السيدة الأربعينية لم تصدق عينيها عندما قدم لها طفل بعمر 12 سنة ضيافة سيجارة، لتهدئة توترها بسبب ملاسنة مع ميكانيكي تسبب بعطل جديد في سيارتها بدل إصلاحها. الطفل الذي يعمل في المحل المجاور بحي الفحامة الدمشقي، تدخل ليهدئ السيدة ويمنع الشجار فدعاها إلى الجلوس، ثم استل سيجارة من جيب قميصه وقدمها لها مع قول: «لا يهمك مدام».
الحركة التي أذهلت السيدة هي ما جعلها تهدأ بسرعة وتنسى أمر سياراتها أمام مشهد لطفل ينفث الدخان، ويحدثها كما الرجال الكبار. تقول السيدة: إن «الموقف صدمها وعقد لسانها»، ولم تعرف كيف تتصرف مع طفل فقد والديه في الحرب، يعمل ليعيل أخواته البنات. تقول: «بدا لي أكبر مني لثقل الهم الذي يحمله».
تبين الأرقام الرسمية أن أعداد الأطفال السوريين المشردين تتزايد عاما بعد آخر، جراء الحرب. ويقدر ارتفاع أعداد الأطفال الذين يتم استغلالهم في العمالة بنسبة 40 في المائة استنادا إلى نسبة غير المتقدمين إلى امتحان التعليم الأساسي. في حين كانت نسبتهم 18 في المائة عام 2012.
ويمنع القانون السوري عمل الأطفال تحت سن 15 عاماً بأي عمل، ليسمح فقط بعمل بين 15 حتى 18 سنة ضمن شروط محددة، كما يمنع العمل بالأعمال الخطرة مثل الحجارة والنحت. لكن مئات الأطفال من أعمار ست سنوات إلى 15 سنة، وجدوا أنفسهم في سوق العمل جراء الحرب وفقدان المعيل وارتفاع الأسعار. وتتلقف الشوارع يوميا عشرات الأطفال المشردين ممن يتعيشون من التسول أو السرقة، وبحسب مصادر قضائية، بدأت تنتشر ظواهر عصابات «أولاد الشوارع». هناك العشرات ممن ولدوا خلال الحرب لم يتم تسجيلهم في النفوس، ومنهم تم تسجيله مجهول الأب؛ لأن والده مغيب أو محسوب على المعارضة، حيث لا تجرؤ أم المولود على التصريح بذلك خشية الاعتقال. ويشكل هؤلاء الأطفال شريحة آخذة في الاتساع في مناطق سيطرة النظام، فتراهم بكثافة في دمشق ينامون ليلا على الأرصفة وفي الحدائق العامة، وينتشرون نهارا في الساحات والأسواق المكتظة وعند إشارات المرور، منهم من يتسول، ومنهم من يبيع سلعا بسيطة.
يقول نذير، الذي يسكن في بيت يطل على حديقة الزاهرة، إنه منذ خمس سنوات اعتاد رؤية عشرات الأطفال ينامون في الحديقة، منهم مع عائلاتهم، وغالبيتهم من دون أهل. واسترعت انتباهه طفلة بعمر 14سنة تعيل أربعة إخوة أصغر منها، فتتسول لتطعمهم. الطفلة كبرت أمام عينيه خلال أربع سنوات وتحولت إلى «عفريته بلسان بذيء»؛ إذ كثيرا ما يراها «تبدي شراسة تفوق شراسة الذكور، وتتلفظ بكلمات نابية عندما تتعرض للتحرش من قبل الزعران».
ولا يعد هؤلاء الأطفال الذين يترعرعون في القاع المتوحش، ضمن قوائم الأطفال المتضررين من الحرب المشمولين بمساعدات الأمم المتحدة (اليونيسيف) إلى تسعة ملايين طفل سوري، منهم ست ملايين طفل داخل سوريا. وفي مبادرة لافتة أطلق مشروع «سيار» فعالية «أبناء الشمس» للفت الانتباه إلى أطفال الشوارع، في دمشق وريفها وحلب وطرطوس واللاذقية وحمص والسلمية، تحت رعاية «الهيئة السورية لشؤون الأسرة» وبالشراكة مع 14 فريقا ومؤسسة وجمعية ومنظمة لتكون فعالية سنوية تقام في الأول من يوليو (تموز) للفلت الانتباه إلى أطفال الشوارع المشردين والمتسولين وأطفال العمالة، ويتم في هذا اليوم إقامة أنشطة احتفالية وبرامج ترفيهية منوعة مسابقات ورسم على الوجوه، مع توزيع هدايا ألبسة ومأكولات... الخ.
ويعتبر الأطفال في سوريا الفئة الأكثر تضررا من الحرب، فعدا مقتل أكثر من 23 ألف طفل خلال ست سنوات، وخروج ما يزيد على 2.5 مليون طفل من العملية التعليمية، فإنهم كانوا الأكثر عرضة لكل أنواع الانتهاكات.
8:57 دقيقه
أطفال سوريون تائهون في الشوارع... ومخاوف من «جيل ضائع»
https://aawsat.com/home/article/968816/%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D9%87%D9%88%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%B9-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%88%D9%81-%D9%85%D9%86-%C2%AB%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D8%B9%C2%BB
أطفال سوريون تائهون في الشوارع... ومخاوف من «جيل ضائع»
أطفال سوريون تائهون في الشوارع... ومخاوف من «جيل ضائع»
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






