت عن معرض «ديور» في متحف «الفنون الزخرفية» الذي تحتفل فيه الدار بمرور 70 عاما على تأسيسها وولادة ما أصبح يعرف في قاموس الموضة بـ«ذي نيو لوك» الذي يتميز بالتنورات المستديرة الطويلة والخصر الضامر المشدود. مصممة الدار الحالية ماريا غراتزيا كيوري لا تزال جديدة مقارنة بالمصممين الذي سبقوها في الدار الفرنسية العريقة وتركوا بصمات واضحة، إلا أن الملاحظ أن بصماتها بدأت تتضح أكثر وأكثر في المواسم الأخيرة... لخريف وشتاء 2018 مثلا، احتفلت مع الدار بعودتها إلى التنورات الطويلة والواسعة التي أطلقها السيد كريستيان ديور في عام 1947 لكن بلغة تناسب 2017.
إيلي صعب

> في الوقت الذي حاول فيه معظم المصممين الفرنسيين تحديدا، إن لم نقل كلهم، تجنب التطريزات الغنية والتركيز على بساطة التصاميم، أخذ إيلي صعب الاتجاه المعاكس. كانت تشكيلته صادمة بتطريزاتها، وأطلق عليها عنوان: «أسطورة ملكات غابرات»، وجاءت تقطر سخاء حتى بالنسبة له؛ هو الذي فتح أبواب هذه المدرسة للعالم.
عندما تعالت أول نغمة موسيقية وبدأ العرض، بدأت معه التخمينات والتساؤلات: هل هذه زنوبيا أم بوديكا؟ هل هي حتشبسوت أم الإمبراطورة تيودورا؟ هل هي كاثرين الثانية أم إليزابيث الأولى؟ وفجأة تشعر بأنهن كلهن انصهرن في صورة امرأة عصرية مستقوية بأسلحتها الأنثوية... شرح المصمم أنه عاد فيها إلى القرون الوسطى؛ فـ«هناك دائما متسع لأسطورة تحكي قصة مملكة قديمة، وتتغنى بانتصارات في معارك ملحمية قادتها ملكة»، حسب قوله.
من هذا التاريخ البعيد نسج تشكيلة جسد فيها صورة لامرأة تناضل من أجل أنوثتها وتقف في وجه أي تغيير يهدد عيشها الرغيد.
من أجلها دخل إيلي صعب ميدانا جديدا عليه، على الأقل من ناحية الخطوط التي استقاها من العصور الوسطى. إلا أنه بقي وفياً لتطريزاته وأقمشته المترفة، مثل المخمل والموسلين والتول التي أدخل على بعضها تخريمات عكست الضوء وخلفت إحساسا بالخفة كلما تمايلت العارضات، سواء تعلق الأمر بتنورات من التول أو فساتين من المخمل والحرير أو الموسلين والساتان. بعضها مطرز باللآلئ، وبعضها الآخر بالريش أو الفرو أو الذهب. فليس هناك أكثر من إيلي صعب يُتقن «طبخة» البريق. ومهما زاد من جرعاته، لا يقع مطلقا في مطب البهرجة أو المبالغة.
كل ما أكدته هذه التشكيلة أن إيلي صعب ضعيف! ضعيف أمام أنوثة المرأة، فهو يؤمن ويكرر دائما أن في أنوثتها تكمن قوتها، لهذا لا يريدها أن تتنازل عنها بأي شكل من الأشكال. لهذا أيضا قدم لها في هذه التشكيلة أسلحة فتاكة لكي تحافظ عليها، تجسدت في «كابات» طويلة وفساتين تقطر بريقا، كما في قطعة هجين بين فستان و«جامبسوت». ورغم أنه صرح بأنه استلهمها من ملكات زمن غابر، فإن كل ما فيها يتكلم لغة عصرية تخاطب زبونته التي تعشق الترف من جهة، وتغازل شابة تعشق موجة «الماكسيميلزم» من جهة أخرى... فهذه الموجة كفيلة بأن تجذب إليها الأنظار، خصوصا عندما تكون المناسبة كبيرة والمنافسة على أشدها بين بنات جنسها. أي قطعة من هذه التشكيلة تضمن لها أن لا تكون كومبارسا؛ بل بطلة في دور ملكة أو أميرة متوجة. هذا ما يرمي إليه المصمم الذي لم يُقدم ولا قطعة واحدة للنهار أو للكوكتيل وركز على مناسبات السهرة والمساء فقط... قد يصدمنا أو يفاجئنا بجرأته، إلا أنه يُثبت دائما أنه على حق، وأنه قارئ جيد لسيكولوجية المرأة، فالسنين تُثبت لنا دائما أنه علينا أن نستسلم له ونثق فيه ثقة عمياء. كما تعلمنا التجارب أن نُسلم بأنه لا يتمتع بملكة الإبداع فحسب؛ بل أيضا بحس تجاري فذ.

جيورجيو أرماني

> في عرض جيورجيو أرماني، احتلت المقاعد الأمامية باقة من نجمات السينما، من مثيلات صوفيا لورين، وإيزابيل هوبير، وكايت وينسليت، وناعومي واتس، وبريانكا شوبرا، عوض مدونات أو فتيات الإنستغرام الصغيرات. كانت الصورة جميلة ومُثلجة للصدور، وتشير إلى أن المصمم المخضرم يعرف زبوناته جيدا. فهن ناضجات ولسن فتيات متطلعات للموضة، يتابعنها على شبكات التواصل الاجتماعي من باب الحلم فقط. في «باليه دو شايو» بباريس أقام عرضه. اختار له خلفية بيضاء وأبوابا ذهبية تستحضر ديكورات قصر أورسيني، مهد الفنون الرفيعة في مدينة ميلانو، كانت مناسبة جدا لتشكيلة غنية بالألوان. العنوان الذي اختاره لها هو «ميستري» أي «الغموض»، الأمر الذي يمكن تفسيره على أنه تحد لثقافة الإنستغرام و«كشف المستور»، وتحية للزمن الجميل حين كانت الخصوصيات تُحترم وتحدث وراء أبواب موصدة من ذهب. تصاميمه عكست هذه الفلسفة، حيث غلبت عليها تايورات قوية موجهة لامرأة واثقة. كذلك الفساتين التي تميزت بخطوط مفصلة وألوان متنوعة وتطريزات بجرعات خفيفة. لم يُغير المصمم جلده أو أسلوبه بل اعتمد على وصفته الناجحة حتى الآن. كل ما في الأمر أنه اكتفى بإضافة لمسات خفيفة يفرضها العصر. مثلا لم يغب التايور المكون من البنطلون والجاكيت، الذي يُعتبر ماركته المسجلة. الفرق هنا أن البنطلون جاء ضيقا أكثر من السابق، ليتسع من أسفل في بعض الإطلالات.
نفس الشيء بالنسبة للجاكيت الذي جاء ضيقا عند الأكتاف ومحددا عند الصدر ليأخذ شكل «بيبلوم» عند الخصر. فساتين السهرة في المقابل اكتسبت بُعدا دراميا أكبر، بألوانها وتطريزاتها. كان كل فستان تقريبا يُخفي تحته سرا، معتمدا على طبقات شفافة من التول أو الأورغنزا لكي تحرس خصوصيته. وليس أدل على هذا من مجموعة من التنورات المستديرة التي غطتها طبقات من التول أو الأورغنزا تظهر من تحتها ورود مُطرزة وأخرى كتب عليها بخط رفيع «أرماني بريفيه»، فضلا عن أخرى مصنوعة من الحرير، تكتشف أنها مرصعة بالأحجار عندما تُصدر صوتا خفيفا مع كل خطوة أو حركة تقوم بها العارضة.
تخرج من عرض أرماني وأنت متأكد من أن السنين (88 عاما) لم تأخذ منه قدرته على الجمع بين التجاري والفني. التجاري بمعنى أنه يعرف سوقه جيدا ويُتحفها دائما بتصاميم تروق لها. والفني بمعنى أنه لا يتوقف عن إدخال تفاصيل جديدة ومبتكرة. أما إذا كان هناك مأخذ على التشكيلة فهو بعض التنورات الطويلة والضيقة التي كانت مقيدة للحركة، ويُمكن أن يجد صعوبة في تسويقها لامرأة يفرض عليها إيقاع حياتها المتسارع حركة دائمة.

جون بول غوتييه

> قصة الحب التي بدأت منذ سنوات بين شقي الموضة الفرنسية جون بول غوتييه والهند لم تنته بعد. فالمصمم يعود إليها كلما احتاج إلى جرعة إلهام ودفء. مرة يغرف من ألوان الكاريه الحارة، ومرة من تطريزات الساريه البراقة، وفي كل مرة يضيف إليها رشة باريسية تجعلها مُشهية لكل الأسواق العالمية. قبل بدء العرض وقبل أن تزيد سخونته، ارتأى المصمم أن يأخذنا إلى بعض المنتجعات الشتوية المشهورة. فقد أطلق على كل ركن في القاعة اسم أحد المنتجعات الشتوية، مثل فال ديزير أو كلوسترز أو غاشتاد، ومع بدء العرض تساقطت أوراق صغيرة من السقف وكأنها حبات ثلج لترافق كل عارضة وترسخ في الذهن أن المجموعة موجهة لفصلي الخريف والشتاء. كانت الغلبة لأقمشة دافئة مثل الصوف والكشمير والفرو، نسقها مع قبعات وشالات وأحذية عالية الساق. وبما أن المصمم يعشق المداعبة واللعب على المعاني، فإنه كما اختار لأماكن جلوسنا أسماء المنتجعات، اختار أيضا لكل قطعة اسما طريفا. فهناك إطلالة تتكون من كنزة صوفية منقوشة بعدة ألوان تحمل اسم «سانتا كلوذز» Santa Clothes، عوض كلوس، وأخرى تحمل اسم «أنا وينترز» Anna Winters عوض وينتور، وما شابه من تسميات طريفة.
كل ما في هذه المجموعة يضج بالأناقة، وليس هناك أدنى شك في أنه سيجد طريقه لخزانة امرأة عصرية بسهولة. فالمصمم رصع كثيرا منها بأحجار الكريستال واللؤلؤ، كما بطن بعضها بفرو المنك، احتراما لثقافة أسبوع لا تعترف بالأسعار أو الحلول الوسطى. لكن الأجمل والتي ظلت مرسومة في الخيال، كانت التصاميم المستوحاة من الهند. كانت تعبق برائحة التوابل الحارة التي ترجمها في فساتين طويلة من المخمل والحرير والموسلين، من خلال تصاميم التفت حول الجسم عوض أن تحدده بأشكال هندسية، باستثناء بعض الأكتاف التي أخذت شكل دروع واقية. عندما سُئل عن علاقة الثلج بالهند، وكيف انتقل من قارة إلى أخرى بهذه البساطة، كان رده أن «الهند أيضا تشهد تساقطات ثلجية».

سكاباريلّي

> كانت الأجواء في صالون «ميزون سكاباريلّي» الواقعة بـ«بلاس فاندوم» تعبق بالفنية كعادتها. فكل الجدران مغطاة بصور فوتوغرافية تسجل لحقب زمنية مختلفة، أغلبها لنساء متمردات على المتعارف عليه، أو تُذكر بعلاقة المؤسسة إلسا سكاباريلّي بفنانين من عصرها، مثل سلفادور دالي. الأهم من هذا تُذكر بأن مؤسسة الدار امرأة شهدت بداية الحركة النسوية وعايشت انعكاساتها على الموضة. وهذا ما احترمه المصمم الشاب برتراند غايون، الذي التحق بالدار منذ ثلاث سنوات تقريبا. لم يُخف أنه يتقيد بإرثها الفني وأسلوبها. من الفنان روثكو مثلا استلهم الكتل اللونية التي طبعت كثيرا من القطع الموجهة للنهار، ومن بابلو بيكاسو الخطوط المتوازية التي ظهرت في فساتين السهرة والمساء. من جهتها نجحت التطريزات الخفيفة والرسمات الفنية في الارتقاء بكل قطعة لمصاف اللوحات، علما بأنه استعمل الأقمشة الناعمة مثل الموسلين والحرير والتول والأورغنزا كوسيلة ثانية لتحقيق النتيجة المطلوبة. نعومتها كانت ضرورية لكي تنسدل بخفة على الجسم وتمنح صاحبتها حرية حركة. فهذه نقطة أساسية كانت تركز عليها إلسا سكاباريلّي وتُصر عليها الدار، حيث يُذكر أنها قدمت في عام 1938 عرضا استعانت فيه برياضيات قدمن تصاميمها وهن يؤدين حركات بهلوانية من على نوافذ وشرفات صالونها المطل على ساحة «فاندوم». تجسيد هذه المرونة والقدرة على الحركة في فساتين سهرة كان تحديا خاضه المصمم الحالي بحماس. فزبوناته يسافرن كثيرا ولا يتوقفن بدورهن عن الحركة، وهو ما يحتاج إلى تصاميم مرنة مثل تلك التي قدمتها المصممة منذ نحو 90 عاما. من هذا المنطلق استغنى عن أقمشة مثل البروكار واستعاض عنها بالحرير والموسلين، كما استبدل بالتطريزات الغنية رسمات فنية هنا وهناك. ويشير برتراند غايون إلى أنه كان يُدرك أنه مطالب بتصاميم فنية وديناميكية في الوقت ذاته، خصوصا أن الأوضاع التي تعيشها المرأة حاليا لا تختلف كثيرا عن تلك التي عاشتها إلسا سكاباريلّي في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، لهذا استلهم من نساء قويات ومناضلات ألهمنها. هؤلاء النساء هن اللواتي تغطي صورهن صالونها، مثل نانسي غونار، ولي ميلر، وجولييت مان راي. هن أيضا من تدين لهن بنات اليوم إلى حد ما بما اكتسبنه من حقوق. النتيجة لم تكن تشكيلة ثورية لكنها كانت شاعرية.

فالنتينو

> «إننا في فترة أصبح فيها كل شيء مكشوفا ومُعلنا أمام العالم، لهذا أصبح المخفي وعدم المرئي هو المميز والخاص». هذا ما قاله مصمم «فالنتينو» بيير باولو بيكيولي قبل عرضه.
فجيل الإنستغرام عرى كل شيء، من ديكورات غرف النوم وتصوير صحون الأكل وفناجين القهوة، مع التغزل برغوتها البيضاء إلى أسرار الحياة الشخصية مرورا بخبايا الموضة وغيرها. المطلوب مضاد في وجه هذه الثقافة، وهذا ما جسدته التشكيلة التي قدمها بيكيولي. فقد استوحاها، حسب قوله، من لوحات القديسين التي رسمها الفنان الإسباني فرانسيسكو دو زورباران. وربما هذا ما يفسر رائحة الحشمة الأقرب إلى «الرهبنة» التي فاحت من بين طياتها.
بيكيولي، ومنذ أن تركت نصفه الآخر في العمل ماريا غراتزيا كيوري دار «فالنتينو» منتقلة إلى «ديور»، يشق لنفسه خطا خاصا يمكن التعرف عليه عن بُعد؛ لأنه يبتعد عن الفذلكة والزخرفات الكثيرة. في المقابل يُركز على الخطوط المنسدلة على الجسم من الأكتاف إلى الكاحل في انسيابية محسوبة.
من فساتين السهرة إلى المعاطف الطويلة ذات التفاصيل المبتكرة عند الأكتاف أو عند الصدر، مرورا بفساتين النهار التي اصطبغت بألوان قوس قزح، كان عرضه بمثابة لوحة فنية متحركة. صحيح أن هذه اللوحة تخلق بهدوئها إحساسا بالرهبة وكأننا في دير، إلا أن غموضها الرومانسي يشفع لها ويمنح المرأة التميز الذي تطمح إليه. بل تجعل كل من يعاينها عن قرب مستعدا لمعانقتها بالأحضان. إلى جانب القمصان والفساتين الطويلة تبقى المعاطف والكابات من أجمل ما قدم لهذا الموسم، إلى جانب التنورات ذات البليسيهات التي لعب فيها على المكشوف والمستور. فقد زين وغطى جانبا منها مثلا بالعشرات من قطع الريش بأحجام دقيقة، لكي يُعزز انسيابيتها وحركتها، بينما ترك الجانب الآخر خفيفا وشفافا الأمر الذي خلق تناقضا لذيذا.
بيكيولي برهن أنه يعرف كيف يستقي من التاريخ. يعرف أيضا أن زبونة اليوم شابة في مقتبل العمر، وهذا يعني أنها لا تريد أن تبدو بمظهر راهبة، لهذا قدم لها خزانة تتكون من قطع منفصلة متنوعة للنهار والمساء، فاتحا لها المجال لكي تلعب بها وتوظفها بشكل يناسب حياتها اليومية.
ورغم أن الخطوط الغالبة تبدو بسيطة للغاية، فإن بعضها استغرق أكثر من 640 ساعة من العمل، حتى تأتي بالشكل المطلوب في موسم يطالب بالحرفية العالية، كما هو الحالي بالنسبة لفستان من الحرير من دون أكمام، شغله بقطع من فرو المنك بألوان مختلفة.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.