حليم يوسف: «الكردية» تتيح لي التعبير بحرية

الروائي الكردي السوري يقول إنه لم يهجر الكتابة بالعربية لكنها أصبحت في المرتبة الثانية

حليم يوسف
حليم يوسف
TT

حليم يوسف: «الكردية» تتيح لي التعبير بحرية

حليم يوسف
حليم يوسف

حققت الرواية الكردية في سوريا حضورا مهما في السنوات الأخيرة خصوصا مع الروائيين الشباب الذين اقتحموا المشهد الروائي الكردي ليس في سوريا بل في أنحاء كردستان. وهنا يحضر الروائي الكردي السوري حليم يوسف صاحب «مم بلا زين» و«الخوف الأدرد» و«عندما تعطش الأسماك»، التي ترجمت فور صدورها إلى التركية.
ولد حليم يوسف في عامودا 1967 سنة النكسة العربية لأب كردي هرب من تركيا إلى سوريا وأم كردية سورية ومع ذلك لم يكن الأب يجيد التركية ولا الأم تجيد العربية، وظلت الكردية لغة التواصل للعائلة الصغيرة رغم مشاريع التعريب في المناطق الكردية في سوريا.
هنا حوار أجري في العاصمة الهولندية حيث يقيم.. عن طفولته وعلاقته باللغتين الكردية والعربية وأحوال الرواية الكردية.

> حدثني عن علاقتك باللغتين العربية والكردية.
- دعني أضع المسألة في إطارها الحقيقي. من الطبيعي أن يكتب كل أديب بلغته الأم، وفي الحالات الاستثنائية يكتب الأدباء بلغات أخرى لها علاقة بالظروف التي تنتج تجاربهم الأدبية. وفي حالتي، ونظرا لسياسة المنع التي اتبعتها السلطات السورية منذ الاستقلال وحتى الآن تجاه اللغة الكردية، لغتي الأم، فقد بدأت الكتابة باللغة الرسمية التي فرضت علينا عنوة، وهي العربية فيما بعد، ونتيجة لجهود فردية بحتة، بعيدا عن أعين أجهزة المخابرات وملحقاتها، استطعت إعادة الأمور إلى نصابها وإتقان الكردية كتابة، إلى درجة أستطيع فيها التعبير بحرية عما يعتلج في داخلي، بحيث يحافظ فيه النص الأدبي الذي أكتبه على سويته الفنية. وعدت إلى الوضع الطبيعي لأي كاتب على وجه الأرض، وهو الكتابة باللغة الأم. علما بأنني لم أهجر العربية، لكنها تراجعت في إنتاجي الأدبي وأصبحت في الدرجة الثانية بعد الكردية. الأصح أنني كاتب باللغتين. فقد قمت بنفسي بترجمة كتبي الصادرة بالعربية إلى الكردية، وهي ليست ترجمة بالمعنى المتعارف عليه بقدر ما هي كتابة جديدة وإعادة إنتاج النص نفسه بلغة جديدة. وفي قادم الأيام سأعمل على ترجمة كل ما صدر لي إلى العربية. إن علاقتي باللغتين مستمرة ولم أهجر إحداهما لصالح الأخرى. وإن كانت الكردية بالنسبة لي لغة الروح، فإن العربية تظل اللغة التي ساهمت في تشكيل وعيي الأدبي والفكري والفلسفي، خاصة أنني تعرفت من خلالها على الآداب والعلوم الأخرى. هذا الدور المفتاحي الذي لعبته العربية في تشكيل الوعي الثقافي لي ولأبناء جيلي من الكتاب الكرد لم يكن متاحا للكردية القيام به في سوريا اللون الواحد.
> هل تعاني من مضاعفات الازدواج اللغوي.. درست بالعربية وكتبت بها بينما الكردية لغتك الأم؟ وما تأثير هذه المضاعفات والأعراض الجانبية على نصك؟
- تتوزع مضاعفات هذا الازدواج اللغوي بين بعدين متناقضين: الأول يكتسب طابعا مغرقا في السلبية، حيث التخريب الروحي لطفل يجبر على التعلم بلغة هي ليست لغة أمه وبطريقة وحشية تستند على معاقبته فيما إذا تحدث بلغة أمه في المدرسة. في صغري نلت حصتي من العقوبة في هذا المنحى. ما زلت أتذكر الوجه المتجهم للمعلم الذي كان غاضبا من بلاهتي المتجسدة في عدم فهم ما يقول، وحانقا على أهلي الذين لم يربوني جيدا ولم يساهموا في إعدادي وتأهيلي للدراسة، وذلك بأن يعلموني لغة المدارس والشرطة. وما لم يكن يعلم به معلمي الحلبي في الصف الأول أن أهلي أيضا لا يعرفون العربية، وأن أمي وأبي لم يتحدثا طيلة حياتهما سوى لغة وحيدة وهي ممنوعة في هذه البلاد. في باحة المدرسة وفي أوقات الاستراحة الفاصلة بين حصتين، كان مدير المدرسة يكلف عريف الصف بكتابة أسماء الأطفال الذين يتحدثون فيما بينهم بلغة غير اللغة الرسمية. ولم أنج من رقابة عريف الصف آنذاك والذي كان ابنا لشرطي قادم من حماه للعمل في عاموده.
ويكتسب البعد الآخر طابعا إيجابيا يتجسد في التعدد أو الازدواج اللغوي الذي يتيح لصاحبه معرفة أوسع وانفتاحا أكبر على ثقافتين وعلى عالمين يحويان الكثير من التفاصيل التي يظل الآخر غافلا عنها. أنا أعتبر نفسي محظوظا مقارنة مع كاتب سوري آخر غير كردي، لأنني أتقن لغة لا يعرفها هو، كذلك لدي الكثير من المواد الخام للكتابة الأدبية، تظل عصية على شريكي الآخر السوري. لذلك أعتبر نفسي أغنى منه وأكثر قابلية منه للاستفادة من تراث وعوالم اللغتين. كل لغة هي باب جديد ينفتح على الروح وعلى العالم. لذلك لست مستاء من تعلم العربية بقدر ما أنا مشمئز من الطريقة المؤذية والجارحة التي تعلمنا بها.
قد تكون المضاعفات النفسية لهذه الحالة مخيفة على الصعيد الشخصي والحياتي، لكنها تنعكس بشكل إيجابي على النص الأدبي المكتوب. فكل منا أصبح صاحب رأسمال ضخم من الألم الكثيف والعميق، هذا الألم الذي لا يعرفه إلا من قطع لسانه بسكين مسننة. ويعتبر هذا الحزن العظيم الذي ينتجه ذاك الألم ثروة أدبية كبيرة، فيما إذا تم استثمارها فنيا.
> أشعر بأن ثمة انفصاما ما يعاني منه الكاتب أو الشاعر الكردي سواء في سوريا أو في تركيا، هل هذا صحيح؟ هل تعاني أنت من مثل هذا الانفصام؟
- أنا منسجم مع نفسي إلى أبعد حد، لأنني لا أجد أي تناقض بين أن أكون كاتبا كرديا أكتب بلغتي الأم وانتمائي إلى سوريا الوطن المشترك للكرد والعرب وغيرهم. وما بالك وأنا أكتب بلغة شريكي في الوطن أيضا. قد تجد حالة الفصام التي تتحدث عنها لدى الكتاب الكرد الذين يكتبون فقط بالعربية. إذا تذكرنا حقيقة مفادها أن اللغة هي التي تحدد هوية الأدب، فلا يجوز تصنيف أدب هؤلاء على الأدب الكردي، وينزعج أغلبهم من تصنيف كتاباتهم في خانة الأدب العربي أو اعتبارهم كتابا عربا، وبذلك يعيشون حالة فصام بين انتمائهم القومي من جهة وبين انتماء أدبهم إلى أدب آخر من جهة أخرى. يستثنى من ذلك الكتاب الذين يكتبون باللغتين. وفي تركيا يعيش الكتاب الكرد، كما في سوريا، حالة شبيهة من الفصام الذي نتحدث عنه.
واللافت في هذا السياق أن الكتاب الكرد الذين يكتبون بالعربية يقدمون أنفسهم ككتاب يمثلون الكرد أو الأدب الكردي لدى قراء العربية، الأمر الذي لا يتجرأ على القيام به من يكتب بالتركية من الكتاب الكرد. لا شك أن هذه الظاهرة هي إحدى مخلفات السياسة الشوفينية المتبعة بحق الشعب الكردي الموزع وطنه بين دول تضطهده، تمنع لغته وتمنعه من إطلاق الأسماء الكردية حتى على أطفاله ولا تعترف بحقوقه القومية والإنسانية.
أعتقد أن حالة الفصام هذه وليدة الاستبداد وستزول بزواله، وذلك بأن تعود الحياة الإنسانية لهذه الشعوب إلى مجراها الطبيعي وأن تتعايش الثقافات واللغات في جو من الوئام والمحبة، بدلا من المنع والسجن والقتل والإبادة وصهر جميع الألوان في لون واحد أحد.
> روايتك «عندما تعطش الأسماك» صدرت ترجمتها بالتركية، ما سر هذا الاهتمام بالرواية الكردية السورية في تركيا؟
- «عندما تعطش الأسماك» هو كتابي الثالث الذي يصدر بالتركية بعد «موتى لا ينامون» 1997 و«خوف بلا أسنان» 2006. وقد وقع اختيار إحدى دور النشر التركية على هذه الرواية لترجمتها وإصدارها بعد نفاد الطبعة الأولى من الرواية بالكردية. ويأتي ذلك في سياق الاهتمام بالرواية الكردية التي باتت تلفت الأنظار إليها في السنوات الأخيرة، وذلك بعد غياب طويل للأدب المكتوب بهذه اللغة الممنوعة منذ عقود من الزمن على الجانبين التركي والسوري على السواء.
وما زالت الأوساط الرسمية التركية ودور النشر الدائرة في فلكها مستمرة في إهمالها لهذا الأدب الناهض وتتجنب ترجمته أو تبنيه بأي شكل من الأشكال. غالبا ما تجد نتاجاتنا صداها لدى الأوساط اليسارية في تركيا والبعيدة عن الآيديولوجيا الرسمية للدولة والمناهضة لها. في حين تقدم دور النشر الكبيرة، وتلك المقربة من الدولة، الجائزة تلو الأخرى للكتاب الكرد الذين يكتبون بالتركية. تطبع نتاجاتهم وتوفر لهم جميع مستلزمات الانتشار والشهرة.
> المشهد الروائي الكردي كيف تراه الآن؟ وهل الرواية ديوان الكرد؟
- بدأ الأدب الكردي الحديث بمختلف أجناسه ينتعش في العقدين الأخيرين، وتحديدا في تسعينات القرن المنصرم وحتى الآن. لا يمكننا فصل المشهد الأدبي الكردي عن تطورات المشهد الأدبي على صعيد العالم.. فكما أن الرواية بدأت تحتل صدارة هذا المشهد في عالم اليوم، أخذت الرواية الكردية أيضا هذا المنحى. وقد عانينا في إحدى الفترات من طوفان الشعر وكثرة الشعراء، ونعاني أخيرا من كثرة عدد الروائيين إلى درجة أن كل من فشل في كتابة جنس أدبي آخر بدأ يكتب الرواية. ما إن تسأل كل من له علاقة بالكتابة عن مشروعه القادم، حتى يحدثك عن كتابة رواية جديدة. ومن إحدى الخصوصيات المحزنة للأدب الكردي الحالي اختلاط الحابل بالنابل وغياب النقد المؤثر، بحيث يمكن لأسوأ كاتب في تاريخ الرواية أن ينصب نفسه الروائي الكردي الأول. قد يبدو المشهد كاريكاتيريا إلى حد ما، لكنه المشهد الأقرب إلى الواقع الحالي للرواية الكردية التي تعيش مرحلة انتقالية صعبة تفصل بين ماض يتسم بالانعدام المطلق وحاضر يحمل جنين الانبعاث العظيم.
> بالتأكيد هناك عمل روائي جديد لك هل تحدثنا عنه؟
- رواية تتحدث عني وعنك وعن وهم اسمه الوطن البديل. هناك في مكان ما من هذا العالم، شاءت الأقدار أن يحكم «النازيون» وطنا لأكثر من أربعة عقود، فيتحداهم «أحدهم» ويرفض أن يصبح ضحية عمياء. وعندما يكتشف أن بديل الانتحار يكمن في الهجرة، يهاجر تاركا وراءه نصف عمره، ظانا أنه فر بجلده ووجد وطنا بديلا لوطنه الذي بات مرتعا للثعابين. وستقرأ البقية في الرواية لدى صدورها، ربما، قبل انتهاء هذا العام.



الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني
TT

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها، ويبدأ العالم قبل أن يُحكى. هناك يكتشف الإنسان أن الصمت ليس حدّ اللغة، إنما ذروتها القصوى، وليس فراغاً، بل كثافةً بدئيّة للوجود، وليس غياباً للكلام، هو حضوره الأقصى قبل التسمية.

من هذا الأفق المترع بالصمت يأتي كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني - 2025» نص مغرق في شاعريته يتجاوز منطق الحوار الصحافي التقليدي بين روائي وقارئ ليستحيل «مكاشفة» وجودية بين طرفين اعتصم أحدهما بصمت الحكمة، والآخر بجدوى السؤال. إن هذا العمل، الذي صاغ محاوره العشرة الصحافي والكاتب السعودي علي مكي، يمثل نموذجاً تطبيقياً في فضاء الأدب العربي المعاصر لـ«جماليات التلقي» عند هانس روبرت ياوس؛ حيث لا يعود القارئ (المحاور هنا) مجرد مستهلك سلبي لنصوص الروائي الليبي الأهم، إبراهيم الكوني، بل شريكاً مكتمل الشراكة في إنتاج الدلالة، يسعى لردم فجوات النص الإبداعي المترع بالرمز والميثولوجيا.

غلاف الكتاب

يظهر مكي في هذا الكتاب بوصفه «مستنطقاً» لا مجرّد سائل؛ ابن جازان الذي تشرَّب من تهامة موسيقاها البلاغية، ومن الصحراء صبرها، ويحمل في حقيبته المهنية تاريخاً طويلاً من المشاكسة الفكرية والعمق الأدبي الذي صُقل عبر عقود في الصحافة الثقافية السعودية والعربية. لم يكن غريباً عن عوالم الكوني؛ فهو من اعتاد مطاردة الخرافة الكامنة في ثنايا الواقع، ومساءلة العارفين عمّا يعجز الغارقون في يومياتهم الباهتة عن رؤيته.

في هذا الكتاب يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك؛ لا ليتحدّى الكوني، بل ليقترب منه، مستخدماً أدواته النقدية ليطوّق «سلطان الصحراء» بأسئلة تمسّ لبّ الوجود ذاته. هكذا يتحوّل الحوار إلى تجربة استبصارية عميقة، أشبه برحلة سالكٍ يصعد مدارج العرفان، حيث السؤال بحث عن معنى، والجواب ليس حقيقةً نهائية، وإنما عتبةً لكشفٍ أوسع.

تنطلق رؤية الكوني في مجموع أعماله من اعتبار الصحراء «مسقط رأس التكوين»، ومختبراً أزلياً لقيم الحرية. وفي هذا الحوار، نجد تقاطعاً عميقاً مع مفهوم «شعرية الفضاء/ المكان» لغاستون باشلار؛ فالصحراء عند الروائي الليبي ليست محض حيز جغرافي، إنها «فردوس الروح» و«محراب الصمت». هي الفضاء الذي يلقن الإنسان دروس الزهد الوجودي، محولاً تجربة «التيه» من قدر مفروض بحكم البيئة إلى «خيار وجودي» يكتمل به جوهر الإنسان.

إن التلقي عنده هنا يتجاوز إدراك المكان إلى تذوقه، حيث يستحث على كشف المفارقة: كيف يمكن لمكان يتسم بـ«العدم» الظاهري أن يكون مانحاً لـ«الوجود» الحقيقي؟ ويثبت الحوار أن الصحراء - مكانياً وميثولوجياً معاً - ليست رمالاً، بل هي (لوغوس) كوني، ولغة قائمة بذاتها لا يفهمها إلا من تجرد من أوهام العمران.

تتجلى في إجابات الكوني وحدةٌ عضوية عميقة تربط الكائنات بعضها ببعض؛ إذ ينتقل بالعلاقة من أفق «وحدة الكائنات» التقليدية إلى مرتبة «وحدة الوجود»، مستعيداً حكمةً بدئية تسبق نشوء الحضارات وخطابها العقلاني. ويقدّم الإنسان بوصفه شريكاً للحيوان والطبيعة في «غنيمة الوجود» لا سيداً عليها، مانحاً نصوصه صبغةً أحيائية تعيد النبض إلى كل مظاهر العالم الطبيعي.

وفي استنطاقه لهذه المنطقة، يتفعل في النص ما يمكن تسميته بـ«النقد البيئي»، إذ يتحول السرد إلى صرخة أخلاقية ضد توحّش الحداثة التي قطعت صلة الإنسان برحم الكون، ويقودنا بيدٍ حازمة إلى طفولة العالم الأولى، حيث يتكلم الجبل، ويحمل الودان «الغزال الصحراوي» أسرار السماء، ويغدو الشجر تجسيداً لصلاةٍ لا تنقطع.

يؤكد الكوني في مكاشفاته أن «الأسطورة هي المرشد الأعلى للسردية»، معتبراً إياها الترياق الوحيد لداء الفناء. ومن خلال استلهام الرموز التوراتية والقرآنية والميثولوجيا الأمازيغية، يصوغ نصاً يتخطى حدود الزمن الخطي (ماضٍ - حاضر - مستقبل)، ليقيم في الزمن الأسطوري السرمدي المفتوح بلا بداية ولا نهاية.

يلاحق المحاور بطل الكوني في تحوّلاته الوجودية، ويسأله عن «الخطيئة الأولى» التي جعلت من الصحراء عقاباً وجنّة في آن؛ فضاءً للعقوبة وملاذاً للخلاص في اللحظة نفسها. ويكشف الحوار أن الأسطورة عنده ليست حنيناً إلى الماضي، ولا متحفاً للذاكرة، لكنها أداة حيّة لتفسير «الآن»؛ فالإنسان ما زال يطارد السراب ذاته، والشهوة ما زالت هي الخطيئة التي تُخرجنا من فردوس الصمت إلى جحيم الكلام.

أما اللغة عنده فهي «لغة فوق اللغة»، لا تُريد أن تُسمّى الأشياء بقدر ما تريد أن تُصغي إلى ما قبل التسمية. إنها لغة تسعى إلى فكّ شيفرة الوجود عبر الصمت، لأن الصمت - في منظوره - ليس فراغاً، بقدر ما هو أعلى درجات المعرفة وذروة الامتلاء الروحي في مواجهة لغو الحرف وضجيجه.

يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك لا ليتحدّى الكوني بل ليقترب منه

بهذا المعنى يتحوّل فعل الرواية إلى معراجٍ أخير للإنسان في مواجهة العدم؛ معراجٍ يصعد فيه الوعي لا الجسد، وترتفع فيه العبارة لا الرؤية، فتغدو الكلمة فرمان تشريف وجودي يهب الإنسان حقّ الانتماء إلى المعنى.

يغوص مكي في هذا البحر اللدني، متسائلاً عن جدوى الكتابة إذا كان الصمت هو الغاية القصوى. وهنا يبدع الكوني في تفكيك مفارقة «الكتابة بالصمت»، فالحرف عنده ليس غاية، بل جسر ضرورة يعبر عليه الإنسان نحو ضفّة الحقيقة. هذه اللغة التي ينحتها الروائي، والتي يستجليها محاوره بذكاء، هي لغة «تطهرية» بالمعنى الأرسطي، تهدف إلى تخليص الروح من أدران المادة.

في هذا الأفق تغدو تجربة المنفى في حياة الكوني رحلة تنوير لا مفرّ منها لبعث الروح من «رماد الحرف». فالمنافي المتعددة - من روسيا إلى سويسرا وإسبانيا - كانت منازل في معراج الهجرة، اكتشف فيها أن «صحراء الباطن أقوى حجة من صحراء الحرف».

بذلك تتجاوز الهوية عنده حدود الانتماء العرقي الضيق، لتصبح هويةً ذات أبعاد مشحونة بقلق وجودي يبحث عن فردوس مفقود بين الذاكرة والضياع.

عند هذه العتبة يلتقي الروائي ومحاوره عند تخوم ما بعد الاستعمار وفلسفة نقد الهوية؛ فالكوني يرفض أن يُحبس داخل هوية جغرافية مغلقة، ويرى في المنفى تحرراً من أسر الطين، لا مجرد اغتراب مكاني. ومكي، بوعيه الصحافي المثقّف، يكشف كيف انتقل الكوني من كاتب «محلي» يروي عالم الطوارق إلى مفكر يتأمل مصير الإنسان بوصفه كائناً كونياً يتجاوز الحدود والأزمنة.

لذلك لا يمكن قراءة كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني» كإضافة نوعية فحسب إلى مكتبة الأدب العربي؛ إنه «مانيفستو» جمالي يعيد للحوار الأدبي كرامته بوصفه جنساً إبداعياً مستقلاً لا ملحقاً بالصحافة الثقافية. لقد نجح مكي في أن يكون الخيميائي الذي استخلص من ذهب الكوني خلاصات التجربة الإنسانية بما فيها مرارتها ونبلها في آن واحد.

عندما يعجز الكلام عن الإحاطة بالوجود، ويتراجع أمام اتساع الصمت، يتكشّف أن صحراء الكوني تجربة تُعاش قبل أن تكون مشهداً يُرى، أفقٌ للوعي قبل أن تكون حدوداً للجغرافيا، ومرآةٌ لقلق الإنسان بقدر ما هي مسرح الطبيعة. هنا تتكثّف خيوط الكتاب جميعها - الصمت، التيه، الأسطورة، المنفى، والهوية - في مفارقة واحدة شاهقة: الضياع مسارٌ خفيّ نحو المعنى، والفراغ الظاهر امتلاءٌ من نوعٍ آخر.

هذا العمل يأخذ بالقارئ إلى قلب «المكاشفة»، ويقوده لاكتشاف أن الصحراء التي يتحدث عنها الكوني قريبة منّا؛ كامنة في دواخلنا، في ذلك الصمت الذي نرتجف أمامه، وفي تلك الحرية التي نتردّد أمام ثمنها.

لقد نجح علي مكي في تحويل الكوني إلى مرآةٍ لنا جميعاً، ونجح الكوني في البرهنة على أن الأدب - حين يبلغ ذروته - ممارسةُ خشوعٍ في محراب الوجود؛ لحظةٌ يذوب فيها الاسم، ويخفت فيها الضجيج، ويبقى وجه الحقيقة وحده مشرقاً كشمس الظهيرة وهي تشقّ المدى حتى أقصاه.


بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل
TT

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة. أسلوب الرواية نفسه هو نسج في اللغة، وكأنما الكاتبة تحوك خيوط كلماتها كما تفعل شخصياتها على نولهن. فالنساء في الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» في بيروت، يحكن الأثواب وبسمة الخطيب تغزل الأحداث بقلمها، في حفر عميق في الذات النسائية الجمعية، من خلال تتبع سلالة واحدة، بحيث تتقصى حياة الجدّات واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى الوريثة الأخيرة ندى التي تعيش في عزلة بسبب وباء «كوفيد» وتحاول رتق النسيج الممزق الذي ورثته لتفهم تاريخها.

شجرة العائلة نسائية

على عكس شجرة العائلة التقليدية التي تحتفظ بأسماء الذكور وتسقط الإناث من الاعتبار الجينيالوجي، تذهب الخطيب إلى اقتفاء سيرة عائلة من خلال تجارب نسلها الأنثوي. هذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى غير موجودة، بل على العكس الرواية تعجّ بأناس يصنعون هذا العالم الممتد مثل آمال ووالدتها، وهن من جيران الوادي الذي سكنته السلالة، لكن الربط الأساسي في الرواية يظل متمحوراً حول الحائكات اللواتي تنحدر من صلبهن ندى، وبينهن تانيس ومهجة وحسينة وأميرة وصولاً إلى ندى.

الحكاية تبدأ من الحفيدة الأخيرة ندى، معاصرتنا التي توفيت والدتها أميرة، وها هي تعود إلى بيتها، وتغرق في تفاصيل العزلة والحداد. «هل أمّها محظوظة لأنها عاشت للثمانين؟ تشكّ ندى في ذلك. فغالبية أيّام عمر الأمّ كانت تعيسة، قضتها في انتظار أحلام لن تتحقّق». تأتي المفاجأة لندى من حيث لم تكن تنتظر، من امرأة غريبة لا تعرفها، تطرق الباب وتطالبها باستعادة «أمانة» كانت قد أودعتها عند والدتها أميرة. هذه الأخيرة كانت «داية» تولد النساء وتدفن «خلاص» مواليدهن في الوادي، وهي التي حفظت «الأمانة» أو النسيج القديم، الذي نفهم بعد ذلك أنه الرابط الذي تتناقله السلالة النسائية.

خط زمني واحد يمتد من ماضٍ سحيق إلى حاضر الوباء الجديد، تتوارث النساء خلاله الألم ذاته وتقاومنه بالصبر والحياكة، والغزل والطبخ والتحايل وتجديل الشعر. ليس انتظاراً مجانياً، إنما هو تفاعل بطيء، لكنه متواصل وحثيث وفيه إصرار على بلوغ الهدف النهائي، وهو تغيير هذا المصير الذي يبدو لثقله أنه قدر لا مجال لزحزحته.

لا استخدام لكلمات ممجوجة كـ«الحقوق» أو «الحرية» أو «المساواة» التي ترفعها جمعيات تحرير المرأة، بل على العكس تماماً، هو سرد لمسارات متلاحقة لنساء يتلحفن بالصبر ويقتتن على العمل الصامت الذي لا يكلّ.

الاستعاضة عن الكلام بالنسج

ننتقل مع الكاتبة إلى زمن الجدة تانيس، المرأة البكماء الصماء التي نفيت إلى «قصر الهجران» المنحوت في صخور الوادي، ليكون سجناً تودع فيه النساء لعاقبهن. وهو منفى خُصص للنساء «العاصيات» أو «الموبوءات». في هذا القصر، بدلاً من أن تستسلم تانيس للموت، تُحوّل هي والنساء الأخريات في القصر الحياكة إلى أداتهن المتبقية للاستمرار والتغلب على العزلة. بهذا تصبح تانيس هي الغازلة التي افتتحت مسار الاستعاضة عن الكلام بالنسج. وعندما تولد ابنتها ليلان في «القصر الملعون» ترث عن أمها هذا الغزل، ومعه الصبر ورحلة العذاب الطويل. هكذا تتناسل النساء ويتوارثن الوجع؛ إذ من بعدهن تأتي الحفيدة أثاليا، التي تهرب بها تانيس لتبدأ رحلة على طول بلاد الصدع الزلزالي التي تمتد من تركيا إلى مصر. هناك على هذا الصدع ستولد مهجة الكبرى التي واجهت الطاعون والظلم الأسري. ومن السلالة نفسها تولد ضحى ومن ثم حسينة اللتان تابعتا بدورهما الغزل على النول، أمينات لتراث جدتهن تانيس.

اللعبة الروائية التي تنقلنا بين الحاضر (ندى) والماضي (الجدّات) تظهر لنا من خلال الأحداث أن الزلازل النفسية لهؤلاء النسوة المعذبات والمصرّات على الكدح، كأنما هي انعكاس للصدع الزلزالي الذي يمزق الأرض، وتأتي الحياكة التي لا يتوقفن عن ممارستها وسيلةً لرتق جروحهن.

فالرتق عند النسّاجات له وظائف عدّة لأن «قطبة واحدة ضالّة قد تطيح النسيج أو تجبر الحائكة الدؤوبة على إعادة العمل». ولكن «الرتق» أو «الرثو» أو «الوصل» هو الحيلة المنقذة. «حين تعلّمت ندى حياكة الصوف، كان يعجبها أن تسحب خيطاً من آخر، وتشبكهما، ثمّ تعقدهما، وإن أفلتت منها قطبة تسارع إلى إنقاذها وربطها بأخواتها بقطبة مخفية». المهم هنا «أنّ قفا أقمشة النول تُظهِر بوضوح ما رُمّم ووصِّل واُصلِح. وإنّ القفا هو دليل رحلة الأخطاء والعثرات التي قطعها الحائك وسوء الحظّ أيضاً».

الرموز تحمل الرواية

اعتمدت الأديبة الأسلوب الملحمي في القص الذي تتداخل فيه الرومانسية مع القسوة، والتاريخ بالتخييل، والسيرة الفردية لكل امرأة بالحكاية الأسرية. تبدو الأجواء وكأنها محاطة بهالة ضبابية مليئة بالرموز رغم أنها تحدثنا عن نساء يمارسن حياة اعتيادية من طبخ وتنظيف وغزل وولادة وكفاح مستمر. الخطيب في العودة إلى قصص النساء وتناسلهن المتخم بميراث ثقيل وموجع، جعلت الترميز وسيلتها لكتابة سيرة جماعية فيها من النضال الصامت ما يجعلها أسطورية النكهة.

الكاتبة تنسج مع تانيس وكأنها تشاركها نولها وخيوط تفاصيل مرارة سجنها، وصبرها وصمتها، وتتحدث عوضاً عنها، لتقول المسكوت عنه بطريقتها الترميزية. فالأمراض الجينية كالصدفية التي تنتقل مع الميراث الأنثوي لسلالة تانيس، من أسبابها أيضاً الضغط النفسي، والكبت. والصدع الزلزالي الجغرافي مكان الحدث يتوازى مع التصدع السيكولوجي الذي تخضع له الشخصيات. كذلك هناك رمزية «صدق القفا» التي تحدثنا عنها. فوجه النسيج المنتظم الخيوط، ليس كقفاه المليء بالعقد والوصلات، ومقابل التاريخ الذي نقرأه للنساء هناك الوجه الآخر، الذي يخفي كل الخلفيات بجروحها ودموعها وآهاتها التي يحكيها «قصر الهجران».

تطرح الرواية فكرة أن هؤلاء النساء، رغم اختلاف شخصياتهن وأزمانهن، يمثلن وجوداً واحداً تصعب تجزئته. «الأسماء كلها واحدة» كما تقول المرأة الغريبة، وندى هي آخر خيط في رداء نسجته النساء في عمل متواصل.

عندما يموت زوج ندى يبدو وكأن السماء تنقشع، ويأتي الفرج. مأساوي أن يكون موت الزوج هو الحلّ السعيد الوحيد للمرأة. لكن الوفاة هنا هي الباب الذي يفتح لندى لتعثر على حريتها، وربما تثأر لجداتها. زوجها الذي لم يتمكن من الإنجاب كل ما فعله أنه كتب الشقّة الزوجيّة وأرضاً باسمها تعويضاً تكفيراً عن ذنبه، أو هكذا ظن. لكنه في المقابل تزوج مرتين محاولاً أن يثبت لنفسه بأنه كامل ولا تشوب رجولته النقصان. محاولة ندى حل مشكلة الإنجاب بتبني «آدم» لم تحل المشكلة بل زادتها تعقيداً؛ إذ أصبحت العلاقة المتوترة بين زوجها وابنها باباً لعواصف جديدة.

«لم يتقبّل الزوج أن تنبت لآدم (والاسم له رمزيته حتماً) لحية، حتّى أنّه جاهر بسخريته من (شنب الفئران) الذي بدأ ينمو تحت أنفه، فكيف سيتقبّل أن يحلق آدم ذقنه؟ كيف سيعبّر عن حنقه حين يدخل حمّام آدم ويرى معجون الحلاقة والشفرة؟».

لم تتخل ندى عن الغزل، لكنها في الوقت نفسه حصلت على الماجستير، وعثرت على وظيفة في مكتبة إحدى الجامعات، في غفلة من زوجها.

انكشاف كل هذا أمام أعين الزوج لن يغضبه فقط، بل سيودي بحياته كلياً إثر الصدمة. فهو «لا يروق له أن تفرح، فكيف بأن تكون سعيدة. لا بل لا يروق له أن يفرح أحد وهو محروم من الإنجاب ومشكوك في رجولته رغم كل محاولاته إثبات العكس».

في الصفحات الأخيرة من الرواية، تظهر امرأة غريبة لندى تمسك برداء يطول ويتمدد، تنكشف عليه زخارف وأسماء، كل أولئك اللواتي شاركن في صنعه: «اسمي مكتوب في هذا الرداء، أسمائي، أسماؤنا». تلبسه الحفيدة الأخيرة، بصفته صنيعة نساء السلالة كلها، بحيث إنه حين يلتف حول جسدها يصبح جزءاً منه، وتجسيداً حياً لتراثها وكل من سبقنها.

هي الآن الحارسة المؤتمنة على إرث عائلتها النسوي، ولا نعرف ما سيكون مصير الرداء من بعدها لأنها لم تنجب ذكراً ولا أنثى، وإنما تنحصر آمالها في ابنها بالتبني: «آدم»، ولربما سلالة ذكورية جديدة.


أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا
TT

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي. ويقدّم هذا الإصدار أول ترجمة عربية كاملة لديوان «Arte de Pájaros»، أحد أهم أعمال نيرودا المتأخرة وأكثرها تأملاً.

ويعود الديوان إلى عام 1966، حين نُشر في موطنه تشيلي مصحوباً برسومات لفنانين بارزين، قبل أن يُدرج في الأعمال الكاملة ويُترجم إلى لغات عدة. ويُنظر إليه نقدياً بوصفه محطة أسلوبية فارقة تتراجع فيها النبرة الخطابية لصالح كتابة مكثفة تُصغي للطبيعة. في هذا العمل، لا يتعامل نيرودا مع الطيور بوصفها موضوعاً زخرفياً أو استعارياً مباشراً، بل بوصفها كائنات لغوية وحسية، تتيح إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين اللغة والحركة والزمن.

كتب نيرودا هذه القصائد بعد جولات ربيعية على الساحل التشيلي برفقة زوجته ماتيلدا أوروتيا، وهو ما يظهر في حضور البحر والرياح وهجرات الطيور بوصفها عناصر بنائية في الصورة الشعرية.

يتألف الديوان من 53 قصيدة موزعة على قسمين: الأول مكرّس لطيور حقيقية من البيئة التشيلية، والثاني يتجه نحو طيورٍ متخيلة، تُصاغ ضمن بنية لغزية تجعل من التسمية فعلاً شعرياً. وتتخلل الديوان ثلاث قصائد طوال تمنحه تماسكاً بنيوياً يجمع بين الجانبين: الوصفي والتأملي.

ويفتتح نيرودا الديوان بمشهد جماعي تتبدى فيه هجرة الطيور بوصفها حركةً كونيةً صارمةً، تقودها غريزةٌ لا تعرف التردّد:

زاويةٌ من الطيور

باتجاه

خط عرضٍ، من حديدٍ وثلجٍ،

تتقدّم دونما هوادةٍ

في نهجها المستقيم:

استقامةٌ ساغبةٌ

كسهمٍ مصوَّبٍ،

لجموعٍ سماويةٍ تشق طريقها

للتكاثر، مجبولةً

بحبٍ وهندسةٍ قاهرين...

ومن مشهدية الأسراب وحركتها في السماء، ينتقل الشاعر إلى سلسةٍ من القصائد يتأمل فيها طيوراً مفردةً في موائلها، مثل طائر أبو منجل ليربط بين الماء والذاكرة، وبين الجسد وصمت الغابة:

المياه النهرية، أعرفها

وبسابغٍ من ماء العشق وترابه

انضوت في جسدي

الأصوات السرية للغابة

...

وحتى في إغفاءتي

أحيا ذلك الصمت الجهوري،

وأستيقظ، أو توقظني

أسراب طيور أبو منجل الهائلة، المتئدة،

وقد تمكّثت في حلمي.

وفي مواجهة هذا القرب الحميم من الطبيعة، يتحوّل اللون في قصيدة «قُبّرة المروج حمراء الصدر» إلى سؤال، والجمال إلى أثر عنفٍ خفي:

لماذا تُريني كل يوم

قلبكِ الدامي؟

أي خطيئةٍ ترتدينها،

أي قبلةٍ من الدم لا تمّحى،

وأي رمية صيادٍ دهمتك؟

ويبتكر نيرودا طيوراً متخيّلة تُصاغ من الريش واللغة معاً، مثل «الطائر الهيروغليفي»:

متداخلٌ ريشه، ريشةً جنب أخرى،

يبسط جناحيه في ميادين العمل.

طائر المتاهة، طائر البر والبحر،

والألغاز...

وفي ختام الديوان، يعود الشاعر إلى ذاته، معلناً وداعاً لا يخلو من الامتنان، ليغدو الطيران استعارة لحياةٍ كاملة:

شاعرٌ ريفيٌّ ومحبٌّ للطيور.

آتي وأذهب طائفاً العالم،

بلا عتاد،

أُصفّر، بلا هدف، حيثما ذهبت.

أستسلم

للشمس وحقيقتها،

وللمطر، ولغة قيثارته...

وقد اعتمدت الترجمة العربية على ترجمة وسيطة بالإنجليزية مع الرجوع المنهجي إلى النص الإسباني الأصلي، بإشراف من الأديبة والأكاديمية الدكتورة خديجة قضّوم أستاذة اللغات الرومانسية وآداب أميركا اللاتينية، التي يسّرت تدقيق الترجمة لضمان مطابقة المعنى والاقتراب من الخصوصيات البيئية والثقافية للنص، خصوصاً ما يتعلق بالأسماء المحلية والحمولات الدلالية المرتبطة بطيور تشيلي وإقليم باتاغونيا في أطراف أميركا الجنوبية.

ويتيح هذا الإصدار لقرّاء الشعر الاطلاع على جانب تأمّلي أقل تداولاً من تجربة نيرودا، حيث تتقاطع الحساسية الشعرية مع الطبيعة وعناصرها المختلفة، ويقدّم نصاً يوسّع أفق المطالعة الشعرية من خلال تجربة لغوية وبيئية مختلفة.