مفاوضات في «آستانة 5» لحسم الرقابة على «وقف التصعيد»

موسكو تدفع بملفي «المصالحة» والمعتقلين

بعد غارة من قوات النظام على درعا أمس (أ.ف.ب)
بعد غارة من قوات النظام على درعا أمس (أ.ف.ب)
TT

مفاوضات في «آستانة 5» لحسم الرقابة على «وقف التصعيد»

بعد غارة من قوات النظام على درعا أمس (أ.ف.ب)
بعد غارة من قوات النظام على درعا أمس (أ.ف.ب)

انطلقت، أمس، أعمال الجولة الخامسة من اجتماعات آستانة وسط خلافات بين الدول الضامنة، روسيا وتركيا وإيران، حول تأسيس مراكز لرقابة تنفيذ اتفاق «خفض التصعيد» وحدودها، مقابل دفع روسي لملف «المصالحة» ولجنة المعتقلين.
وتحدثت مصادر في آستانة عن صيغة اتفاق نصت على إقامة مراكز مراقبة بمشاركة روسية وتركيا وإيرانية في شمال وجنوب ووسط سوريا. وقالت وكالة «إنتر فاكس»، نقلا عن مصدر مقرب من المحادثات: إنه «لم يتم حتى الآن التوصل إلى اتفاق بخصوص الغوطة الشرقية وحمص»، وأن هناك تباينات كذلك بشأن مناطق خفض التصعيد شمال وجنوب سوريا، بينما «تم حل كل الخلافات بشأن منطقة الرستن» في ريف حمص. وقال مصدر من آستانة لقناة «آر تي»: إن إيران طالبت المجتمعين بتأجيل بحث الوضع في المنطقة الجنوبية؛ لأنها تنوي عرض رؤية مختلفة لخطوط التماس هناك.
وكانت قوات النظام السوري وميليشيات طائفية شنت هجوما واسعا على مناطق المعارضة جنوب سوريا؛ ما دفع فصائل الجبهة الجنوبية في الجيش السوري الحر إلى الإعلان عن مقاطعة «آستانة - 5».
وأكد أنور جايناكوف، المتحدث الرسمي باسم الخارجية الكازاخية، أن جميع الوفود وصلت إلى آستانة للمشاركة في «آستانة - 5»، بما في ذلك 9 أشخاص ممثلين عن المعارضة السورية المسلحة، لافتاً إلى أن «محمد علوش، رئيس وفد المعارضة في الجولات السابقة، ليس بين الحاضرين». وذكرت وكالة «ريا نوفوستي»، أن وفد المعارضة السورية وصل آستانة، وضم ممثلين عن الجبهة الجنوبية. وقالت وكالات أنباء روسية: إن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا وصل أمس أيضاً إلى آستانة، وشارك في المفاوضات.
وبحسب تصريحات الجانبين الروسي والكازاخي، فإن اللقاء الحالي سيركز بصورة خاصة على بحث التفاصيل المتعلقة بآليات تنفيذ مذكرة إقامة مناطق «خفض التصعيد»، فضلا عن قضية تبادل الأسرى والمحتجزين، ونزع الألغام في المناطق الأثرية.
وكان وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، أكد أن لقاء آستانة سيبحث كذلك مسألة تشكيل هيئة وطنية سورية للمصالحة. وأكد وزير الخارجية الكازاخي خيرات عبد الرحمنوف، أن «الوثائق الختامية للقاء، بحال اتفقت الدول الضامنة عليها، ستكون بصورة رئيسية حول تنفيذ مذكرة مناطق خفض التصعيد»، موضحا أن «هذا على الأقل ما تقوله معلومات قدمتها لنا الدول الضامنة، والتي تنوي كذلك بحث مسألة نزع الألغام».
وواصلت لجنة الخبراء من الدول الضامنة، الخاصة بمناطق خفض التصعيدات، عملها حتى الساعات الأخيرة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق، وعقدت اجتماعا أمس في آستانة قبل انطلاق المفاوضات، وقالت وكالة «تاس»: إن «الهدف الرئيسي للاجتماع محاولة التوصل لاتفاق حول حدود مناطق خفض التصعيد».
وشهدت الساعات الأولى من الجولة الحالية من مفاوضات آستانة لقاءات بين الوفد الروسي ووفد النظام السوري، وستجري لقاءات ثنائية أخرى بين الوفود السورية ووفود الدول الضامنة، خلف الأبواب. ويتوقع عقد جلسة عامة بعد ظهر اليوم.
والتزمت الوفود الصمت «رسميا» بشأن ما يجري بحثه في «آستانة - 5»، في وقت قال مصدر من أحد الوفود المشاركة لـ«ريا نوفوستي» إنه «من المقرر تأسيس مركزين لمراقبة الالتزام بمذكرة مناطق خفض التصعيد، واحد في الأردن وآخر في تركيا ونصفه في سوريا»، موضحا أن المركز في الأردن سيكون معنيا بمنطقة خفض التصعيد جنوب سوريا، ويشارك فيه مراقبون من روسيا والأردن والولايات المتحدة، أما الثاني في تركيا وسوريا، فسيعمل فيه مراقبون من تركيا وروسيا»، وأكد أنه «هناك فهم مشترك حول هذه المسائل، لكن يبقى الاتفاق على التفاصيل».
وأوضح المصدر، أن «مراكز المراقبة تلك ستتبادل المعلومات وتقترح التدابير الضرورية، مثل سحب القوات بحال توتر الوضع. وسيقوم المراقبون بجمع المعلومات حول الانتهاكات، وتقديم اقتراحات بحال استمر التوتر، منها مثلا إجبار القوات على الانسحاب تحت رقابة روسية وتركية؛ كي لا يتمكنا بعد ذلك من تبادل إطلاق النار». وقال: إن «العمل بموجب هذه الخطة سيستمر 3 أشهر، ينم تمديدها لاحقا»، حيث «سنقوم بتحديد تلك المناطق ومن ثم نبدأ بالمراقبة»، وأكد أنه بحال خيّم الأمن والهدوء على تلك المناطق «سيتم استبدال الوحدات من الدول الضامنة بوحدات سورية من السلطات والمعارضة»، لكن «بحال تمكنا من إقناعهم (النظام والمعارضة) بالجلوس خلف طاولة واحدة»، وعاد ليؤكد بعد ذلك المعلومات التي أفادت بأن منطقة خفض التصعيد شمال سوريا ستكون تحت تحكم روسيا وتركيا، بينما تتحكم روسيا وإيران في مناطق وسط سوريا، وأخيرا تكون روسيا المسؤولة عن منطقة خفض التصعيد جنوب سوريا.
وقال مصدر مطلع من «آستانة» لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفكار المتداولة كثيرة، وكلها ترمي إلى إيجاد صيغة توافق عليها الدول الضامنة كلها، وتلاقي في الوقت ذاته قبول الأطراف الروسية»، ولفت إلى «نقطة خلاف جدية ما زالت عالقة منذ الجولات السابقة، حول الدور الإيراني»، فضلا عن بقاء «الكثير من التفاصيل التي ما زالت محاولات التوصل لتفاهمات بشأنها مستمرة».
وأكد مصدر مطلع لوكالة «ريا نوفوستي»، أن المشاركين في «آستانة - 5» سيبحثون تشكيل هيئة مصالحة وطنية سورية، وأوضح أن «الحديث يدور على الأرجح حول تشكيل منتدى أو مؤتمر للمصالحة الوطنية وليس عن تشكيل مركز»، وقال: إن «بحث هذا الاقتراح أمر جيد؛ لأن المصالحة هي الخطوة التالية بعد مرحلة وقف إطلاق النار». وأضاف، أن «كل الأطراف المشاركة أيدت فكرة تشكيل هيئة مصالحة وطنية» غير أن المصدر لم يوضح من هي تحديداً الأطراف التي أيدت الفكرة، وما إذا كانت المعارضة بين تلك الأطراف، لكنه أشار إلى «مخاوف من أن تصبح الهيئة بديلا عن جنيف»، وأضاف: «تمت إزالة تلك المخاوف». وبعد تأكيده أن «الفقرة حول هيئة المصالحة الوطنية سيتم تثبيتها في البيان الختامي»، كشف عن أن الهيئة التي يدور الحديث عنها سيتم تشكيلها من ممثلين عن النظام السوري وشخصيات محلية تتمتع بمكانة مميزة وشيوخ. وسيجري ضمن الهيئة بحث القضايا الداخلية، بما في ذلك الأمنية، وختم مؤكداً «ستكون هذه قصة سورية بامتياز دون أي وساطات».
* وفد المعارضة
وكانت مصادر أفادت «الشرق الأوسط» بأن المعارضة في اجتماعات «آستانة - 5» تمثلت فقط بـ3 فصائل مقربة جدا من أنقرة هي «فيلق الشام» و«فرقة السلطان مراد» و«أجناد الشام» بعد قرار فصائل الجنوب كما الغوطة وقسم كبير من فصائل الشمال مقاطعة الجولة الجديدة لاعتبارات مختلفة. وقال المصدر إن الوفد ضم منذر سراس وياسر عبد الرحيم ممثلين «فيلق الشام»، أحمد عثمان ممثلا عن «السلطان مراد» وفهد القاضي عن «أجناد الشام»، في حين شارك آخرون بصفتهم الشخصية، وهم مهند جنيد، ياسر فرحان، أحمد بري وأبو أحمد العاصمي. وأضاف المصدر، أن «تركيا خاضت في الفترة الماضية نقاشات مطولة مع فصائل أخرى في الشمال لإقناعها بالمشاركة إلا أنها رفضت»، مشيرا إلى أن مقاطعة فصائل الجنوب للاجتماع «دليل على تحفظ أميركي – أردني، وبخاصة في ظل الخلافات الحاصلة حول مصير منطقة الجنوب». ووصف المصدر جدول أعمال «آستانة - 5» بـ«المقلق»، لافتا إلى أن موسكو فرضت بند «اللجنة المركزية للمصالحات»، وهي لجنة تمهد لتجهيز الفصائل بالجملة لمصالحة النظام، رغم تحفظ أنقرة. وقال: «هذا الاجتماع هو أضعف من كل الاجتماعات الأخرى التي لم تحظ أصلا بترحيب واشنطن».
وأصدرت فصائل «الجبهة الجنوبية» أمس بيانا رسميا أعلنت فيه مقاطعتها الجولة الجديدة من اجتماعات آستانة، لافتة إلى أن قرارها «جاء نتيجة عدم قدرة المؤتمرات الدولية على اتخاذ أي قرارات جادة من شأنها إيقاف إراقة الدم السوري، بسبب تعنت نظام الأسد وبمساندة كل من الدول والميليشيات الحليفة». وجزم البيان بعدم وجود أي ممثل عن «الجبهة الجنوبية» وبأنه «ليس هناك أي تصريح لأحد بالتكلم أو التفاوض أو تمثيلها في المحادثات».
وشدد بشار الزعبي، قائد جيش «اليرموك» لـ«الشرق الأوسط»، على أن موقف «الجبهة الجنوبية»: «ثابت بعدم الذهاب إلى آستانة باعتبار أن النظام كما الدول الضامنة كاذبة»، مذكرا بأن «درعا كانت أساسا ضمن مناطق خفض التوتر، إلا أنه لم يتم الالتزام بأي شيء بشأنها»، بإشارة إلى استمرار عمليات النظام العسكرية في المنطقة.
من جهتها، أفادت وكالة «سبوتنيك» الروسية بأن وفد المعارضة المسلحة في اجتماع «آستانة - 5» الدولي يضم نحو 10 ممثلين عن الفصائل السورية المسلحة، من بينهم العميد الركن أحمد بري، وياسر عبد الرحيم، قائد غرفة عمليات «فتح حلب». وكان مدير المكتب السياسي والعلاقات الخارجية في لواء «شهداء الإسلام»، النقيب سعيد نقرش، أعلن في وقت سابق أن محمد علوش، رئيس الهيئة السياسية في «جيش الإسلام» وأسامة أبو زيد، الناطق باسم وفود المعارضة السابقة، اعتذرا عن المشاركة في اجتماع آستانة الجديد.
وكان فصيل «فيلق الرحمن» العامل في الغوطة، أعلن هو الآخر مقاطعة المحادثات. وقال المتحدث باسمه وائل علوان: إن «من يحضرها اليوم بعد كل الذي يجري، فهو ممثل لنفسه وليس له من رصيد الثورة أو الحديث باسم أهلها وأبطالها شيء».



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.