هاري بوتر... هل فقد الصبي الغرّ براءته في عالم السوق؟

عشرون عاماً على صدور الرواية ـ الظاهرة

هاري بوتر... هل فقد الصبي الغرّ براءته في عالم السوق؟
TT

هاري بوتر... هل فقد الصبي الغرّ براءته في عالم السوق؟

هاري بوتر... هل فقد الصبي الغرّ براءته في عالم السوق؟

قبل عشرين عاماً تماماً نُشر في المملكة المتحدة الجزء الأول من سلسلة رواية جديدة موجهة لتلاميذ المدارس اليافعين بطلها ولد صغير اسمه هاري بوتر يرتدي نظارات دائريّة يتعاطى السحر ويقاتل الأشرار. وبما أن جيه كيه رولينغ مؤلفة الرواية من أصول اسكوتلنديّة، فقد نشرت صحف الإقليم أولا مراجعات إيجابيّة بشأن «هاري بوتر وحجر الفلاسفة» قبل أن تتنبه له وتلحقها الصحف البريطانيّة الكبرى، لتتحول السلسلة الروائيّة شيئاً فشيئاً إلى أهم ظاهرة ثقافيّة وأدبيّة في بريطانيا المعاصرة، وتكسر كل الأرقام القياسيّة في مبيعات الكتب - باعت إلى الآن 450 مليوناً من النسخ فلا يتفوق عليها في الانتشار سوى الكتب المقدّسة -، إضافة إلى ما انبثق عنها من مسرحيات وأفلام ومواقع إلكترونيّة ومتنزهات متخصصة بأجواء السلسلة.
كان الآباء والأمهات ربما أكثر سعادة من أبنائهم بالنجاح الأسطوري للرواية. فقد أعادت رولينغ بأسلوبها المشوق الألق إلى عادة القراءة بين الأولاد والبنات، في وقت بدا فيه أن تقاطع صعود الإنترنت مع تراجع مستوى معيشة الطبقة الوسطى البريطانيّة سيقصيان الكتب من أيديهم وربما إلى الأبد. وقد توافق 84 في المائة من أساتذة المدارس وفق بحث أجري في 2005 على أن هاري بوتر حسّن بالفعل من مهارات القراءة لدى تلاميذ المدارس بشكل ملحوظ، وقال 73 في المائة منهم إنهم فوجئوا إيجابيّاً بقدرة السلسلة على جذب طلاب لم يعرف عنهم مسبقاً حب القراءة إلى الغرق في صفحاتها ومتابعة كل جزء جديد يصدر منها. وتدين صناعة كتب اليافعين ببريطانيا إلى رولينغ بالذات في مضاعفة معدل عدد الصفحات لتلك الكتب خلال العشرين عاماً الماضية من 140 إلى 290 صفحة في الكتاب الواحد، إذ لم يعد الناشرون بعد هاري بوتر يخشون من وضع كتب سميكة للصغار في واجهات مكتباتهم.
ليس هنالك من شك أن هاري بوتر كان مؤثراً وبشكل ملموس على وعي جيل كامل من البريطانيين الذي كبروا الآن وصاروا في العقد الثالث من العمر وربما أصبحوا بدورهم آباء وأمهات ليافعين. وإن كان الحديث عن جيل هاري بوتر يبدو غير دقيق الآن فالسلسلة - ورغم انتهاء قصتها رسميّاً - مستمرة حتى الآن في استقطاب موجات متتابعة من الصغار كل عام، وما زالت طبعات جديدة تصدر منها كل عدة أشهر. لكن الآراء تتفق على أن للسلسلة بعداً سياسيّاً تكثّف تدريجياً مع صدور الأجزاء المتلاحقة وترافق بذكاء مع تطور شخصية هاري بوتر في القصة، إذ إن كل جزء كان بمثابة عام دراسي كامل قضاه في مدرسة هوجوارت. والسؤال المطروح الآن - بعد عشرين عام - وربما أكثر من أي وقت مضى ما هو شكل هذا التأثير وما أبعاده؟
وجهات نظر خبراء الثقافة الشعبيّة شديدة التباعد، وإن كانوا جميعهم متفقين على أهمية ذلك التأثير، إذ تبيّن أن 81 في المائة من البريطانيين الشباب في مجموعة الـ18 - 24 عاماً هم فعلاً متابعون لهاري بوتر (بين الكتب والأفلام) وكذلك 68 في المائة من أولئك في المجموعة الأكبر سناً 25 - 34 عاماً. هنالك بالطبع محافظون متطرفون اعتبروا تلك الكتب تجميلاً لا يليق لأجواء شيطانيّة تروّج للسحر وتمجّد الخرافات، وفعلاً أحرقت عدة كنائس متطرفة في الولايات المتحدة نسخاً من السلسلة بوصفها «عملا شيطانيا» وأنها ترغّب الصّغار في السّحر الأسود، معتبرة أن «هاري بوتر ما هو إلا وجه بريء لقوّة ظلاميّة شيطانيّة». لكن آخرين اعتبروا أن السلسلة مستوحاة من رموز مقدسة إيجابيّة لا سيما شخصية المخلّص المختار الذي يواجه مؤسسة الشر ويحاربها بتوجيه بوصلة أخلاقيّة لا تخطئ.
على المقلب الآخر فإن دراسات موثقة قالت إن اليافعين الذين قرأوا هاري بوتر هم عموماً أكثر قدرة على التعاطف مع الآخرين، وأقل ميلاً إلى تبني أحكام مسبقة منحازة من زملائهم الذين لم يقرأوه. وتقول مقالة محكمة حديثة نشرتها مجلة الجمعيّة الأميركيّة للعلوم السياسية بأن الشبان الذين سبق لهم قراءة هاري بوتر كانوا أميل من غيرهم إلى عدم انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومعارضة سياساته الانعزاليّة.
وبين هذين المقلبين فإن بعض النقاد اعتبروا هذه الشخصية تتسبب لمتابعيها بـ«انعدام القدرة على تفهم مدى تعقيد الواقع المعاش»، وأن السلسلة مسؤولة بشكل أو آخر عن «تسطح وعي الشباب البريطاني وسذاجته السياسية وميله الغالب إلى تقسيم العالم بين أخيار تقدميين وأشرار رجعيين» و«تعاملهم مع الحياة كما لو أنها عالم ديزني - لاند الترفيهي» وأن الوعي الذي تقدمه ليس إلا «وعياً زائفاً». وذهب آخرون إلى الجدل بأن مناخ العالم السحري للسلسلة الروائيّة أشبه ما يكون بيوتوبيا خيالية تقدّم للجيل الصاعد حلولاً سهلة مزيفة وغير واقعيّة للهروب من ضغوطات العيش في مملكة توني بلير الملتبسة ذات التوجهات المترددة بين اليمين واليسار، وتدفعهم لقبول دعوات المساواة والمحبّة المحليّة بينما هي تشيطن الآخرين وتبرر مبدأ القضاء عليهم. في حين ذهب البعض الآخر إلى وصف الرواية بأنها «ديستوبيا» أشبه ما تكون بنسخة للصغار من رواية جورج أورويل الأشهر (1984)، حيث الدولة المركزيّة الصارمة التي تراقب مواطنيها بدقّة، وتتدخل بكافة مناحي حياتهم وتصدر فيها صحيفة واحدة فحسب، بينما يتوقع من البطل الساذج أن يتبع منحى أخلاقيّاً محدداً في مواجهة الخارجين عن (القانون).
ومع أن الرّواية - كما الأفلام والمسرحيّات المرتبطة بها - حظيت بحملات تسويق واسعة النطاق بغرض تعظيم المبيعات تضمنت الكثير من المراجعات الحماسيّة في الصحف، لكن «هاري بوتر» لم تتعرض لنقد شديد لمحتواها السياسي فحسب، بل إن أسماء مهمة في عالم النقد والأدب هاجمتها كذلك بوصفها «عالماً مستعاراً ملفقاً من عدة عوالم أدبيّة وُجدت قبلها، وأن مهارة السيدة رولينغ الأساسيّة هي في القص واللصق من كتب اليافعين السابقة»، الأمر الذي دفع الروائيّة إلى الرد المنفعل أحياناً على هذه الانتقادات «التي تأتي من أناس عديمي المخيلة لا يعرفون من العالم سوى أفلام الكرتون والمسلسلات الفارغة وتلفزيون الواقع». كما هاجمها آخرون لكونها «تطبّع مع العنف» مستشهدين بدراسة قالت إن «بيئة هاري بوتر مليئة بجثث 158 شخصية تأكد موتها بما لا يدع مكاناً للشك وفق أحداث السلسلة الروائيّة».
مع ذلك كلّه فإن المؤكد الآن أن السلسلة التي كتبت السيدة رولينغ جزأها الأول في مقهى شعبي وهي بالكاد تتدبر أمورها على إعانات الدولة لها بوصفها أم عازبة، تحولت بحكم الواقع الرأسمالي وبعد تدفق بلايين الجنيهات إلى القائمين عليها (مؤلفة وناشراً) إلى ما يشبه منظمة متكاملة شديدة الصرامة، تحافظ على حقوق النشر بدقة شديدة، وتتولى إدارة الترجمات إلى 80 لغة في العالم كلّه، وتبني مصادر دخل متوازية من خلال بيع حقوق الإكسسوارات والمواد المدرسيّة والملابس المستوحاة من أجواء الرواية وتتفاوض دون رحمة مع مرافق بيع الكتب للمحافظة على الأسعار العالية خلال فترات إطلاق الأجزاء الجديدة أو النسخ الخاصة. فالبراءة التي يتمتع بها الصبي الغر هاري بوتر لا مكان لها اليوم في عالم السوق الذي تحكمه قوانين المنافسة السافرة.



جيناتنا العظيمة

عبد الله القصيمي
عبد الله القصيمي
TT

جيناتنا العظيمة

عبد الله القصيمي
عبد الله القصيمي

ثمة فرق بين النقد الثقافي الساعي لإصلاح حال أمة ما وتسليط الأضواء على الأخطاء التي تعيق التطور من جهة، وجلد الذات الذي يصبح إدماناً، من جهة أخرى. هذا ما خطر ببالي وأنا أعيد قراءة كتاب الفيلسوف السعودي عبد الله العلي القصيمي «العرب ظاهرة صوتية». من وجهة نظره، العرب مُصوّتون فقط في حين لا يكتفي الآخرون بإصدار الأصوات، بل يتكلمون ويفكرون ويخططون وهم أيضاً خلاقون قاموا بإبداع الحضارات والقوة والفكر وتجاوزوا الطبيعة وفهموها وقاموا بتفسيرها قراءة فهم وتغيير وبحث عن التخطي والتفوق.

مثل هذا النقد مدمر لأنه يبشر بسقوط يستحيل النهوض منه لأن المشكلة في الجينات، والجينات لا يمكن إصلاحها. «العرب ظاهرة صوتية»، شعار رفعه العديد من الكتاب وأصبحت «كليشة» مكرورة ومملة، ولا يمكن أن يكون هذا التوجه نافعاً لأنه لا يضع خطة عمل، بل يرمي العربي في حفرة من الإحباط. مع أن هناك الكثير مما نراه من إنجازات دولنا في الجوانب النهضوية وأفرادنا على الصعيد العلمي ما يدعو إلى التفاؤل، لا الإحباط.

ما الذي خرج به جلد الذات الذي يمارسه المثقفون العرب على أنفسهم وثقافتهم بعد كل هذه العقود المتتابعة؟ بطبيعة الحال، ليس هذا موقف الجميع، إلا أن الأصوات المتطرفة توصلت إلى أن العرب لديهم مشكلة جينية، تمنعهم من مواكبة قطار الحداثة وإصلاح مشكلاتهم والانتقال إلى نظام الحياة المدنية المتحضرة. لا خلاف على تطوير أنظمة الحياة وتطبيق فلسفة المنفعة العامة للمجتمع وإعلاء قيمة حقوق الإنسان والحرية، وإنما الخلاف هو في هذا الوهم الذي يُخيل لبعض المثقفين أن المشكلة ضربة لازب وأنه لا حل، وهذا ما يجعل خطابهم جزءاً من المشكلة لا الحل، لأن هذا الخطاب أسس لخطاب مضاد، لأغراض دفاعية، يتجاهل وجود المشكلة وينكرها.

لا فائدة على الإطلاق في أن ننقسم إلى فريقين، فريق التمجيد والتقديس للثقافة العربية وفريق مشكلة الجينات. وأصحاب الرؤية التقديسية هم أيضاً يشكلون جزءاً كبيراً من المشكلة، لأنهم لا يرغبون في تحريك شيء، وذلك لأنهم يؤمنون بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، وإن دخلت معهم في نقاش فتحوا لك صفحة الماضي المجيد والانتصارات العسكرية وغزو العالم في العصر الوسيط يوم كان العرب حقاً متفوقين، وكان المثقف الأوروبي يتباهى على أقرانه بأنه يتحدث العربية ويفهم فلسفة ابن رشد.

يخطئ الإسلاميون، وهم من يرفع شعار التقديس، عندما يتخيلون أن تجربتهم هي التمثيل الأوحد للديانة الإسلامية، فالنص حمَّال أوجه وفي باطنه آلاف التفاسير، والناجح حقاً هو من يستطيع أن يتخلى عن قراءاته القديمة التي ثبت فشلها ولم تحل مشكلات الشعوب التي تتوق إلى الحياة الكريمة. يخطئ من يتصور أن بإمكانه أن يسحق الأقليات ويحكم بالحديد والنار، وها هي تجربة صدام حسين وبشار الأسد ماثلة أمام عيوننا.

لقد بدأت مشكلتنا منذ زمن قديم، فالأمة العربية الإسلامية أدارت ظهرها للعلم في لحظته المفصلية في قرون الثورة العلمية والاكتشافات، ولهذا تراجعت عن المكانة العظيمة التي كانت للحضارة العربية الإسلامية يوم كانت أقوى إمبراطورية على وجه الأرض. دخلت حقاً في عصور الانحطاط عندما رفضت مبدأ السببية الذي قام عليه كل العلم بقضه وقضيضه، وولجت في عوالم من الدروشة والتخلف، ليس فقط على صعيد العلوم المادية، بل على الصعيد الأخلاقي أيضاً، وأصبحت صورة العربي في الذاكرة الجمعية تشير إلى شخص لا يمكن أن يؤتمن ولا أن يصدّق فيما يقول. هذا ما يجعله ضيفاً ثقيلاً من وجهة نظر بعض المجتمعات الغربية التي لجأ إليها العرب للعيش فيها.

لقد عاش العربي في دول تقوم على فرق ومذاهب متباغضة متكارهة قامت على تهميش الأقليات التي تحولت بدورها إلى قنابل موقوتة. هذا المشهد تكرر في كل الأمم وليس خاصاً بالعرب، فنحن نعلم أن أوروبا عاشت حروباً دينية دموية اختلط فيها الديني بالسياسي وأزهقت بسببها مئات الآلاف من الأرواح، لكنهم بطريقة ما استطاعوا أن يداووا هذا الجرح، بسبب الجهود العظيمة لفلاسفة التنوير ودعاة التسامح والتمدن والتعامل الإنساني الحضاري، ولم يعد في أوروبا حروب دينية كالتي لا زالت تقع بين العرب المسلمين والأقليات التي تعيش في أكنافهم. العرب بحاجة إلى مثل هذا التجاوز الذي لا يمكن أن يحصل إلا في ضفاف تكاثر الدول المدنية في عالمنا، وأعني بالمدنية الدولة التي تعرف قيمة حقوق الإنسان، لا الدول التي ترفع شعار العلمانية ثم تعود وتضرب شعوبها بالأسلحة الكيماوية.

الدولة المدنية، دولة الحقوق والواجبات هي الحل، ومشكلة العرب ثقافية فكرية وليست جينية على الإطلاق. ثقافتنا التي تراكمت عبر العقود هي جهد بشري أسس لأنظمة أخلاقية وأنماط للحياة، وهذه الأنظمة والأنماط بحاجة إلى مراجعة مستمرة يديرها مشرط التصحيح والتقويم والنقد الصادق، لا لنصبح نسخة أخرى من الثقافة الغربية، وإنما لنحقق سعادة المواطن العربي وحفظ كرامته.