بعد الموصل... العراق أمام ثلاثة تحديات

هل من شأن البلد الأحدب أن يعاود الاستقامة مرة أخرى؟

جندي عراقي أمام أطلال جامع النوري الكبير في وسط الموصل القديمة (إ.ب.أ)
جندي عراقي أمام أطلال جامع النوري الكبير في وسط الموصل القديمة (إ.ب.أ)
TT

بعد الموصل... العراق أمام ثلاثة تحديات

جندي عراقي أمام أطلال جامع النوري الكبير في وسط الموصل القديمة (إ.ب.أ)
جندي عراقي أمام أطلال جامع النوري الكبير في وسط الموصل القديمة (إ.ب.أ)

يوم الخميس الماضي، وصل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، مرتديا حلة العسكرية، إلى بقايا موقع مسجد النوري التاريخي في الموصل، للإعلان عن نهاية تنظيم داعش الإرهابي.
وأكد العبادي في تصريحه: أن «عودة مسجد النوري ومئذنة الحدباء إلى الأمة تعتبر إيذانا بنهاية دولة (داعش) الباطلة». وشارك رئيس الوزراء العراقي في عدد من الصور الميدانية الملتقطة هناك، بما في ذلك الكثير من الصور بجانب مئذنة الحدباء الشهيرة التي يعود تاريخ بنائها إلى 850 عاما مضت. وتبدو تلك المئذنة المهدمة رمزا مناسبا للعراق اليوم، أي الأمة المنهكة من عقود من الطغيان والحروب. والسؤال المطروح هو: هل من شأن العراق الأحدب أن يعاود الاستقامة مرة أخرى؟ بعبارة أخرى، هل بالإمكان منح الشعب العراقي الفرصة لبناء مستقبل أفضل لبلادهم؟
قال نائب رئيس الوزراء إياد علاوي في حديث أجري معه في أبريل (نيسان) الماضي: «إن تحرير الموصل يمثل الميلاد الجديد للعراق التعددي، وغير الطائفي. ولا بد أن نعمل جميعا وسويا على تحقيق هذه الغاية».
ولم يشتمل خطاب العبادي المنتصر في الموصل على أي إشارة إلى التحركات المستقبلية باستثناء مواصلة تتبع بقايا عناصر «داعش»، وكما هو مفترض، خلايا التنظيم النائمة في مختلف أرجاء العراق، وربما أيضا، في سوريا. والعبادي محق في إبلاغ الشعب العراقي أنه على الرغم من القضاء على الخلافة الوهمية فإن القتال ضد التنظيم الإرهابي لم ينته بعد. ويتساءل الكثير من المواطنين العراقيين عما يمكن للتنظيم الإرهابي فعله بعد ذلك؟
ووفقا للتقارير الصادرة عن أجهزة الاستخبارات العراقية، يقول علاوي إن «داعش» افتتح بالفعل قناة للحوار مع «القاعدة»، أو التنظيم الأم الذي انبثق عنه أول الأمر، بشأن إمكانية الاندماج أو على أدنى تقدير تنسيق الجهود على المستويات التكتيكية أو العملياتية. ويتقاسم محللو الاستخبارات الأميركية والبريطانية هذه الرؤية مع الجانب العراقي بصورة جزئية، والذين يتحدثون عن وجود حالة من المناقشات المكثفة داخل الحركات العالمية المتشددة بشأن الاستراتيجية المستقبلية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود طفل «القاعدة» في العراق، فإن «داعش» تمكن من وضع استراتيجيته الخاصة للعمل. ولم يكن تنظيم القاعدة مهتما قط ببسط السيطرة على الأراضي وتعلم أن يتعايش تحت حماية الآخرين، مثالا بالحكومة التي تسيطر عليها حسن الترابي في السودان في أوائل التسعينات، وإمارة طالبان في أفغانستان حتى عام 2001، ومنطقة القبائل في جنوب وزيرستان فيما بعد. ولقد ركز تنظيم القاعدة جُل جهوده على محاربة «العدو البعيد» بما في ذلك شن الهجمات المروعة على الولايات المتحدة.
وعلى النقيض، فإن «داعش» قدم نفسه للعالم بصفته دولة لها حدود متميزة، ونظام اقتصادي، وجيش عامل، وإدارة نافذة. وكان تركيز التنظيم الإرهابي على إزالة «العدو القريب»، بما في ذلك الأقليات غير المسلمة أو «المسلمين المرتدين» الذين لا بد من القضاء عليهم ذبحا وتقتيلا. وكانت الهجمات التي شنها «داعش» في أوروبا والولايات المتحدة من قبيل العمليات المرحلية المخصصة، والتي كانت تنشأ في غالب الأحيان عن بعض من الذئاب المنفردة الخاضعة لإشراف أو إلهام التنظيم، أو التي يعلن التنظيم مسؤوليته اللاحقة عليها.
وعلى الرغم مما تقدم، فإن الأرجح أننا سوف نشهد إعادة لتنظيم الحركات المتشددة. وفي واقع الأمر، فإن تلك الحركات تشبه دمية «ماتريوشكا» الروسية، وهي الدمية التي تخرج منها دمية أخرى، وأخرى... وهكذا. والدمية الكبرى الخارجية تتألف من إعادة صياغة التطرف الإسلاموي على نحو ما حدث في مصر في القرن التاسع عشر. والدمية الثانية الأصغر حجما نشأت أيضا في مصر في بدايات القرن العشرين في صورة تشكيل جماعة الإخوان المسلمين وفرعها الشيعي المعروف باسم «فدائيي الإسلام» في إيران، التي كان آية الله الخميني أحد أول وأبرز أعضائها. وفي ستينات ثم سبعينات القرن الماضي، انبثقت دمى أصغر حجما في صورة تنظيم الجماعة الإسلامية، وجماعة التكفير والهجرة، ثم تنظيم القاعدة في وقت لاحق.
يميل الخطاب العراقي الرسمي إلى التغافل عن هذه الخلفية التاريخية الحقيقية، ويحاول التعزيز من فكرة أن «داعش» ليس إلا مجرد انحراف عن جادة الصواب سرعان ما سوف يتلاشى إلى غياهب النسيان.
ومع ذلك، سوف يقع المسؤولون العراقيون في خطأ فادح إذا ما قللوا من تأثير الآيديولوجيا القوية، وإن كانت مضللة، والتي تعيش وتتغذى على المظالم الاجتماعية الحقيقية أو المتوهمة. فلا يجب على المرء أبدا أن ينسى أن «داعش» تمكن من السيطرة على مدينة بحجم الموصل، مستعينا بما لا يزيد على بضع مئات من المقاتلين الموالين، ذلك أن دعواه جذبت حفنة من الأتباع والأنصار في المدينة، كانت الحفنة صغيرة ولكنها مهمة. ونظرا للوحشية المفرطة والغطرسة اللاإنسانية في التعامل مع الناس، فقد «داعش» الكثير من هذا الدعم والتأييد. ولكن ظروف الاستياء العرقي والكراهية الطائفية التي هيأت لتلك الحفنة من الأنصار بيئة النشوء والنمو لا تزال قائمة. وبالتالي، فإن أسوأ ما يمكن فعله هو تصوير تحرير الموصل بأنه انتصار طائفي وليس وطنيا.
ومن شأن تغيير الخطاب السياسي إلى جانب إدراج المفردات السياسية الجديدة أن يساعد على ضبط السياسة العراقية على المسار الجديد في مرحلة ما بعد تحرير الموصل. يقول مسعود وزيري، الباحث في الشؤون العراقية: إن «الخطاب السياسي السائد في العراق يمالئ الطائفية وتجري مناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية بصورة دينية حصرية. وهذا الأمر، في حالة العراق الذي يعاني من كثرة الطوائف، يعني اتخاذ الموقف الطائفي في كل حالة أو مسألة».
والمخرج من ذلك، كما يقول الباحث العراقي، سوف يكون عن طريق الحوار الوطني المباشر نحو القضايا الراسخة والملموسة، مثل إعادة إعمار البلدات والقرى التي تهدمت على مدى العقدين الماضيين في البلاد. وخلال العامين الماضيين، استعادت الحكومة العراقية السيطرة على الكثير من المدن التي كانت تحت سيطرة تنظيمي القاعدة و- أو «داعش» لفترات مختلفة من الوقت. ورغم ذلك، لم يحدث أي شيء تقريبا فيما يخص مساعدة هذه البلدات والمدن، مثل الفلوجة، والرمادي، والحديثة، والعنة، وتلعفر، وتكريت، في تجاوز صدماتها الشديدة والبدء في جهود إعادة الإعمار الجادة.
وفي واقع الأمر، ووفقا للكثير من السكان، ولا سيما في مدينة الفلوجة، حدث العكس تماما. واستنادا إلى الاعتبارات الأمنية، فلقد وضعت بغداد هذه المدن المحررة في مأزق أمني لا تحسد عليه. فإن اللوائح البيروقراطية المتشددة تحول بين المواطنين وبين حصولهم على التصاريح اللازمة لإعادة بناء منازلهم وافتتاح شركاتهم وأعمالهم. وبفضل الكثير من نقاط التفتيش الموزعة هناك، فإن الانتقال من وإلى بغداد أصبح يشبه الرحلة نحو الجحيم، ويحول ذلك دون استيراد السلع والبضائع المخصصة للاستهلاك اليومي والمواد اللازمة في إعادة البناء. ووفقا إلى السكان كذلك، على الرغم من وقوع عدد قليل من حوادث الانتقام على أيدي الأشخاص الذين يشتبه في تعاطفهم مع تنظيمي القاعدة و- أو «داعش»، فهناك ظلال قاتمة من الشكوك باتت تحوم حول السكان المحليين كافة. ولقد حال ذلك دون إحياء السلطات المحلية وتقاسم فرص العمل بين السكان. وفي بعض الحالات، لا يزال اللاجئون من البلدات والقرى فيما يعرف بالمثلث السني في انتظار السماح لهم بالعودة إلى منازلهم. وفي بعض الحالات أيضا، يطلب من الناس إبراز الوثائق التي يستحيل تقديمها بسبب فقدانها أو تدميرها خلال أكثر من عشر سنوات من الحرب وأعمال العنف المستمرة. وحتى توزيع المساعدات الإنسانية التي تقدمها أغلبها الدول الأجنبية أو المنظمات غير الحكومية يتم بطريقة تعكس الأفضلية الطائفية و- أو الارتياب. ووفقا لبعض السكان، وفي بعض الحالات، ظهرت وانتشرت الرشوة وغيرها من أشكال الفساد في المسائل المتعلقة بالسلطات المركزية. ويرغب السكان الذين تحدثنا معهم من الحكومة في بغداد تسريع الإجراءات البيروقراطية للسماح للناس بإعادة بناء منازلهم، وافتتاح أعمالهم، وانتخاب المجالس البلدية بأسرع وقت ممكن. والأهم من ذلك، لا بد من تحديد تاريخ معين لعودة السكان المشردين داخليا إلى بلداتهم وقراهم. ولسوف يستلزم ذلك وضع خطة عامة تتلقى الأسر العائدة بموجبها الإعانات المالية التي تساعدهم على البدء في حياتهم من جديد. ومن شأن بغداد المساعدة على وضع حد للعمليات التي يصفها السكان المحليون بالاستفزازية. وتشتمل على نشر صور المرشد الإيراني علي خامنئي إلى جانب رايات «حزب الله» اللبناني، فضلا عن الأدبيات الطائفية التي يتم إنتاجها في طهران أو بيروت. وينبغي على السيد العبادي، عند مرحلة ما، عقد حوار جاد مع القيادة في طهران بشأن وضع الخطوط العامة المؤطرة للعلاقات العراقية – الإيرانية؛ إذ يستنكر قطاع كبير من المواطنين العراقيين حقيقة أن هناك جزءا من المؤسسة الإيرانية يتعامل مع العراق من واقع أنه صار محمية إيرانية إن لم يكن مستعمرة حقيقية. على سبيل المثال، توقفت خطوط الطيران الإيرانية من السفر إلى مدينة النجف بسبب أنها تريد إعفاءها من سداد ضرائب المطار هناك. يقول السيد العبادي، إنه لن يسمح بحال من الأحوال بتخفيض درجة العلاقات مع إيران. ومع ذلك، فإن ذلك لا يعني بالضرورة منح إيران حق التدخل الكامل في الشؤون العراقية. ومثل هذا التدخل السافر بلغ حد الإشراف الإيراني على إقامة الهيكل المرجعي الموحد للمسلمين السنة في العراق!
وتعتزم الكثير من الشخصيات الدينية والسياسية والعشائرية في العراق عقد مؤتمر عام في وقت لاحق من الشهر الحالي في العاصمة بغداد لصياغة آلية محددة بشأن العمل السياسي الموحد في ظل الدستور الديمقراطي الحالي في العراق. ورغم ذلك، تحاول طهران، من خلال رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وغيره من الحلفاء الشيعة، تقسيم الصفوف السنية في العراق من خلال الترويج لعقد مؤتمر منافس.
والموقف الغامض الذي تتخذه طهران قد أسفر عن انقسام واضح حتى في صفوف الجماعات الشيعية العراقية الموالية لإيران. وفي حين أن المالكي يدير حملة لعرقلة انعقاد المؤتمر السني المشار إليه، فإن هناك زعماء شيعة آخرين، ومن أبرزهم عمار الحكيم، تبنوا لهجات أكثر تصالحية. ومقتدى الصدر، الذي صار اقترابه من طهران موسميا، يبدو منتهجا موقفا أقل عدائية من إنشاء المرجعية السنية العراقية. ومن المهم أن تظل الانقسامات الطائفية العراقية تحت السيطرة بدلا من السماح بوجود انقسامات جديدة داخل المجتمع المنقسم على نفسه بالفعل. ولقد لمح رئيس الوزراء والرئيس العراقي فؤاد معصوم إلى ضرورة إصدار عفو عام في إطار خطة أوسع للمصالحة الوطنية.
وخلال العامين الماضيين، ألقي آلاف الأشخاص من البلدات والقرى المحررة في غياهب السجون أو ظلوا قيد الاعتقال الفعلي في معسكرات خاصة. وتقول السلطات في بغداد إنه يتعين عليها اتخاذ التدابير الوقائية للتخلص من المقاتلين المحتملين أو المتعاطفين مع تنظيمي «داعش» أو «القاعدة»، والذين قد يحاولون تشكيل أو تعزيز الخلايا النائمة في أنحاء البلاد كافة.
ومع تحرير الموصل، تحتاج بغداد إلى اتخاذ موقف واضح حيال القضية التي تؤثر على الكثير من العائلات والعشائر في المحافظات المضطربة. وتتمثل المهمة الأكثر إلحاحا بقدر ما يتعلق الأمر بمدينة الموصل في إبقاء الغوغاء قيد السيطرة. ولقد نما إلى علم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود جماعات غامضة توزع رسائل ليلية في الموصل تهدد فيها بالانتقام ضد المتعاطفين الحقيقيين أو المتوهمين مع تنظيم داعش. ومن بين سكان الموصل البالغين نحو 1.8 مليون نسمة، لا يزال نصفهم تقريبا في المدينة أو ضواحيها، بما في ذلك مخيمات اللاجئين. وحيث إن الحكومة العراقية لم تفلح في اتخاذ قرار واضح بشأن وضعية 400 ألف لاجئ من القرى والبلدات السنية، فإن المهمة المقبلة تبدو أكثر تعقيدا وصعوبة. وذكرت بعض المصادر في العاصمة بغداد، أن الحكومة تعمل على دراسة خطة تهدف إلى تقسيم السكان النازحين بين ثلاث فئات. وأكبر هذه الفئات تتألف من ضحايا تنظيمي «داعش» والقاعدة من قبل والذين ساعدوا على إعادة التوطين السريع إلى منازلهم وإعادة بناء حياتهم. والفئة الثانية سوف تتألف من بضعة آلاف من الأشخاص الذين تعاونوا بشكل صريح مع «داعش» استغلالا للظروف والمصالح الخاصة من دون تبني أي تقارب آيديولوجي مع فكر التنظيم الإرهابي.
وتكمن الفكرة من عدم تكرار خطأ اجتثاث البعث التي أثرت بصورة سلبية كبيرة على مئات الآلاف من المواطنين، بما في ذلك الموظفون الذين اشتدت الحاجة إليهم، في فترة ما بعد سقوط نظام صدام حسين. وفي الفئة الثالثة والأخيرة سيكون هناك بضع مئات من الأشخاص المهتمين بالمشاركة الفاعلة في العمليات الإجرامية بالنيابة عن تنظيم داعش.
ورغم ذلك، ليس من المؤكد أن حكومة العبادي، والتي تضم التحالف الضعيف المهترئ، سوف تكون قوية بما يكفي لتنفيذ مثل هذه السياسات المثيرة للكثير من الجدل، وذلك هو السبب في أن الكثير من العراقيين يعتقدون أن البلاد في حاجة إلى إجراء انتخابات مبكرة لتقرير مسار الأمة فيما بعد تحرير الموصل على الصعيدين المحلي ومجالات السياسة الخارجية. ولقد أخبرنا السيد علاوي قائلا: «لا بد من وجود حكومة جديدة ذات سلطات جديدة من أجل بداية جديدة».
ويحتاج العراق إلى وضع استراتيجية جديدة لمواجهة الأنواع الجديدة من التهديدات من التحالف المحتمل للجماعات الإرهابية التي سوف تعمل بأشكال جديدة. كما يحتاج العراق إلى وضع سياسات جديدة لرأب صدع الانقسامات الطائفية في حين يجري التعامل المباشر مع الخطط الكردية لعقد الاستفتاء على الاستقلال. والعراق في حاجة أيضا إلى ضخ استثمارات أجنبية ضخمة ودعم تكنولوجي ومنطقي لإعادة بناء المحافظات الممزقة. إن استعادة الحد الأدنى من الخدمات العامة في الموصل وحدها سوف يكلف أكثر من مليار دولار، وفق تقديرات الأمم المتحدة. في هذا السياق، سوف تحتاج الولايات المتحدة، ذات الوجود الفعلي والحاضر في العراق من الناحية العسكرية، إلى رفع مكانتها السياسية أيضا. وتحظى الولايات المتحدة باتصالات قوية مع الأطراف كافة في العراق، بما في ذلك الوسطاء والميسرون في الطوائف العرقية والدينية. كما يمكنها قيادة الجهود الدولية لإعادة إعمار العراق، وربما في وقت لاحق، إعادة إعمار سوريا كذلك في معرض الجهود الكبرى لإعادة الإعمار التي يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
قد لا تستقيم مئذنة الحدباء قائمة مرة أخرى. ولكن العراق الكسير قد يقف مستقيما مرة أخرى.



حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.