«كريستيان ديور» تحتفل بمؤسسها في معرض «مصمم الأحلام» بباريس

بمناسبة مرور 70 عاماً على تأسيسها وانطلاق ثورتها النسوية

كل المصممين الذين تعاقبوا عليها حافظوا على جيناتها واجتهدوا في تطويرها - جانب من المعرض الذي ينظمه «متحف الفنون الزخرفية» بباريس وتعرض فيه فساتين  من أرشيف الدار أو مستعارة من متاحف عالمية (تصوير: نيكولا ألان كوب) - أصبحت ورشاتها في «أفينيو مونتين» معلماً ومرادفة للحرفية والرقي - من تشكيلة ماريا غراتزيا كيوري الأخيرة من خط الـ«هوت كوتير»
كل المصممين الذين تعاقبوا عليها حافظوا على جيناتها واجتهدوا في تطويرها - جانب من المعرض الذي ينظمه «متحف الفنون الزخرفية» بباريس وتعرض فيه فساتين من أرشيف الدار أو مستعارة من متاحف عالمية (تصوير: نيكولا ألان كوب) - أصبحت ورشاتها في «أفينيو مونتين» معلماً ومرادفة للحرفية والرقي - من تشكيلة ماريا غراتزيا كيوري الأخيرة من خط الـ«هوت كوتير»
TT

«كريستيان ديور» تحتفل بمؤسسها في معرض «مصمم الأحلام» بباريس

كل المصممين الذين تعاقبوا عليها حافظوا على جيناتها واجتهدوا في تطويرها - جانب من المعرض الذي ينظمه «متحف الفنون الزخرفية» بباريس وتعرض فيه فساتين  من أرشيف الدار أو مستعارة من متاحف عالمية (تصوير: نيكولا ألان كوب) - أصبحت ورشاتها في «أفينيو مونتين» معلماً ومرادفة للحرفية والرقي - من تشكيلة ماريا غراتزيا كيوري الأخيرة من خط الـ«هوت كوتير»
كل المصممين الذين تعاقبوا عليها حافظوا على جيناتها واجتهدوا في تطويرها - جانب من المعرض الذي ينظمه «متحف الفنون الزخرفية» بباريس وتعرض فيه فساتين من أرشيف الدار أو مستعارة من متاحف عالمية (تصوير: نيكولا ألان كوب) - أصبحت ورشاتها في «أفينيو مونتين» معلماً ومرادفة للحرفية والرقي - من تشكيلة ماريا غراتزيا كيوري الأخيرة من خط الـ«هوت كوتير»

70 سنة مرت على تأسيس دار «ديور». تعرف جيدا أنها ليست بقدم الأهرامات مثلا، ومع ذلك تستشعر كما لو كانت كذلك. فهي هرم بالنسبة للفرنسيين، كما أن الجيل الجديد من عشاق الموضة فتحوا أعينهم وذائقتهم على أسلوبها. 70 عاما تختزل إرثا غنيا بدأه كريستيان ديور في عام 1947 بما أصبح يُعرف بالـ«نيو لوك» وطوره كل من تسلم المشعل من بعده، وهم 6 مصممين لحد الآن؛ من الراحل إيف سان لوران الذي تقول كتب الموضة إنه كان أصغر مصمم يتسلم مقاليد مؤسسة بحجم «ديور» إثر موت أستاذه المفاجئ في عام 1957، مرورا بمارك بوهان، وجيانفرنكو فيري، وجون غاليانو، وراف سيمونز، إلى ماريا غراتزيا كيوري التي أصبحت أول امرأة تدخل الدار بصفتها مصممة في عام 2016.
بهذا التاريخ المميز، يحتفل متحف الفنون الزخرفيّة بباريس من 5 يوليو (تموز) 2017 حتى 7 يناير (كانون الثاني) 2018؛ نظم معرضا شاملا يدعو فيه الزوار إلى خوض رحلة استكشافيّة تجمع الماضي بالحاضر بخيوط من الترف والإبداع. فـ«ديور» اليوم ليست مجرد دار أزياء عالمية؛ بل مؤسسة ثقافية تفتخر بها فرنسا كلها، وأسلوبها الرومانسي لا يزال يؤثر على أذواقنا وحياتنا بشكل أو بآخر. هذه الرومانسية قد تبدو جد مألوفة على يد مصممين شباب لا يزالون يغرفون من نبعها، إلا أنها في زمنها كانت ثورة بكل المقاييس.
فكريستيان ديور، كما يؤكد المعرض، لم يكن مصمما عاديا. صحيح أن شخصيته كانت هادئة، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بعملية الإبداع، كان يميل فيها إلى خض التابوهات، مدفوعا بحبه للمرأة من جهة؛ وتعامله مع الـ«هوت كوتير» بصفته فنا قائما بذاته من جهة أخرى. ولعل الـ«نيو لوك» أكثر ما يرتبط باسمه ويحدد مدرسته. وهو «لوك» لم يأت من فراغ أو تبخر فيه بعد موسم أو موسمين فقط. فقد كان ثورة أعادت للمرأة أنوثتها بعد أعوام طويلة من الحرب وما تطلبته من تقشف. عوض الأقمشة الخشنة التي كانت مستعملة طوال سنوات الحرب، استعمل أقمشة مترفة. وبدلا من متر أو مترين فقط، لم يبخل على القطعة الواحدة بأمتار طويلة أثارت عليه نقمة البعض. الرافضون كل الثورات استنكروا فعلته: كيف لهذا الفرنسي البورجوازي أن يسمح لنفسه بأن يقدم للمرأة كل هذا البذخ؟ هل يعيش في معزل عن الواقع ولا يعرف ما يجري من حوله؟
بالنسبة لعاشقاته كان هذا الاتهام أبعد ما يكون عن الحقيقة. فهو لم يكن يصمم بمعزل عما يجري من حوله، بل العكس تماما. عايش معاناة المرأة، وكان نعم المنصت لها. لم يُعجبه أن تضيع رومانسيتها بسبب حرب كانت من صنيعة الرجل وهو من شب في وسط يقدر الجمال. كانت طفولته سعيدة بين أحضان عائلة بورجوازية تعشق الطبيعة، الأمر الذي شكل شخصيته وأسلوبه في الوقت ذاته. لهذا نجد أن الطبيعة لا تزال جزءا من رموز الدار إلى اليوم. وتقول القصة إنه كان يساعد والدته على شذبها وغرسها والعناية بها في حديقة بيت العائلة في غرانفيل. وبما أن الطفل هو أبو الرجل، فإن حب الورود رافقه إلى مماته وورثه لخلفائه من بعد. كان يتفاءل بها فكانت تظهر دائما في عروضه وفي عطوره.
بالقدر نفسه الذي أغدق فيه الرومانسية والأنوثة على المرأة، بادلته هي الأخرى التقدير ولم تنس له جميله في إخراجها من حالة البؤس التي كانت تعيشها الموضة في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. فقد أتاح لها معانقة أنوثتها من جديد عندما أعاد لها خصرها الذي ضيعته التصاميم العملية والأقمشة الخشنة.
ورغم أن الموت غيبه بشكل مفاجئ إثر سكتة قلبية في عام 1957، فإن الدار أكملت مسيرته متقيدة بمبادئه؛ فقد عينت تلميذه الموهوب إيف سان لوران خليفة له آنذاك، ليكون أصغر مصمم يتولى قيادة الدار. لم يخيب آمال عشاق الموضة والإبداع الذين يتوقعون الجديد في كل موسم، لكنه أثار حفيظة زبونات الدار المخلصات بجموحه للتغيير. كان بإمكان امرأة «ديور» أن تغفر له جموحه هذا وتفسره على أنه فورة الشباب، وأن الزمن كفيل بترويضه، لكنها لم تستطع أن تغفر له أن يسرق منها خصرها ثانية. ما قام به أنه استقى تصميمه المثير للجدل «ترابيز» Trapèze، من مجموعة «كورولا» Corolla التي أبدعها أستاذه تكريماً منه لمفهوم «المرأة - الزهرة»، لكن نفذه بشكل عكسي، أي مقلوب... جاء الفستان منسدلا من الأكتاف إلى الركبة مبتعدا عن الخصر بشكل واضح. لم تمر التشكيلة مرور الكرام، كما يعرف كل متابع للموضة. وكما أثار إعجاب عُشاق الموضة والفنانين على أساس أنه كان سابقا لأوانه، أثار حفيظة زبونة «ديور» المخلصة للمؤسس. والنتيجة أنه لم يُعمر في الدار طويلا، إلا أنه أصبح جزءا من تاريخها، كما يؤكد المعرض.
مع اقتراب حلول فترة الستينيّات، كان قد فتح الأبواب أمام أسلوب «الموجة الجديدة» New Wave. هذه الموجة هي التي حددت عهد خليفته المصمم مارك بوهان. على العكس من إيف سان لوران لم يكن منجذبا نحو إحداث الصدمة وفرض نفسه بابتكار إطلالات قوية تخض المجتمع أو تطرح تساؤلات فكرية. كان يفضل الفخامة على كل هذا، ولم يخرج كثيرا عن النص الذي كتبه كريستيان ديور، مع أخذه بعين الاعتبار التغييرات الاجتماعية التي شهدتها حقبتا الستينات ثم السبعينات.
طوال سنواته الـ29 في الدار، قدّم بوهان مجموعات رائعة، تارة من خلال أسلوب «سليم لوك» Slim Look الذي يتميز بالبساطة والخطوط البعيدة عن أي مبالغات، أو بابتكاره شعار «ديور» الذي بدأت الدار باستخدامه على الإكسسوارات والأزياء في عام 1968. لكن لكل شيء نهايته، وفي أواخر الثمانينات تنحى عن عرشه وعينت الدار بديلا له هو الإيطالي جيانفرنكو فيري. اختيار إيطالي لقيادة مؤسسة فرنسية في 1989 أثار عاصفة إعلاميّة كبيرة في فرنسا. كيف تختار الدار مهندسا معماريا من ميلانو؟ هل قلت المواهب الفرنسية؟ وما شابه من تساؤلات واستنكارات.
لحسن الحظ أن جيانفرنكو فيري نجح سريعا في تذويب مقاومة الفرنسيين له بموهبته وقدراته الهندسية الفذة على تفصيل كل قطعة. كان مثل المؤسس يعشق الأحجام الهندسية والترف. والأهم من هذا جاء هذا الترف والتفرد في وقت كانت فيه الـ«هوت كوتير» في أمسّ الحاجة إليه مضادا أمام الهجمة التي تعرض لها هذا القطاع من قبل الأزياء الجاهزة. إعجابه بفن الباروك تحديدا منح الأقمشة الفاخرة والتصاميم المنسدلة والزخرفات المسرحيّة بُعدا جديدا استحضر أسلوب الراحل ديور وعشقه للفن والهندسة على سواء. وهكذا أفحم هذا المصمم الإيطالي معارضيه.
بيد أن كل ما حققه من نجاح وإثارة لا يقارنان بما حققه البريطاني جون غاليانو عند تسلم المشعل منه عام 1997، فقد عزز أنوثة الدار وارتقى بفنيتها لمرحلة غير مسبوقة من الرومانسية والدراما. لم يضاه حب المصمم البريطاني لتقمص الأدوار والشخصيات الدرامية سوى عشقه لاستكشاف ثقافات بعيدة؛ زمنيا وجغرافيا. أعاد في مرة من المرات الـ«نيو لوك» New Look الذي أسسه ديور في عام 1947 بلمسة ذات طابع يابانيّ. ومرة أخرى كرم مادلين ديور، والدة المؤسِّس، بجمعه الزي التقليدي لمحاربي الماساي بالأنسجة المخرّمة ومشدّات «الكورسيه» من القرن العشرين، ومرة ثالثة أخذنا إلى الحضارة الفرعونية... وهكذا. كانت موهبته فذة، كما كان صعب المراس لا يعرف الحلول الوسطى. للأسف لم تكن نهايته في الدار ودية، وغادرها فاتحا المجال لدخول راف سيمونز، الذي لم يكن الاختيار المتوقع.
فهو من الحركة المينيماليّة التي ترفع شعار «القليل كثير» بينما «ديور» قائمة على الفخامة والتفاصيل الباذخة. ما يُحسب له أنه كان متحمسا ويُدرك أنها فرصة العمر، لهذا غاص في أرشيف الدار وفهم جيناتها الرومانسية. ترجمته هذه الرومانسية تجسدت في آلاف الزهور التي كانت تستقبل الحضور في كل عروضه لتُذكر بعشق كريستيان ديور لها وتفاؤله بها. بعد 3 سنوات، استقال مفضلا أن يتفرغ لداره والابتعاد عن الأضواء. لم تتسرع الدار بتعيين خليفة له. كان مهما بالنسبة لها أن تتوصل إلى المصمم المناسب للزمن المناسب. وهكذا في عام 2016 اختارت أن تقودها امرأة لأول مرة. وبعد موسمين فقط، أكدت الإيطالية ماريا غراتزيا كيوري أنها كانت خيارا موفقا. أعطت الأنوثة معنى جديدا بإطلاقها ما أصبح يُعرف الآن في أوساط الموضة بـ«الحركة النسوية». مجموعتها الأولى تضمنت مثلا «تي شيرت» أبيض كتبت عليه قولا للروائيّة النيجيريّة شيماماندا نغوزي أديشي: «كلنا ناشطات نسويات». وصلت رسالتها سريعا إلى عاشقات الموضة في كل أنحاء العالم. لكنها وفي خضم هذه الثورة النسوية، لم تتجاهل إرث الدار؛ بل العكس طورته بلغة العصر؛ تارة بإضافتها أغطية للرأس على بدلات مفصلة أو أقنعة من الريش، وكأنها تريد أن تُذكرنا بالحفلات التنكّرية التي كان يقيمها أو يحضرها المؤسس، وتارة بإعادة صياغة تصميم جاكيت الـ«بار» المحدد عند الخصر، الذي كان سلفها راف سيمونز قد وسعه بعض السنتيمترات. وفي كل الحالات كانت الرسالة قوية تعكس الأحداث التي نعيشها. فكما أعاد كريستيان ديور للمرأة أنوثتها في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، نجحت ماريا غراتزيا كيوري في أن تعيد لها صوتها ورغبتها في الحفاظ على ما اكتسبته من حقوق.
فقد تختلف اللغة ومصادر الإلهام والوجهات وقصص الحياة، إلا أن الأساس لم يتغير، والنتيجة التي تستخلصها من المعرض أنه لا فرق بين الماضي والحاضر؛ فمنذ 70 سنة بدأت القصة بحق المرأة في الحفاظ على أنوثتها، والآن تنادي بحقها في التمسك بقوتها واستقلاليتها، أو هذا ما يؤكده على الأقل نحو 300 فستان تم تصميمها من 1947 إلى اليوم. أما في حال لم تكن هذه الفساتين كافية لتقدم قراءة وافية عن كل التطورات الاجتماعية والثقافية التي مرت بها المرأة، فإن لوحات فنية وصورا فوتوغرافية ومئات الرسومات والصور الوثائقية، والرسائل والملاحظات والوثائق الإعلانية، من شأنها أن تساعد في تسليط مزيد من الضوء على مسيرة دار أسسها رجل كان يحلم بأن يصبح مهندسا، وانتهي به الأمر أن يكون مصمما، مخلفا لنا إرثا لم نشبع منه بعد.
يقام المعرض في متحف الفنون الزخرفيّة The Musée des Arts Décoratifsبباريس من 5 يوليو 2017 حتى 7 يناير 2018.



جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.


المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
TT

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)
6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

بين جُدران دار «الضمانة» التاريخية في طنجة، تظهر ست نساء بملامح مختلفة، لكن بحضور واحد: حضور الفاعل لا الموضوع. هكذا اختارت المصممة كنزة بناني ومؤسسة دار «نيو طنجير» New Tangier أن تقدم مجموعتها الجديدة «ري أوريانتد»، محاولة إعادة توجيه النظرة التي رسمت صورة المرأة الشرقية عموماً والمغربية الأمازيغية، خصوصاً لفترات طويلة. اختارت في تصويرها أسلوباً يستعيد تكوينات اللوحات الاستشراقية، لكن بروح معاصرة ونظرة تعيد للمرأة موقعها كذات فاعلة.

6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

كان مهماً بالنسبة لكنزة أن تطلق هذه المجموعة في مدينة طنجة. فهذه مدينتها التي تعرف كل تفاصيلها، التاريخية والاجتماعية والثقافية. أما العنوان الذي أطلقته عليها فله معنى واحد، وهو إعادة النظر في الصورة النمطية التي رسمها الاستشراق للمرأة، وغالباً ما ركزت على الجسد والزينة. كانت تلبي توقعات المتلقي الغربي «مع أنها كانت بعيدة عن الواقعين الاجتماعي والثقافي للمرأة»، وفق رأيها.

كل تفصيلة تعكس مغرباً معاصراً يجمع الأصالة بالمعاصرة (نيو طنجير)

تقول إنها لم تسع إلى محو هذه الصورة، بل إلى تصحيحها من الجذور؛ حتى تسترد للمرأة صوتها وتُمكِنها من التحدث عن نفسها، بدلاً من أن تبقى مجرد موضوع يُعرض أمام الآخر. وعلى الرغم من تقديرها للجوانب الجمالية لفن الاستشراق، ظلت هذه الصورة النمطية تُثير حفيظتها. تشرح: «منذ القرن التاسع عشر، والاستشراق يميل إلى تصوير المرأة على أنها سلبية وتُلبِي جانباً حسِياً فقط». لم يُقدِم هذا التصوير واقعاً موضوعياً، بقدر ما شكَل تمثيلاً ثقافياً يخدم خطاب التفوق الغربي، كما أشار إليه المفكر إدوار سعيد في كتابه «الاستشراق». وهنا جاءت فكرة تصوير مجموعتها في إطار استشراقي، لكن بنساء لهن وزن وتأثير في المجتمع. الصور التي التقطت لهن ليست خالية من الحسِية تماماً، لكنها حسِّية بقرار من المرأة نفسها، من طريقتها في اختيار أزيائها وإبراز جمالها، بينما لم تملك في فن الاستشراق هذه الحرية ولا هذه القوة.

كل امرأة في الصور تمثل رؤية المصممة لمجتمع فاعل ومتنوع (نيو طنجير)

الموضة والاستشراق

فهي تُدرك أنه على الرغم من أن الأدب والفن التشكيلي أكثر من أبرز هذا الخطاب، فإن الموضة لم تبقَ حيادية. فاللوحات الاستشراقية ألهمت الكثير من المصممين منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، من بول بواريه إلى إيف سان لوران وجون غاليانو وغيرهم كُثر. منهم من يستلهم من العباءة والقفطان وسراويل الحريم، ومنهم من يغويه التطريز أو يكتفي بالعمائم والمجوهرات.

بيد أن ما يُحسب للموضة أنها تعاملت مع الصورة التي رسمها بقدر كبير من الإيجابية. على الأقل حوَّلته منتجات تحتفي به، كما سوَقت له عالمياً ليتحول مكسباً اقتصادياً. وليس أدل على هذا من الراحل إيف سان لوران، الذي جعل من القفطان قطعة تتهافت عليها المرأة الأنيقة من كل أنحاء العالم.

لم تُلغ المصممة صورة الاستشراق الفنية... خلصتها فقط من نمطيتها بتصوير المرأة فاعلةً في المجتمع (نيو طنجير)

كنزة بناني، بدورها وجهت نظرها إلى الإيجابي. لم تتعامل مع القفطان بوصفه رمزاً فولكلورياً، بل بوصفه قطعةً متجددةً قادرة على التعبير عن المرأة المعاصرة؛ إذ من أهم الأولويات التي وضعتها نصب أعينها عندما أسست «نيو طنجير» في عام 2014، أن تُبرز جودة الحرف اليدوية المغربية وجمال الأقمشة التقليدية بأن تصوغها في تصاميم تكون غالباً منسدلة على الجسم، ومفعمة بأنوثة بعيدة كل البُعد عن الصور المتخيّلة. فالمرأة بالنسبة لها لم تكن يوماً سلبية، بل فاعلة تمثل نفسها ومجتمعها في كل الأوقات، وبالتالي تحتاج إلى أزياء تعكس قوتها ونشاطاتها من دون أن تتنازل عن أناقتها في كل الأوقات.

هناك احتفال واضح بالثقافة المغربية وما تمثله من أصالة ومعاصرة (نيو طنجير)

6 نساء مؤثرات

من هذا المنظور، اختارت ست شخصيات نسائية بارزة في الساحة الثقافية والاجتماعية. كلهن من بنات مدينتها، طنجة. فهي لم تفكر في الاستعانة بعارضات أزياء تقليديات، ليس لأنها تريد ترسيخ فكرة أن تصاميمها تحترم المرأة بغض النظر عن المقاسات والمقاييس فحسب، بل أيضاً لإبراز أن المرأة لا تنسلخ عن مجتمعها وأنها مؤثرة فيه. كل واحدة من النساء الست تمثل نموذجاً للإنجاز والفاعلية. حضورهن في هذه الجلسة المصورة بالنسبة لكنزة بناني لا يقوم على الرمزية بل على الفعل. فملاك، مصممة تفاعلية، وزورا، استشارية اتصالات وإعلامية، ولمياء رائدة أعمال في قطاع المطاعم، ونُسيبة، مغنية وملحنة، وأمينة مهندسة وناشطة ثقافية، وأخيراً وليس آخراً إيمان، مديرة العمليات في قطاع التعليم.

اكتسبت كل قطعة في هذه المجموعة خفة حررتها من جميع القيود بفضل الأقمشة المنسدلة (نيو طنجير)

بين الذاكرة والواقع

كل بورتريه في هذه الجلسة المصورة يربط بين الذاكرة والواقع المَعِيش، في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، لكن تجسد واقعاً معاصراً. هذه النظرة بالنسبة لكنزة هي امتداد لفكر نوال السعداوي الذي يعيد وضع المرأة بصفتها عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي، بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة. اختيار دار «الضمانة» لتصوير هذه اللقطات ليس من باب الصدفة، والمبنى هنا لم يكن مجرد ديكور جامد، بل جزء أساسي من المشروع لأصالته وتاريخه. فقد شُيِّد في عام 1901، وكان مركزاً للتبادلات الديبلوماسية في مدينة طنجة؛ وهو ما يعزز فكرة الماضي والحاضر.

من الناحية الجمالية، يتميز أيضاً بديكور مغربي أصيل أسهم في تعزيز الرؤية الإبداعية التي تستهدف إعادة استخدام كل ما هو تاريخي وتقليدي لعكس الديناميكية التي تتمتع بها طنجة، التي تربط الشرق بالغرب.

تم تصوير المجموعة في دار «الضمانة» لما تجمعه من تاريخ وإرث فضلاً عن ديكور مميز (نيو طنجير)

تشرح كنزة بأن الأقمشة التي استعملتها تركز على المواد الأساسية للقفطان، في استحضار واعٍ للتبادلات التاريخية بين المغرب وطريق الحرير. «فهذه الأقمشة»، وفق قولها: «تتميز بنقشات نباتية ولمسات ذهبية وألوان عميقة جعلت توظيفها في قفاطين منسدلة ومعاصرة ترقى إلى مستوى خيالي، لكن لا يمُت للتخيلات بصلة». شملت هذه الرؤية أيضاً مجموعة خاصة من «الجبادر»، زي يتكون من سروال وقميص أو سترة طويلة، حيث أعادت المصممة صياغته هو الآخر بأسلوب منطلق، دمجت فيه القطن السادة بالحرير المزخرف. وهكذا نجحت في تحرير السترات والسراويل من أي زخارف لا تضيف شيئاً إلى بنائه، وخلقت توازناً جمع بين بساطة الخطوط وترف الأقمشة.

منذ تأسيسها في عام 2014 والعلامة تحرص على استعمال أقمشة تقلدية تم تطويعها للعصر (نيو طنجير)

لم تخرج الألوان عن الإطار الاستشراقي شكلاً، لكن مضموناً تستحضر دفء المغرب وحيويته النابضة. في القفاطين مثلاً اعتمدت على الأزرق الياقوتي، والأحمر الياقوتي، والأخضر الزمردي والبيج لتربط بين التقليدي والعصري، وأيضاً لكي تعزز صورة أن كل قطعة في المجموعة بغلاوة المجوهرات، لا سيما وأنها نموذج حي للحرفية اليدوية المحلية، التي تأسست عليها الدار.