بعد الموصل... العراق أمام ثلاثة تحديات

هل من شأن البلد الأحدب أن يعاود الاستقامة مرة أخرى؟

جندي عراقي أمام أطلال جامع النوري الكبير في وسط الموصل القديمة (إ.ب.أ)
جندي عراقي أمام أطلال جامع النوري الكبير في وسط الموصل القديمة (إ.ب.أ)
TT

بعد الموصل... العراق أمام ثلاثة تحديات

جندي عراقي أمام أطلال جامع النوري الكبير في وسط الموصل القديمة (إ.ب.أ)
جندي عراقي أمام أطلال جامع النوري الكبير في وسط الموصل القديمة (إ.ب.أ)

يوم الخميس الماضي، وصل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، مرتديا حلة العسكرية، إلى بقايا موقع مسجد النوري التاريخي في الموصل، للإعلان عن نهاية تنظيم داعش الإرهابي.
وأكد العبادي في تصريحه: أن «عودة مسجد النوري ومئذنة الحدباء إلى الأمة تعتبر إيذانا بنهاية دولة (داعش) الباطلة». وشارك رئيس الوزراء العراقي في عدد من الصور الميدانية الملتقطة هناك، بما في ذلك الكثير من الصور بجانب مئذنة الحدباء الشهيرة التي يعود تاريخ بنائها إلى 850 عاما مضت. وتبدو تلك المئذنة المهدمة رمزا مناسبا للعراق اليوم، أي الأمة المنهكة من عقود من الطغيان والحروب. والسؤال المطروح هو: هل من شأن العراق الأحدب أن يعاود الاستقامة مرة أخرى؟ بعبارة أخرى، هل بالإمكان منح الشعب العراقي الفرصة لبناء مستقبل أفضل لبلادهم؟
قال نائب رئيس الوزراء إياد علاوي في حديث أجري معه في أبريل (نيسان) الماضي: «إن تحرير الموصل يمثل الميلاد الجديد للعراق التعددي، وغير الطائفي. ولا بد أن نعمل جميعا وسويا على تحقيق هذه الغاية».
ولم يشتمل خطاب العبادي المنتصر في الموصل على أي إشارة إلى التحركات المستقبلية باستثناء مواصلة تتبع بقايا عناصر «داعش»، وكما هو مفترض، خلايا التنظيم النائمة في مختلف أرجاء العراق، وربما أيضا، في سوريا. والعبادي محق في إبلاغ الشعب العراقي أنه على الرغم من القضاء على الخلافة الوهمية فإن القتال ضد التنظيم الإرهابي لم ينته بعد. ويتساءل الكثير من المواطنين العراقيين عما يمكن للتنظيم الإرهابي فعله بعد ذلك؟
ووفقا للتقارير الصادرة عن أجهزة الاستخبارات العراقية، يقول علاوي إن «داعش» افتتح بالفعل قناة للحوار مع «القاعدة»، أو التنظيم الأم الذي انبثق عنه أول الأمر، بشأن إمكانية الاندماج أو على أدنى تقدير تنسيق الجهود على المستويات التكتيكية أو العملياتية. ويتقاسم محللو الاستخبارات الأميركية والبريطانية هذه الرؤية مع الجانب العراقي بصورة جزئية، والذين يتحدثون عن وجود حالة من المناقشات المكثفة داخل الحركات العالمية المتشددة بشأن الاستراتيجية المستقبلية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود طفل «القاعدة» في العراق، فإن «داعش» تمكن من وضع استراتيجيته الخاصة للعمل. ولم يكن تنظيم القاعدة مهتما قط ببسط السيطرة على الأراضي وتعلم أن يتعايش تحت حماية الآخرين، مثالا بالحكومة التي تسيطر عليها حسن الترابي في السودان في أوائل التسعينات، وإمارة طالبان في أفغانستان حتى عام 2001، ومنطقة القبائل في جنوب وزيرستان فيما بعد. ولقد ركز تنظيم القاعدة جُل جهوده على محاربة «العدو البعيد» بما في ذلك شن الهجمات المروعة على الولايات المتحدة.
وعلى النقيض، فإن «داعش» قدم نفسه للعالم بصفته دولة لها حدود متميزة، ونظام اقتصادي، وجيش عامل، وإدارة نافذة. وكان تركيز التنظيم الإرهابي على إزالة «العدو القريب»، بما في ذلك الأقليات غير المسلمة أو «المسلمين المرتدين» الذين لا بد من القضاء عليهم ذبحا وتقتيلا. وكانت الهجمات التي شنها «داعش» في أوروبا والولايات المتحدة من قبيل العمليات المرحلية المخصصة، والتي كانت تنشأ في غالب الأحيان عن بعض من الذئاب المنفردة الخاضعة لإشراف أو إلهام التنظيم، أو التي يعلن التنظيم مسؤوليته اللاحقة عليها.
وعلى الرغم مما تقدم، فإن الأرجح أننا سوف نشهد إعادة لتنظيم الحركات المتشددة. وفي واقع الأمر، فإن تلك الحركات تشبه دمية «ماتريوشكا» الروسية، وهي الدمية التي تخرج منها دمية أخرى، وأخرى... وهكذا. والدمية الكبرى الخارجية تتألف من إعادة صياغة التطرف الإسلاموي على نحو ما حدث في مصر في القرن التاسع عشر. والدمية الثانية الأصغر حجما نشأت أيضا في مصر في بدايات القرن العشرين في صورة تشكيل جماعة الإخوان المسلمين وفرعها الشيعي المعروف باسم «فدائيي الإسلام» في إيران، التي كان آية الله الخميني أحد أول وأبرز أعضائها. وفي ستينات ثم سبعينات القرن الماضي، انبثقت دمى أصغر حجما في صورة تنظيم الجماعة الإسلامية، وجماعة التكفير والهجرة، ثم تنظيم القاعدة في وقت لاحق.
يميل الخطاب العراقي الرسمي إلى التغافل عن هذه الخلفية التاريخية الحقيقية، ويحاول التعزيز من فكرة أن «داعش» ليس إلا مجرد انحراف عن جادة الصواب سرعان ما سوف يتلاشى إلى غياهب النسيان.
ومع ذلك، سوف يقع المسؤولون العراقيون في خطأ فادح إذا ما قللوا من تأثير الآيديولوجيا القوية، وإن كانت مضللة، والتي تعيش وتتغذى على المظالم الاجتماعية الحقيقية أو المتوهمة. فلا يجب على المرء أبدا أن ينسى أن «داعش» تمكن من السيطرة على مدينة بحجم الموصل، مستعينا بما لا يزيد على بضع مئات من المقاتلين الموالين، ذلك أن دعواه جذبت حفنة من الأتباع والأنصار في المدينة، كانت الحفنة صغيرة ولكنها مهمة. ونظرا للوحشية المفرطة والغطرسة اللاإنسانية في التعامل مع الناس، فقد «داعش» الكثير من هذا الدعم والتأييد. ولكن ظروف الاستياء العرقي والكراهية الطائفية التي هيأت لتلك الحفنة من الأنصار بيئة النشوء والنمو لا تزال قائمة. وبالتالي، فإن أسوأ ما يمكن فعله هو تصوير تحرير الموصل بأنه انتصار طائفي وليس وطنيا.
ومن شأن تغيير الخطاب السياسي إلى جانب إدراج المفردات السياسية الجديدة أن يساعد على ضبط السياسة العراقية على المسار الجديد في مرحلة ما بعد تحرير الموصل. يقول مسعود وزيري، الباحث في الشؤون العراقية: إن «الخطاب السياسي السائد في العراق يمالئ الطائفية وتجري مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية بصورة دينية حصرية. وهذا الأمر، في حالة العراق الذي يعاني من كثرة الطوائف، يعني اتخاذ الموقف الطائفي في كل حالة أو مسألة».
والمخرج من ذلك، كما يقول الباحث العراقي، سوف يكون عن طريق الحوار الوطني المباشر نحو القضايا الراسخة والملموسة، مثل إعادة إعمار البلدات والقرى التي تهدمت على مدى العقدين الماضيين في البلاد. وخلال العامين الماضيين، استعادت الحكومة العراقية السيطرة على الكثير من المدن التي كانت تحت سيطرة تنظيمي القاعدة و- أو «داعش» لفترات مختلفة من الوقت. ورغم ذلك، لم يحدث أي شيء تقريبا فيما يخص مساعدة هذه البلدات والمدن، مثل الفلوجة، والرمادي، والحديثة، والعنة، وتلعفر، وتكريت، في تجاوز صدماتها الشديدة والبدء في جهود إعادة الإعمار الجادة.
وفي واقع الأمر، ووفقا للكثير من السكان، ولا سيما في مدينة الفلوجة، حدث العكس تماما. واستنادا إلى الاعتبارات الأمنية، فلقد وضعت بغداد هذه المدن المحررة في مأزق أمني لا تحسد عليه. فإن اللوائح البيروقراطية المتشددة تحول بين المواطنين وبين حصولهم على التصاريح اللازمة لإعادة بناء منازلهم وافتتاح شركاتهم وأعمالهم. وبفضل الكثير من نقاط التفتيش الموزعة هناك، فإن الانتقال من وإلى بغداد أصبح يشبه الرحلة نحو الجحيم، ويحول ذلك دون استيراد السلع والبضائع المخصصة للاستهلاك اليومي والمواد اللازمة في إعادة البناء. ووفقا إلى السكان كذلك، على الرغم من وقوع عدد قليل من حوادث الانتقام على أيدي الأشخاص الذين يشتبه في تعاطفهم مع تنظيمي القاعدة و- أو «داعش»، فهناك ظلال قاتمة من الشكوك باتت تحوم حول السكان المحليين كافة. ولقد حال ذلك دون إحياء السلطات المحلية وتقاسم فرص العمل بين السكان. وفي بعض الحالات، لا يزال اللاجئون من البلدات والقرى فيما يعرف بالمثلث السني في انتظار السماح لهم بالعودة إلى منازلهم. وفي بعض الحالات أيضا، يطلب من الناس إبراز الوثائق التي يستحيل تقديمها بسبب فقدانها أو تدميرها خلال أكثر من عشر سنوات من الحرب وأعمال العنف المستمرة. وحتى توزيع المساعدات الإنسانية التي تقدمها أغلبها الدول الأجنبية أو المنظمات غير الحكومية يتم بطريقة تعكس الأفضلية الطائفية و- أو الارتياب. ووفقا لبعض السكان، وفي بعض الحالات، ظهرت وانتشرت الرشوة وغيرها من أشكال الفساد في المسائل المتعلقة بالسلطات المركزية. ويرغب السكان الذين تحدثنا معهم من الحكومة في بغداد تسريع الإجراءات البيروقراطية للسماح للناس بإعادة بناء منازلهم، وافتتاح أعمالهم، وانتخاب المجالس البلدية بأسرع وقت ممكن. والأهم من ذلك، لا بد من تحديد تاريخ معين لعودة السكان المشردين داخليا إلى بلداتهم وقراهم. ولسوف يستلزم ذلك وضع خطة عامة تتلقى الأسر العائدة بموجبها الإعانات المالية التي تساعدهم على البدء في حياتهم من جديد. ومن شأن بغداد المساعدة على وضع حد للعمليات التي يصفها السكان المحليون بالاستفزازية. وتشتمل على نشر صور المرشد الإيراني علي خامنئي إلى جانب رايات «حزب الله» اللبناني، فضلا عن الأدبيات الطائفية التي يتم إنتاجها في طهران أو بيروت. وينبغي على السيد العبادي، عند مرحلة ما، عقد حوار جاد مع القيادة في طهران بشأن وضع الخطوط العامة المؤطرة للعلاقات العراقية – الإيرانية؛ إذ يستنكر قطاع كبير من المواطنين العراقيين حقيقة أن هناك جزءا من المؤسسة الإيرانية يتعامل مع العراق من واقع أنه صار محمية إيرانية إن لم يكن مستعمرة حقيقية. على سبيل المثال، توقفت خطوط الطيران الإيرانية من السفر إلى مدينة النجف بسبب أنها تريد إعفاءها من سداد ضرائب المطار هناك. يقول السيد العبادي، إنه لن يسمح بحال من الأحوال بتخفيض درجة العلاقات مع إيران. ومع ذلك، فإن ذلك لا يعني بالضرورة منح إيران حق التدخل الكامل في الشؤون العراقية. ومثل هذا التدخل السافر بلغ حد الإشراف الإيراني على إقامة الهيكل المرجعي الموحد للمسلمين السنة في العراق!
وتعتزم الكثير من الشخصيات الدينية والسياسية والعشائرية في العراق عقد مؤتمر عام في وقت لاحق من الشهر الحالي في العاصمة بغداد لصياغة آلية محددة بشأن العمل السياسي الموحد في ظل الدستور الديمقراطي الحالي في العراق. ورغم ذلك، تحاول طهران، من خلال رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وغيره من الحلفاء الشيعة، تقسيم الصفوف السنية في العراق من خلال الترويج لعقد مؤتمر منافس.
والموقف الغامض الذي تتخذه طهران قد أسفر عن انقسام واضح حتى في صفوف الجماعات الشيعية العراقية الموالية لإيران. وفي حين أن المالكي يدير حملة لعرقلة انعقاد المؤتمر السني المشار إليه، فإن هناك زعماء شيعة آخرين، ومن أبرزهم عمار الحكيم، تبنوا لهجات أكثر تصالحية. ومقتدى الصدر، الذي صار اقترابه من طهران موسميا، يبدو منتهجا موقفا أقل عدائية من إنشاء المرجعية السنية العراقية. ومن المهم أن تظل الانقسامات الطائفية العراقية تحت السيطرة بدلا من السماح بوجود انقسامات جديدة داخل المجتمع المنقسم على نفسه بالفعل. ولقد لمح رئيس الوزراء والرئيس العراقي فؤاد معصوم إلى ضرورة إصدار عفو عام في إطار خطة أوسع للمصالحة الوطنية.
وخلال العامين الماضيين، ألقي آلاف الأشخاص من البلدات والقرى المحررة في غياهب السجون أو ظلوا قيد الاعتقال الفعلي في معسكرات خاصة. وتقول السلطات في بغداد إنه يتعين عليها اتخاذ التدابير الوقائية للتخلص من المقاتلين المحتملين أو المتعاطفين مع تنظيمي «داعش» أو «القاعدة»، والذين قد يحاولون تشكيل أو تعزيز الخلايا النائمة في أنحاء البلاد كافة.
ومع تحرير الموصل، تحتاج بغداد إلى اتخاذ موقف واضح حيال القضية التي تؤثر على الكثير من العائلات والعشائر في المحافظات المضطربة. وتتمثل المهمة الأكثر إلحاحا بقدر ما يتعلق الأمر بمدينة الموصل في إبقاء الغوغاء قيد السيطرة. ولقد نما إلى علم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود جماعات غامضة توزع رسائل ليلية في الموصل تهدد فيها بالانتقام ضد المتعاطفين الحقيقيين أو المتوهمين مع تنظيم داعش. ومن بين سكان الموصل البالغين نحو 1.8 مليون نسمة، لا يزال نصفهم تقريبا في المدينة أو ضواحيها، بما في ذلك مخيمات اللاجئين. وحيث إن الحكومة العراقية لم تفلح في اتخاذ قرار واضح بشأن وضعية 400 ألف لاجئ من القرى والبلدات السنية، فإن المهمة المقبلة تبدو أكثر تعقيدا وصعوبة. وذكرت بعض المصادر في العاصمة بغداد، أن الحكومة تعمل على دراسة خطة تهدف إلى تقسيم السكان النازحين بين ثلاث فئات. وأكبر هذه الفئات تتألف من ضحايا تنظيمي «داعش» والقاعدة من قبل والذين ساعدوا على إعادة التوطين السريع إلى منازلهم وإعادة بناء حياتهم. والفئة الثانية سوف تتألف من بضعة آلاف من الأشخاص الذين تعاونوا بشكل صريح مع «داعش» استغلالا للظروف والمصالح الخاصة من دون تبني أي تقارب آيديولوجي مع فكر التنظيم الإرهابي.
وتكمن الفكرة من عدم تكرار خطأ اجتثاث البعث التي أثرت بصورة سلبية كبيرة على مئات الآلاف من المواطنين، بما في ذلك الموظفون الذين اشتدت الحاجة إليهم، في فترة ما بعد سقوط نظام صدام حسين. وفي الفئة الثالثة والأخيرة سيكون هناك بضع مئات من الأشخاص المهتمين بالمشاركة الفاعلة في العمليات الإجرامية بالنيابة عن تنظيم داعش.
ورغم ذلك، ليس من المؤكد أن حكومة العبادي، والتي تضم التحالف الضعيف المهترئ، سوف تكون قوية بما يكفي لتنفيذ مثل هذه السياسات المثيرة للكثير من الجدل، وذلك هو السبب في أن الكثير من العراقيين يعتقدون أن البلاد في حاجة إلى إجراء انتخابات مبكرة لتقرير مسار الأمة فيما بعد تحرير الموصل على الصعيدين المحلي ومجالات السياسة الخارجية. ولقد أخبرنا السيد علاوي قائلا: «لا بد من وجود حكومة جديدة ذات سلطات جديدة من أجل بداية جديدة».
ويحتاج العراق إلى وضع استراتيجية جديدة لمواجهة الأنواع الجديدة من التهديدات من التحالف المحتمل للجماعات الإرهابية التي سوف تعمل بأشكال جديدة. كما يحتاج العراق إلى وضع سياسات جديدة لرأب صدع الانقسامات الطائفية في حين يجري التعامل المباشر مع الخطط الكردية لعقد الاستفتاء على الاستقلال. والعراق في حاجة أيضا إلى ضخ استثمارات أجنبية ضخمة ودعم تكنولوجي ومنطقي لإعادة بناء المحافظات الممزقة. إن استعادة الحد الأدنى من الخدمات العامة في الموصل وحدها سوف يكلف أكثر من مليار دولار، وفق تقديرات الأمم المتحدة. في هذا السياق، سوف تحتاج الولايات المتحدة، ذات الوجود الفعلي والحاضر في العراق من الناحية العسكرية، إلى رفع مكانتها السياسية أيضا. وتحظى الولايات المتحدة باتصالات قوية مع الأطراف كافة في العراق، بما في ذلك الوسطاء والميسرون في الطوائف العرقية والدينية. كما يمكنها قيادة الجهود الدولية لإعادة إعمار العراق، وربما في وقت لاحق، إعادة إعمار سوريا كذلك في معرض الجهود الكبرى لإعادة الإعمار التي يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
قد لا تستقيم مئذنة الحدباء قائمة مرة أخرى. ولكن العراق الكسير قد يقف مستقيما مرة أخرى.



تعزيزات أمنية في عدن... وتحركات خدمية لتثبيت الاستقرار

منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
TT

تعزيزات أمنية في عدن... وتحركات خدمية لتثبيت الاستقرار

منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة عدن التي تشهد حراكاً أمنياً وتنموياً بدعم سعودي (إعلام حكومي)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، خلال الأيام الماضية، تحركات متزامنة على المستويين الأمني والخدمي، تمثَّلت في تكثيف اللقاءات التي يجريها مستشار قائد قوات تحالف دعم الشرعية، اللواء ركن فلاح الشهراني، مع القيادات المجتمعية ورجال الأعمال في عدد من المحافظات المُحرَّرة، بالتوازي مع تعزيز الإجراءات الأمنية في محيط المجمع الرئاسي عقب أحداث الشغب الأخيرة التي شهدتها المدينة.

وجاءت هذه التحركات في إطار مساعٍ تستهدف تثبيت الاستقرار ومنع تكرار الاضطرابات، إلى جانب الدفع بجهود تحسين الخدمات وإشراك الفاعلين المحليين في دعم مشروعات التنمية، خصوصاً في محافظات عدن وأبين ولحج التي تشهد حراكاً سياسياً وأمنياً متسارعاً.

في هذا السياق، عزَّزت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدي إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية، بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

قوات «درع الوطن» تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وامتد الانتشار الأمني من جولة العاقل، في أطراف مديرية خور مكسر وصولاً إلى مديرية صيرة، حيث فرضت القوات طوقاً أمنياً واسعاً مدعوماً بمركبات مدرعة وعربات عسكرية، مع استحداث نقاط تفتيش إضافية؛ بهدف منع أي محاولات لإثارة الفوضى أو زعزعة الاستقرار.

وجاءت هذه الإجراءات عقب أحداث شهدتها المدينة قبل أيام، عندما حاول مؤيدون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل اقتحام أحد مداخل المجمع الرئاسي، قبل أن تتصدَّى لهم القوات المكلفة بالحراسة، وتتمكَّن من احتواء الموقف.

تعزيز حماية عدن

ضمن هذه الجهود، عزَّزت وحدات من قوات «درع الوطن» وألوية «العمالقة» انتشارها في مداخل مدينة عدن إلى جانب قوات «الأمن الوطني»، في خطوة تهدف إلى تأمين المدينة ومنع تسلل أي عناصر قد تسعى لإعادة التوترات الأمنية، خصوصاً مع عودة النشاط الحكومي وانتظام عمل المؤسسات الرسمية.

وفي هذا السياق، جدَّد محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، تأكيده أن قرار إخراج المعسكرات من داخل المدينة لا رجعة عنه، مشيراً إلى أن التنفيذ سيتم بصورة تدريجية لتجنب حدوث أي فراغ أمني. كما منح مديري المديريات ومسؤولي الخدمات مهلة 3 أشهر لتقييم الأداء، مع التلويح بتغيير غير الأكفاء منهم.

وأوضح المحافظ، خلال اجتماع مع الإعلاميين، أن التوقعات عقب تحرير عدن من الحوثيين كانت تشير إلى تحسُّن الأوضاع الخدمية والأمنية والاقتصادية، إلا أن الواقع سار بعكس ذلك خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن السلطة المحلية تعمل حالياً على معالجة الاختلالات القائمة.

وأشار إلى استعداد السلطات لتشغيل الكهرباء على مدار الساعة، غير أن الاعتبارات الفنية المرتبطة بالطقس دفعت إلى منح بعض التوربينات فترة صيانة قبل حلول فصل الصيف، معلناً خطة لإضافة 100 ميغاواط خلال 4 أشهر بالتعاون مع «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».

هيكلة الوحدات الأمنية

بالتوازي مع التعزيزات الميدانية، صدرت قرارات جديدة ضمن مسار إعادة هيكلة الوحدات العسكرية والأمنية في المحافظات المُحرَّرة، حيث أصدر عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي قراراً بتكليف العميد عبد الله الميسري قائداً لـ«اللواء الثاني دعم وإسناد»، والعقيد أحمد الفداء رئيساً لأركان اللواء، إضافة إلى تكليف المقدم فواز جمال برئاسة أركان العمليات.

ويتمركز اللواء في محافظة أبين (شرق عدن)، ويأتي القرار بعد يوم واحد من تعيين قيادة جديدة لقوات الأمن الوطني في المحافظة، في إطار خطوات تهدف إلى تطبيع الأوضاع الأمنية ودمج التشكيلات المختلفة ضمن بنية مؤسسية موحدة.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي (إكس)

وتشير مصادر محلية إلى أن هذه القرارات تأتي استجابة للحاجة إلى تعزيز الانضباط ورفع كفاءة الأداء الميداني، خصوصاً في المناطق التي شهدت خلال الفترة الماضية توترات أمنية متقطعة، ما استدعى إعادة تنظيم القيادات بما يضمن سرعة الاستجابة والتنسيق بين الوحدات المختلفة.

ويرى مراقبون أن عملية إعادة الهيكلة تمثل جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس مهنية، بما يسهم في تعزيز سلطة الدولة وتقليص مظاهر التعدد في التشكيلات المسلحة داخل المناطق المُحرَّرة.

لقاءات «التحالف»

ترافقت التطورات الأمنية مع نشاط مكثف للواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد قوات تحالف دعم الشرعية، الذي واصل لقاءاته مع قيادات اجتماعية ووجهاء ورجال أعمال في محافظات عدة؛ بهدف مناقشة احتياجات المناطق المُحرَّرة ودعم جهود تحسين الخدمات.

وفي محافظة لحج (شمال عدن) عقد الشهراني لقاءً مع مشايخ وأعيان مديريات ردفان، خُصِّص لمناقشة أبرز التحديات الخدمية والتنموية، وفي مقدمتها احتياجات البنية التحتية والخدمات الأساسية، إضافة إلى بحث آليات تعزيز التعاون بين القيادات المجتمعية والجهات المعنية لتحقيق التنمية المحلية.

وخلال اللقاء جرى استعراض الأوضاع العامة في المنطقة والتحديات التي تواجه المواطنين، حيث شدَّد الشهراني على حرص قيادة التحالف على الاستماع المباشر لمطالب السكان ونقلها إلى الجهات المختصة، مؤكداً أهمية الشراكة مع القيادات الاجتماعية في دعم الاستقرار وتعزيز التنمية.

الشهراني يلتقي وجهاء منطقة ردفان ويناقش الاحتياجات التنموية (إعلام حكومي)

من جانبهم، عبّر مشايخ وأعيان ردفان عن تقديرهم لهذه اللقاءات، مؤكدين أنها تسهم في إيصال صوت المواطنين وتدعم التنسيق لمعالجة القضايا الخدمية وتخفيف معاناة الأهالي، بما يعزِّز الاستقرار في المنطقة.

وسبقت ذلك لقاءات مماثلة عقدها الشهراني في محافظة أبين مع مسؤولي المحافظة ورجال أعمال ورئيس الغرفة التجارية، حيث اطّلع على مبادرات استثمارية تضمَّنت وضع حجر الأساس لمدينة اقتصادية جديدة في منطقة العلم على مساحة تتجاوز 23 ألف فدان، بوصفه مشروع استثمارياً كبيراً تقوده شركة «سرمد».

كما شهدت المحافظة مبادرات اجتماعية واقتصادية، من بينها تبرع شركة «مدينة أحلام الشرق» بأرض مساحتها 50 فداناً مخصصة لأسر الشهداء، إلى جانب بدء شركات استثمارية أعمال إزالة الكثبان الرملية والعوائق على الطريق الدولي الرابط بين منطقة العلم ومدينة زنجبار.

مبنى السلطة المحلية في محافظة أبين شرق عدن (إكس)

وأُعلن كذلك عن منح خصم بنسبة 30 في المائة للمعلمين في المحافظة عند شراء الوحدات السكنية ضمن مشروعات «مدينة أحلام الشرق» و«مدينة سماء الخليج العربي»، في خطوة تهدف إلى دعم الفئات التعليمية وتحسين ظروفها المعيشية، بالتوازي مع تحفيز النشاط الاستثماري والتنمية العمرانية.

وتعكس هذه التحركات المتزامنة، الأمنية والخدمية، توجهاً نحو تثبيت الاستقرار في المحافظات اليمنية المُحرَّرة عبر الجمع بين ضبط الوضع الأمني وتوسيع الشراكة المجتمعية وتحفيز المشروعات الاقتصادية، في محاولة لمعالجة التحديات المتراكمة وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.


كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
TT

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)
يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية، قادمة من مناطق سيطرة الحوثيين.

وأكد العقيد الركن أسامة الأسد، قائد «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» الحدودي، أن عملية الضبط تمت أثناء إجراءات التفتيش الروتينية في المنفذ؛ حيث اشتبه أفراد الأمن بإحدى المركبات القادمة، وبعد إخضاعها لتفتيش دقيق، عُثر على الكمية مخبأة بطريقة احترافية بهدف التمويه وتجاوز النقاط الأمنية.

العقيد ركن أسامة الأسد قائد «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» (الشرق الأوسط)

وأوضح الأسد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الكتيبة قاموا بتحريز الكمية المضبوطة وفقاً للإجراءات القانونية المعتمدة، وإحالة المتورطين إلى الجهات المختصة لاستكمال التحقيقات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

ولفت العقيد ركن إلى أن التنسيق والتعاون مع الجانب السعودي مستمر وبوتيرة قوية وفي أعلى درجاته، معرباً عن شكره وتقديره للمملكة العربية السعودية على دعمها المتواصل لليمن عموماً، وللكتيبة على وجه الخصوص، بما يُسهم في تعزيز أمن الحدود بين البلدين.

وكان العقيد أسامة، قد كشف في حوار حديث مع «الشرق الأوسط» أن غالبية شبكات تهريب المخدرات القادمة من اليمن باتجاه الأراضي السعودية ترتبط بشكل مباشر بجهاز الأمن الوقائي التابع لجماعة الحوثي الإرهابية. وأوضح حينها أن الكتيبة تمكنت من إلقاء القبض على قيادي حوثي في أثناء محاولته دخول المملكة العربية السعودية بجواز وتأشيرة عمرة مزورين، مرجحاً أن تكون دوافع دخوله ذات طابع أمني، وليس لأداء الشعائر كما يدّعي.

كميات من حبوب الكبتاجون التي تم ضبطها آتية من مناطق سيطرة الحوثيين (كتيبة منفذ الوديعة)

وفي حديثه عن العملية الأخيرة، أشار العقيد ركن أسامة الأسد أن التحقيقات الأولية تُفيد بأن معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيات الحوثي، مبيناً أن الميليشيات الحوثية تعتمد على الاتجار بالمخدرات بوصفه أحد مصادر التمويل لأنشطتها، بما يُشكل تهديداً للأمن القومي اليمني ودول الجوار واستقرار المنطقة، مشدداً على استمرار يقظة الكتيبة وجهودها في مكافحة تهريب المخدرات، وتعزيز الإجراءات الأمنية بما يُسهم في حماية المجتمع وصون أمن المنافذ البرية.

ووفقاً للعقيد أسامة الأسد، فإن مهمة «كتيبة حماية منفذ الوديعة» الحدودي مع المملكة العربية السعودية تتركز في تأمين وحماية المنفذ، ومكافحة مختلف أشكال التهريب، سواء أكانت الممنوعات أم تهريب البشر أم المزورين ومجهولي الهوية، مشيراً إلى أن الكتيبة تضبط يومياً نحو 10 أشخاص بحوزتهم تأشيرات عمرة مزورة.

ولفت إلى أن نطاق تأمين الكتيبة يشمل «المنفذ ومحيطه لمسافة 30 كيلومتراً غرباً حتى حدود الريان التابعة لمحافظة الجوف، و50 كيلومتراً باتجاه (اللواء 11 حرس الحدود)، و40 كيلومتراً باتجاه منطقة العبر».

وأضاف العقيد الأسد أن من بين مهام الكتيبة أيضاً ضبط المطلوبين أمنياً من عناصر تنظيم «القاعدة»، إضافةً إلى الأشخاص الفارين من تنفيذ أحكام قضائية صادرة بحقهم.


اصطدام الحوثيين مع القبائل يتوسع من المحويت إلى البيضاء

ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
TT

اصطدام الحوثيين مع القبائل يتوسع من المحويت إلى البيضاء

ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)
ابن مؤسس «الحوثية» يقود حملة القمع ضد معارضي الجماعة (إعلام محلي)

في ظل غليان شعبي متصاعد في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، نتيجة اتساع رقعة الفقر وزحف المجاعة، تمددت المواجهات بين الجماعة التي تسيطر على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والقبائل من محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) إلى محافظة المحويت (شمال غرب)، حيث سقط عدد من القتلى، بينهم قائد الأمن المركزي الحوثي في المحافظة.

وذكرت مصادر قبلية أن داخلية الحوثيين، التي يقودها علي حسين الحوثي نجل مؤسس الجماعة منذ اختفاء عمه عبد الكريم عقب الغارة الإسرائيلية التي استهدفت اجتماعاً سرياً للحكومة غير المعترف بها، أرسلت تعزيزات عسكرية وُصفت بـ«الضخمة» إلى منطقة بني الجلبي بمديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت غرب صنعاء، وفرضت حصاراً محكماً على المنطقة على خلفية نزاع بين القبائل وأحد المقاولين المكلّف بحفر بئر مياه.

وبحسب المصادر، جاءت الحملة العسكرية عقب مقتل قائد الأمن المركزي التابع لداخلية الحوثيين في المحويت، مجلي فخر الدين، وإصابة اثنين من مرافقيه خلال اشتباكات مع مسلحين قبليين بعد رفضهم تسليم معدات حفر بئر ارتوازية للمقاول الذي تسلّم مستحقاته ولم يُكمل عمله في المنطقة. كما قُتل خلال المواجهة أحد أفراد العشيرة ويدعى ياسر الحمري، إضافة إلى عدد من الجرحى.

الحوثيون لجأوا لاستخدام القوة المفرطة لإخضاع المناطق القبلية (إعلام محلي)

وأظهرت رسالة وُجهت باسم القبيلة إلى مكتب عبد الملك الحوثي، واطلعت «الشرق الأوسط» عليها، شكوى السكان من تعسفات واعتداءات متكررة تنفذها قوات الأمن، كان آخرها القتل والحصار المطبق والاختطافات والسجن خلال اليوم الأول من رمضان، عبر حملة عسكرية قوامها 200 آلية بين عربات دفع رباعي ومدرعات.

حصار مطبق

في حين أكدت الرسالة أن الجانب الأمني مستمر في حصار البيوت والممتلكات والسكان، بمن فيهم كبار السن والأطفال والنساء، بيّنت أن العشيرة، بعد أن تقطعت بها السبل ومُنعت من قبل السلطة المحلية من استكمال حفر بئر ارتوازية للشرب وسقي مواشيهم ومزارعهم، رغم أنهم كانوا على وشك إكمال المشروع، لجأت إلى إصلاح بئر سابقة كانت محفورة منذ خمس عشرة سنة، إلا أن المقاول الذي تسلّم المبلغ لم يفِ بالتزاماته وحاول سحب المعدات، فقاموا بمنعه وحجزها مطالبين إياه بإكمال عمله أو إعادة المبالغ المالية التي تسلمها، لكنه رفض واستعان بالقيادة الأمنية للحوثيين التي قامت بحبس وجهاء العشيرة ومطاردة الآخرين والضغط عليهم لتسليم المعدات أو سجنهم.

رقعة الغضب الشعبي ضد الحوثيين اتسعت جراء الفقر وقطع الرواتب (إعلام محلي)

وأكد السكان في شكواهم أن نجل مؤسس الجماعة تحول إلى خصم، وطلبوا من زعيمها عبد الملك الحوثي - وهو عمه أيضاً - التدخل ووضع حد لمثل هذه الأعمال قبل أن تتوسع رقعة المواجهة.

وأشاروا إلى أن قادة الحملة الأمنية يهددون بتفجير المنازل، وقالوا إنهم إذا لم يجدوا إنصافاً أو تجاوباً فسوف يستدعون القبائل للتدخل ومساندتهم.

حملة اعتقالات

في محافظة البيضاء، التي تشهد مواجهات متقطعة بين القبائل والجماعة الحوثية، عبرت الحكومة اليمنية عن بالغ القلق من الحملة المسلحة التي ينفذها الحوثيون في قرية المنقطع بمديرية الشرية على خلفية حادثة قتل عرضي، وقالت إنها تحولت إلى عملية انتقام جماعي استهدفت المدنيين وممتلكاتهم، في سلوك يكشف مجدداً عن طبيعة هذه «الميليشيا الإجرامية» التي تتخذ من القوة وسيلة لمحاولة إخضاع اليمنيين.

ورأى وزير الإعلام معمر الإرياني أن قيام الحوثيين باعتقال ما لا يقل عن 30 مدنياً، وفرض حصار مستمر على القرية منذ نحو أسبوعين، ومداهمة المنازل، والاستعانة بما يسمى بـ«الزينبيات» لاقتحام البيوت وترويع الأسر، يمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وتصعيداً خطيراً يهدف إلى إخضاع المجتمع بالقوة، وتحويل حادثة عرضية إلى ذريعة لتصفية الحسابات وبسط النفوذ وترسيخ سياسة العقاب الجماعي.

وحمّل المسؤول اليمني الجماعة الحوثية المسؤولية الكاملة عن سلامة المدنيين في المديرية، وعن كافة الانتهاكات التي طالت الأهالي وممتلكاتهم، مطالباً المنظمات الحقوقية المحلية والدولية بالتحرك العاجل لإدانة هذه الممارسات، والضغط من أجل الإفراج الفوري عن جميع المختطفين، ورفع الحصار عن القرية، ووقف الاعتداءات على الممتلكات.

وجدد الإرياني دعوة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى رصد هذه الانتهاكات وتوثيقها، وممارسة ضغط جاد لوقف سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الحوثيون بحق المدنيين في مناطق سيطرتهم، معتبراً أنها تعكس استخفافاً متكرراً بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وتؤكد أن استمرار هذا الانقلاب المسلح هو السبب الجوهري في إطالة أمد الأزمة وتفاقم معاناة اليمنيين.