سليم الرياحي أبرز أهداف «الحرب على الفساد»

لعبة المال والرياضة والسياسة في تونس

سليم الرياحي أبرز أهداف «الحرب على الفساد»
TT

سليم الرياحي أبرز أهداف «الحرب على الفساد»

سليم الرياحي أبرز أهداف «الحرب على الفساد»

فاجأت رئاسة الحكومة التونسية الرأي العام الشعبي والدولي مجددا بسلسلة من قرارات المُصادرة والإيقاف التي شملت شخصيات اتهمتها بالضلوع في التهريب وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع ضمن ما وصفته بـ«الحرب الشاملة على الفساد». وأحدثت هذه الحملة صدى إعلامياً وشعبياً كبيراً، لأنها لم تقتصر على بعض كبار المتهمين بالضلوع في التهريب وفي التهرب من الضرائب، بل شملت أيضاً شخصيات مالية واجتماعية وسياسية بارزة. وكانت المفاجأة أن بين من وصفهم الإعلام بـ«الحيتان الكبيرة» رجال أعمال يلعبون منذ سنوات دوراً في الصف الأول على رأس أكبر الأندية والجمعيات الرياضية والأحزاب السياسية مثل سليم الرياحي رئيس النادي الأفريقي الفائز بكأس تونس لكرة القدم هذا العام، وشفيق جراية أحد أبرز مموّلي النادي الصفاقسي، وياسين الشنوفي المرشح السابق لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2014 وأحد المقرّبين من أصهار الرئيس الأسبق لتونس قبل ثورة 2011 زين العابدين بن علي، والنجم التلفزيوني سمير الوافي.
مرة أخرى تقترن ما دُعيت «الحملة على الفساد في تونس» بما يسمى بـ«لعبة المال والرياضة والإعلام والسياسة»... وهو ما ذكّر المراقبين بصراعات مماثلة على المواقع ومراكز النفوذ شهدتها تونس طوال السنوات الـ60 الماضية، وأخرى فجّرتها بحملة المصادرة لأملاك مئات من أفراد عائلات الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وعدد من وزرائه.

أصغر مرشحي الرئاسة
كان رجل الأعمال الشاب سليم الرياحي، ابن الـ44 ربيعاً، الذي عاد إلى تونس من ليبيا قبل نحو سنتين من سقوط حكم بن علي في تونس وحكم معمر القذافي في ليبيا عام 2011، شخصية غير معروفة بالمرة في بلده... لا سياسياً ولا مالياً ولا إعلامياً. وكل ما يورده القضاة والمحامون القدامى عنه هو أن والده محمد الرياحي فرّ بعائلته من تونس إلى ليبيا خلال عقد السبعينات من القرن الماضي، وذلك بعد سنوات من ممارسة مهنتي القضاء والمحاماة.
وفي ليبيا، حسب المعلومات المتوافرة، ارتبط محمد الرياحي بسرعة بعلاقات متطورة مع مقرّبين من القذافي إلى أن عيّن على رأس جبهة سياسية قومية عربية معارضة لنظام الحبيب بورقيبة تعمل داخل الأراضي الليبية كانت ترفع شعار «تحرير تونس من عملاء فرنسا والاستعمار الجديد».
في المقابل، يتهم خصوم الرياحي، والد سليم، بالفرار من تونس بسبب ملاحقات قانونية في قضية حق عام. غير أن سليم الرياحي نفسه أورد أن من بين أسباب فرار والده وعائلته إلى ليبيا في أواخر عهد الزعيم الأسبق الحبيب بورقيبة مواقف سياسية.
ولكن فجأة، بعد ثورات «الربيع العربي» وانطلاق حمى المعارك السياسية والانتخابية والاضطرابات الأمنية والاجتماعية في كل من تونس وليبيا... سطع نجم سليم الرياحي.
لمع سليم الرياحي فجأة في المشهد السياسي التونسي ضمن أصغر المرشحين لانتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 مع ثلة من رفاقه الذين أسّس معهم ما عرف باسم الحزب الوطني الحر. يومذاك لم يتوقع أحد أن يفوز الرياحي وحزبه بالمرتبة الثالثة في انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية، مباشرة بعد حزب «نداء تونس» بزعامة الرئيس الباجي قائد السبسي و«حركة النهضة» الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي.
وكان الحدث أن نجح الزعيم السياسي والرياضي الشاب في تصدّر المشهد الإعلامي والحزبي والبرلماني والرياضي الوطني ومنافسة القيادات السياسية التاريخية للنظام القديم وللمعارضة السابقة مثل وزير الخارجية والدفاع الأسبق كمال مرجان زعيم حزب «المبادرة»، وأحمد نجيب الشابي زعيم الحزب الجمهوري، وحمّة الهمامي زعيم اليسار الراديكالي، ومصطفى بن جعفر زعيم المعارضة الليبرالية الوسطية.

باب التمويل السياسي
إلا أن الصعود السريع الكبير لسليم الرياحي فتح، منذ 2011، جدلا في وسائل الإعلام وصنّاع القرار حيال ملف «المال السياسي»، وذلك وسط تباينات في تقييم ظاهرة تداخل فيها مبكراً المالي والرياضي بالسياسي. واختلفت المواقف بين مساند ومعارض لحق ملياردير شاب عاد إلى تونس فجأة بمنافسة الزعماء والأطراف السياسية الكبيرة و«بارونات» المال والرياضة والأحزاب والنقابات.
بل لقد برز الرياحي، الملياردير المثير للجدل، في موقع ذكّر ساسة تونس وإعلامييها بظواهر مماثلة في أوروبا مثل رئيس الحكومة الإيطالي ورجل الأعمال المثير للجدل سيلفيو برلوسكوني – مالك نادي آ سي ميلان لكرة القدم - أو السياسي ورجل الأعمال الفرنسي برنار تابي الذي امتلك بجانب مواقعه السياسية نادي أولمبيك مرسيليا الرياضي.
وكانت النتيجة أنه رغم ما تميز به سليم الرياحي من كرم مالي مبالغ فيه على أنصاره وعلى المشاركين في اجتماعاته الانتخابية وحملاته الإعلامية، فشلت قوائم حزبه في توظيف الإنفاق السخي انتخابياً في 2011. إذ انتزع حزبه مقعداً يتيماً وهامشياً في البرلمان الانتقالي الذي شُكّل بعد تلك الانتخابات، وعرف بـ«المجلس الوطني التأسيسي».
بل لقد دأبت المواقع الاجتماعية والبرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية على التهكم على الرياحي الذي قيل في 2011 إنه أهدر ملايين الدولارات من أجل مقعد واحد من بين 217 حصل عليه بـ«الإسعاف» بفضل نظام الاقتراع التونسي الذي يسمح للأحزاب الصغيرة وقوائم المستقلين بالفوز ببعض المقاعد بفضل نظام المزج بين نظامي الغالبية والنسبية.

الآلاف في الشوارع
مع هذا، وعلى الرغم من الاتهامات والتهكم، لم ينسحب الرياحي من اللعبة السياسية، بل اقتحم بسرعة عالم الرياضة وتقدّم إلى غرفة قيادة أحد أعرق الأندية الرياضية التونسية منذ 1920... النادي الأفريقي، الذي يعد فريقه الكروي «الأحمر والأبيض» أحد القطبين الكرويين التقليديين في تونس العاصمة مع نادي الترجي الرياضي.
وفي وقت قياسي وظف الرياحي الأزمة المالية للنادي العريق وتسلّم منذ 2012 رئاسته مستفيدا من دعمه المالي السخي للاعبيه وهيئته المديرة ومن شائعات قد تكون مضخمة عن ثروته وعن تنقلاته على متن طائرته الخاصة بين مؤسساته المالية والاقتصادية في تونس وفي العالم أجمع.
وبالرغم من حملات التشكيك في شرعية الشاب الذي احتل بسرعة كراسي متقدمة في عالم الرياضة والمال والسياسة، نجح الرياحي في تجنيد عشرات الآلاف من أنصار فريق النادي الأفريقي في مسيرات وتجمعات ضخمة في الشوارع تهتف باسمه وباسم فريقهم الذي كان منذ حوالي قرن المنافس الشرس لنادي الترجي.
وصعدت شعبية الرياحي سياسياً وإعلاميا مراراً، ثم تقلبت بالتوازي مع نتائج فريق النادي الأفريقي خاصة عندما تعلق الأمر بمقابلات «الديربي» المحلي المنتظرة مع الترجي في العاصمة، أو لقاءات القمم الكروية مع فرق الأندية العريقة خارج العاصمة مثل النجم الرياضي الساحلي (في مدينة سوسة) والنادي الرياضي الصفاقسي (مدينة صفاقس).

أموال أبناء القذافي؟
وقد أطنب خصوم سليم الرياحي، من التونسيين والليبيين، في طرح علامات استفهام حول سر الثراء الكبير الذي نسب إليه وصعوده بنسق سريع إلى مواقع صنع القرار. وزعمت بعض هذه الأوساط أن مصدر أمواله كان صفقات قديمة مع بعض أبناء الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي منذ كان طالباً في جامعة طرابلس، ثم بعد سفره إلى بريطانيا مع بعضهم لإكمال دراساتهم واستثمار أموالهم أو «تبييضها».
كذلك ادعى بعض خصوم الرياحي وجود علاقات خاصة مزعومة له مع معتصم القذافي، الرجل الأقوى بين أولاد الزعيم الليبي الراحل، الذي قتل في معارك طرابلس خلال صيف 2011. وكانت استهدفت المعتصم قوات الحلف الأطلسي (ناتو) والثوار المسلحون على حكم والده لأنه كان القائد العام - بعد والده - لكل الأجهزة الأمنية والعسكرية والفرق المختصة في النظام الليبي المنهار.
هذه الرواية عن مصدر ثروة سليم الرياحي تفسّر استهدافه منذ 2012 بعدد من القضايا العدلية التي رفعها نشطاء وسياسيون ليبيون مرارا ضده أمام المحاكم التونسية والدولية. ولقد روّج هؤلاء ضده حملات إعلامية للطعن في مصداقيته، ولا سيما اتهامه بتهريب جانب من أموال المعتصم القذافي من بريطانيا وسويسرا إلى بنوك دولية عديدة بينها البنوك التونسية. غير أن السياسي ورجل الأعمال والرياضة الشاب كان دوماً يكذّب خصومه، ويردّ باتهامهم بمحاولة الطعن في مصداقيته والإساءة إليه لسرعة نجاحاته وزحفه السريع نحو الصدارة في عوالم المال والأعمال والرياضة ومؤسسات الدولة.
الحقيقة، أن سليم الرياحي لم ينكر مطلقاً علاقاته المتطورة السابقة بأبناء العقيد معمر القذافي داخل ليبيا وخارجها... لكنه يفسّر مصدر ثرائه باستثمارات ناجحة قام بها في أوروبا مع شركاء ليبيين وأجانب. ويؤكد دائماً أن سر نجاح تلك الاستثمارات رهانها المبكّر على اقتصاد الخدمات وعلى الوساطات المالية والاقتحام المبكر للاقتصاد الرقمي في مؤسسات بريطانية وسويسرية وأوروبية وعربية. كذلك يفسّر الرياحي نجاحاته المالية في تونس برهانه على المؤسسات التصديرية المعفية من الضرائب والتي تعتمد رؤوس الأموال بالعملات الأجنبية. وهو يعتبر أنه ينبغي - بل، ويستحق - أن يكافأ لأنه جلب أموالاً إلى تونس عوض أن يهرّب الأموال... مثلما يفعل كثرة من المستثمرين.

انتخابات 2019
اليوم، تقول المصادر الحكومية التونسية إن قرار مصادرة أملاك سليم الرياحي، من عقارات وأرصدة وسيارات، تندرج ضمن الحملة التي تشنها منذ أسابيع حكومة يوسف الشاهد على المتهمين بالفساد المالي. وبين هؤلاء بعض نجوم السياسة والشاشات التلفزيونية مثل رجال الأعمال شفيق جراية وياسين الشنوفي ونجيب إسماعيل والإعلامي سمير الوافي، فضلا عن بعض الضباط الكبار في القمارق (الجمارك) والأمن، وكذلك من يوصفون بـ«أباطرة» التهريب على كل من الحدود الليبية التونسية والحدود التونسية الجزائرية، وبين هؤلاء من اتهم بالضلوع في تهريب أسلحة والاتجار غير المشروع فيها. لكن الرياحي صرح لوسائل الإعلام بأنه يساند الحملة الحكومية على الفساد والتهريب والتهرّب من الضرائب. ونزّه نفسه عنها، وأورد أنه يتعرّض مع النادي الأفريقي إلى مضايقات متعمدة لأسباب وصفها بالسياسية بعد تزايد حظوظه وحظوظ حزبه بلعب دور أكبر في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرّرة لعام 2019.
وفي المقابل، تتابع بعض وسائل الإعلام التونسية المقرّبة من الحكومة توجيه اتهامات خطيرة للرياحي وتبرّر قرار مصادرة أملاكه وملاحقته قانونيا بتهمة تبييض الأموال المهرّبة. وهي تهم – كما سبقت الإشارة – ينفيها الرياحي بقوة، ويستدل على ذلك بكونه أودع الأموال التي جلبها من الخارج في البنوك التونسية ولم يستثمرها في المسالك الموازية، كما يفعل المهرّبون والمتهمون بالفساد. كذلك يورد أن التبعات الحالية تستهدفه لأنه أسس مع بعض المعارضين «جبهة للإنقاذ» السياسي طالبت بتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها، ودعت إلى تمزيق «وثيقة قرطاج» التي وقّعتها غالبية الأحزاب السياسية والنقابات قبل سنة بحضور الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، وأدّت إلى تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» الحالية التي شاركت فيها 7 أحزاب ليس بينها حزبه الحزب الوطني الحر.
من جهة ثانية، تعرّض الرياحي قبل أسابيع لاتهام من قبل برهان بسيس، مدير المكتب السياسي لحزب الرئيس قائد السبسي، بأنه «قام بتحركات مشبوهة توحي بالتآمر على أمن الدولة». وكان من بين التهم الموجهة للرياحي أنه وحليفه السابق محسن مرزوق، زعيم حزب «مشروع تونس» المنشق عن حزب الرئيس، عقد لقاءً سرياً في أوروبا مع شخصيات عربية تتهمها وسائل إعلام تونسية بأنها تنتمي إلى كتل مناوئة للتغيير السياسي ومعادية لـ«الإسلام السياسي».
إلا أن من بين ما يلفت الانتباه انسحاب حزب محسن مرزوق من «جبهة الإنقاذ» التي شكلها مع الرياحي وفتحه مجددا قنوات حوار مع حزب «نداء تونس» ومؤسسات الحكم، وخاصة مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد. واعتبر المراقبون تغير موقف حزب مرزوق، الذي هو صاحب الكتلة الثالثة في البرلمان، تنصلا من الرياحي، حليف الأمس في «جبهة الإنقاذ»، لأسباب عديدة من بينها دعواته الأخيرة المتعاقبة إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة وتشكيل حكومة تكنوقراط ليس فيها ساسة من الحزبين الكبيرين في البلاد: حزب «نداء تونس» بزعامة الرئيس قائد السبسي ونجله حافظ ورئيس الحكومة الشاهد، و«حركة النهضة» بزعامة الغنوشي التي لديها أكبر كتل البرلمان.
ولعل من بين ما زاد تعقيد ملف سليم الرياحي وشركائه الداعين إلى «القطيعة» مع حكومة «الوحدة الوطنية» الحالية تزايد شعبية هذه الحكومة منذ إعلان حربها الشاملة على الرشوة والفساد وتبييض الأموال. ويمكن أن تؤدي هذه المستجدات إلى تعديل كبير في الحكومة يسفر عن إسناد الغالبية الساحقة من المقاعد إلى حزبي «النداء» و«النهضة» وإبعاد الأحزاب الصغيرة وبينها حزب الرياحي... تحضيراً للانتخابات البلدية العامة المقررة لشهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
في أي حال، قد تتنوّع الصراعات في المرحلة القادمة في تونس، سواءً تواصلت الحرب التي تقودها الحكومة على الرشوة والفساد والتهريب أم توقفت. وفي كل الحالات، أيضاً، قد يجد مزيد من رموز المال والسياسة والرياضة والإعلام أنفسهم في قفص الاتهام بعدما تخلى عنهم «حلفاء الأمس» القريب...



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.