صناعة الموضة في إيران.. بين الماضي والحاضر

جدل جديد سببه أسبوعها المقبل في شهر نوفمبر

تزاول العارضات والعارضون هذه المهنة في المجلات ودور الإنتاج وورش الخياطة والعلامات التجارية والعروض المباشرة التي تقام في الحدائق والبيوت الكبيرة
تزاول العارضات والعارضون هذه المهنة في المجلات ودور الإنتاج وورش الخياطة والعلامات التجارية والعروض المباشرة التي تقام في الحدائق والبيوت الكبيرة
TT

صناعة الموضة في إيران.. بين الماضي والحاضر

تزاول العارضات والعارضون هذه المهنة في المجلات ودور الإنتاج وورش الخياطة والعلامات التجارية والعروض المباشرة التي تقام في الحدائق والبيوت الكبيرة
تزاول العارضات والعارضون هذه المهنة في المجلات ودور الإنتاج وورش الخياطة والعلامات التجارية والعروض المباشرة التي تقام في الحدائق والبيوت الكبيرة

منذ سبعين سنة، حملت «زينت جهانشاه» عالم الموضة وتصميم الأزياء للمرة الأولى إلى إيران بعد أن عاشت في باريس وتعرفت على كبار مصممي الأزياء فيها في تلك الفترة.
في الأربعينات نظمت «زينت جهانشاه» أول عرض أزياء في إيران في اجتماع نسوي ومشاركة عارضات هاويات تتراوح أعمارهن بين 18 و25 سنة. وقتها، وجدت العارضات صعوبة في تعلم كيفية المشي والوقوف، غير أن الوضع تغير بعد مرور سبعة عقود على هذا العرض؛ فإيران تفكر في إقامة أسبوع موضة على مستوى عالمي في طهران في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ما يطرح عدة تساؤلات عن المشكلة الرئيسية التي تعانيها صناعة الموضة. الآن تزاول العارضات والعارضون هذه المهنة في المجلات، ودور الإنتاج، وورش الخياطة، والعلامات التجارية، والعروض المباشرة التي تقام في الحدائق، والبيوت الكبيرة. ثم بدأت الحكومة الإيرانية تستخدم مصطلح «العروض الإسلامية للأزياء».
ويمكن تصنيف نشاط عارضي الأزياء في إيران في ثلاثة قطاعات وهي الأعمال التصويرية، وتشمل الأعمال المطبوعة، مثل الكاتالوغات، والصحف وألواح الدعاية والإعلانات. والقطاع الثاني يضم الإعلانات التي يجري عرضها في القنوات التلفزيونية والفضائية، بينما يشمل القطاع الثالث عروض الأزياء المباشرة التي تزاول في بعض المنازل والحدائق بشكل غير رسمي، رغم أنها تخضع للقيود.
وتقدم الكثير من محلات الملابس في إيران حاليا لزبائنها مجلة تضم منتجات شركات إنتاج الملابس أو بعض ورش الخياطة، تظهر فيها عارضات الأزياء سواء بالحجاب الإسلامي الرسمي أو من دونه للدعاية لعلامة تجارية أو لمنتجات ورشة خياطة. هذه الأعمال الدعائية شهدت إقبالا من عارضات يسعين لكسب الشهرة من دون القيام بدورات تدريبية أو حتى امتلاك المعايير الضرورية لممارسة هذه المهنة. وتكسب العارضات مبلغا يتراوح بين 300 إلى 400 دولار مقابل ثلاث إلى أربع ساعات من التصوير، يدفعن منها 150 دولارا للمصور للحصول على صور تساعدهن على التسويق في موقع «فيسبوك».
في المقابل، هناك بعض العارضات والعارضين للأزياء من أصحاب الخبرة والتجربة، قد يصل أجرهم إلى 24 ألف دولار لكل صورة تنشر لهم، ويعود السبب إلى أن عدد الذين يقطنون إيران قليل. وتعد ممارسة هذا النشاط أكثر سهولة بالنسبة للرجال لأنهم إذا نجحوا واشتهروا بأسمائهم الحقيقية لا يواجهون أو يتعرضون لمشكلات مقارنة بزميلاتهم من الإناث، اللاتي يفضلن التكتم على هوياتهن. وقد يضطر بعضهن إلى القول إنهن من أصول تركية أو عربية حتى يتمكن من إرسال صورهن إلى خارج الحدود الإيرانية وبيعها بأسعار مرتفعة. أما إذا أرادت أن تمارس عملها بشكل رسمي في إيران وبجنسيتها الحقيقية، فلا بد لها إما أن تلتزم بالزي الإسلامي أو أن تغادر البلاد. وفيما تتراوح أجور هذه المهنة من لا شيء إلى أكثر من 17 ألف دولار، تسعى الحكومة إلى تقديم مشروع «العروض الإسلامية».
ويتمثل هذا المشروع في إصدار الحكومة بطاقة التأهل للعروض التي تتوافق مواصفاتها مع المعايير التي تحددها الحكومة. يقول مدير مجموعة تنظيم الموضة والأزياء في وزارة الإرشاد الإيرانية حميد قبادي في مارس (آذار) 2014 لوكالة الفنون أونلاين الإيرانية للأنباء: «ستتحول مهنة عرض الأزياء إلى مهنة مشروعة، وسيجري تدشين مؤسسة خاصة بها قريبا لتقوم بالتدريبات الضرورية للعارضات وعارضي الأزياء وفقا للمعايير المحلية وبعض المعايير الدولية».
وبشأن كيفية الإعلان عن اللون الدارج خلال العام قال قبادي: «لا نسعى لإيجاد أطر وإجبار الناس عليها. أصدرت وزارة الإرشاد الرخص القانونية لثلاثين مؤسسة تهتم بالموضة والأزياء لتباشر عملها المستقل في قطاع الموضة. نتوقع أن يصل عدد هذه المؤسسات إلى 200 هي التي ستحدد الموضة واللون الدارج خلال العام».
من جهتها، تمارس نكار، البالغة من العمر 24 سنة، وتتمتع بطول يقدر بـ170 سم، مهنة عارضة الأزياء بشكل غير رسمي، حيث شاركت في عروض الأزياء المباشرة في عدد من البساتين والحدائق المنتشرة بطهران. وتحصل من كل عرض تقدمه على مبلغ يتراوح بين 17 ألف دولار و51 ألف دولار.
ولا تخفي نكار أنها غير متفائلة بتسمية عارضات الأزياء الإسلامية، وتقول بأن الحديث «كثر عنها في السنوات الأخيرة، ويبدو أن فكرتها تلبي رغبات شريحة واحدة من شرائح المجتمع وليس كلها، لأن باقي الشرائح لا ترحب بالخطوط الحمراء الكثيرة التي وضعوها بهذا الشأن». وتتابع: «المجتمع يتكون من شرائح واسعة ومتنوعة، بعضها يتبنى نظرة دينية متشددة وبعضها لا يهتم كثيرا بالتفاصيل الدينية، وبالتالي قد لا ترغب في ارتداء الحجاب وفقا للمعايير الإسلامية التي يجري تحديدها من قبل الفئة الأولى، الأمر الذي سيشجع على بقاء النشاطات غير الرسمية على حالها».
تعترف نكار بأن أحلامها أكبر بكثير من أن تتعاون مع شركات الموضة الإسلامية تقول: «فأنا أريد أن أكون عارضة أزياء عالمية، بينما هذا الأسلوب المحدد لا يحقق لي هذه الأحلام ولست متفائلة بأن يحقق المشروع ككل نجاحا مثل الذي حققته دول مثل تركيا أو ماليزيا».

* العروض الإسلامية تتلقى دعم المؤسسات الإيرانية ومباركة المرجعيات الدينية

* ولكن ماذا يعني مصطلح «الموضة الإسلامية» أو «عروض الأزياء الإسلامية»؟ وكيف تتمكن الحكومة من الانخراط في مجال يتولى القطاع الخاص تنظيمه والاهتمام به في كل أرجاء العالم؟
شريف رضوي، مدير شركة إيرانية تدعى «تطوير الأزياء» تعتزم التعاون مع الحكومة في قطاع الموضة، يقول إن تطوير الأزياء عبارة تستخدمها هذه الشركة بدلا من الموضة، ويستخدم أصحاب الشركة مصطلح «مطوري الأزياء» بدلا من العارضات والعارضين.
وشرح شريف رضوي في حوار مع «الشرق الأوسط» أن هذه الشركة هي أول مؤسسة تنشط في مجال عروض الأزياء الإسلامية بشكل رسمي في الجمهورية الإسلامية خلال السنوات الـ35 الماضية. ويرى شريف أن الموضة الإسلامية تشمل نمطا خاصا من الأزياء والماكياج والتصرف أو الحياة لا تتنافى مع الشريعة والمعتقدات والمعايير الأخلاقية الإسلامية.
وأضاف أن شركته تتمتع بالدعم الحكومي، مشيرا إلى أن القطاع الخاص بدوره يتولى الاهتمام بالموضة وعروض الأزياء، غير أن الحكومة في إيران ستساند القطاع الخاص في حال عدم توليه هذه المسؤولية بمفرده، بسبب المعارضة وسوء الفهم وعدم الوعي السائد حول طبيعة هذا العمل؛ لهذا فإن وزارة الإرشاد هي الجهة القانونية التي تصدر الإذن بانطلاق هذه الفعاليات.
يتحدث رضوي عن مشروع تطبيق «عروض الأزياء الإسلامية» موضحا أن شركة «تطوير الأزياء» ستدشن أول مركز لعروض الأزياء في إيران: «أما بالنسبة لقطاع عروض الأزياء النسائية فقمنا بتقديم مبادرة قابلة للتطبيق في إيران وفي الدول الإسلامية. وتمكنت هذه المبادرة من إقناع الجمهورية الإسلامية بالانخراط في قطاع عروض الأزياء الذي جرى حظره خلال الأعوام الـ53 الماضية».
وتابع رضوي أن الشركة ستقدم دورات تدريبية خاصة بعروض الأزياء للنساء وفقا لأساليب الشركة.
أما «الهدف من هذه الخطوة»، حسبما يقول، «فهو أن نهتم بالفحوى في قطاع الموضة في الإطار الإسلامي، وسنركز اهتمامنا على العروض المباشرة والتقاط الصور والأفلام».
ويقصد رضوي بالتقاط صور العارضات والعارضين للأزياء ما تؤكد عليه وزارة الإرشاد تحت عنوان «المركز المتخصص للمجلات التابعة للموضة». وتقول وزارة الإرشاد إن المركز تولى نشر 12 مجلة لمنتجي الملابس في إيران، بينما تعد باقي المجلات التي جرى توزيعها في الأسواق غير قانونية أو رسمية. وأضاف: «تستخدم مجلات الموضة في المركز صورا للعارضات والعارضين الذين يتمتعون بالمواصفات اللازمة وشاركوا في فترات التدريب».
يذكر أن إيران لم تشهد لحد الآن إقامة عروض أزياء مباشرة سواء للرجال والنساء، بسبب المعارضة الشديدة لها في السابق. وهي الآن تختار العارضين والعارضات حسب المعايير الدولية، إذ يجب أن يبلغ طول الرجال 185 سم ووزنهم 75 كيلوغراما، وأن يكون طول العارضات 175 سم على أقل تقدير، على أن يتراوح الوزن بين 60 إلى 65 كيلوغراما. ويتراوح قياس الجسم بين 36 إلى 40 على أبعد تقدير. ولا شك أن إقامة العروض المباشرة للأزياء بشكل قانوني يشبه الحلم أو الخيال بسبب المعايير والشروط التي تستلزمها.
يقول رضوي: «أقمنا عرض أزياء رجاليا أخيرا ولأول مرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وتميز باختلافه في الأسلوب عن عروض الأزياء العالمية».
الأسلوب الفريد الذي يتحدث عنه رضوي مقتبس من الأحاديث والروايات الإسلامية حول النساء وطريقة مشيهن من دون أن يتمايلن في الحركة. تتميز هذه الطريقة بالمشي على المنصة دون إصدار صوت الأحذية أو من دون حركات الجسم الخاصة وتركز على النظرة المباشرة إلى الأمام من دون التطلع في عيون الحاضرين في الصالة.
ويقول رضوي إن عددا من الدول الإسلامية اقترحت على إيران أن تقوم بتدريبها مجانا على أسلوب عرض الأزياء الإسلامي. وأكد على أن هذا النمط جرت صياغته من قبل عدد من أساتذة جامعيين.
وردا على سؤال عما إذا كانت إيران تؤيد عروض الأزياء الإسلامية المباشرة التي تقيمها دول مثل تركيا وماليزيا سنويا، قال رضوي: «قد لا نؤيد أجزاء منها، لهذا قمنا بتعديلات بسيطة عليها، مما يمهد لتقديمها في الدول الإسلامية وحتى غير الإسلامية».
وقد لا يريد رضوي أن يضع علامات استفهام على عروض الأزياء التي تقام في الغرب، لهذا يقول: «تطابق عروض الأزياء الغربية ثقافة تلك الدول، لهذا ابتكرنا نمطا محليا يناسبنا ويمكن للدول الإسلامية استخدامه».
يقول شريف رضوي عن إقامة أسبوع الموضة العالمي في طهران في شهر نوفمبر من هذا العام، إن المشكلة الرئيسية التي تعانيها صناعة الموضة وعروض الأزياء في إيران هي «غياب الثقة بهذه المهنة، إذ يعتقد الكثير من الناس أن مهنة عرض الأزياء تشابه نسختها الغربية، ولكننا نسعى لتغيير هذه الصورة النمطية وإظهار عروض الأزياء على أنها مهمة تحمل طابعا اجتماعيا. لقد اقترحنا عنوان (تطوير الأزياء) بدلا من عرض الأزياء على الذين يمارسون هذه المهنة لإعطائها صبغة ثقافية واجتماعية».
ويشرح رضوي الاختلاف بين تسمية «عرض الأزياء» و«تطوير الأزياء» بقوله: «يتلقى العارضون وعارضات الأزياء مجموعة من التدريبات، علما بأننا لا نركز على جمال الوجه والجسد، وهذا بحد ذاته يميز تطوير الأزياء عن عرض الأزياء. وبينما لا تهتم عروض الأزياء بالمعايير الأخلاقية، فإن مهنة تطوير الأزياء تركز على هذا الجانب بشكل كبير؛ فنحن نهدف إلى تغيير نظرة الناس إلى الموضة وعروض الأزياء في المجتمع، بما في ذلك ما تحمله صناعة الموضة وعروض الأزياء من طابع تجاري».
لكي يتحقق الحلم وتصبح هذه العروض حقيقة، كان لا بد من الحصول على تأييد المرجعيات الدينية، لهذا توجه أعضاء الشركة الإيرانية المختصة بالموضة الإسلامية إلى مدينة قم، وحصلوا فعلا على تأييد المرجعيات الدينية للفكرة طالما تقوم بترويج ثقافة ارتداء الأزياء التي تطابق المعايير الإسلامية.



«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
TT

«بين جدران النوبة»... قصة إرث ومكان

علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)
علاقة الإرث بالمكان تتميز بالقوة والبساطة (نونيز)

وُلدت علامة «نونيز» في القاهرة، وتحديداً في المعادي، لكنها في مجموعتها الصيفية الأخيرة تبدو وكأن روحها مُعلَقة بأسوان. المجموعة وعنوانها «داخل الجدران النوبية» تحوَّلت فيها الألوان الزاهية للمباني المحلية ذات الهندسة البسيطة التي تتماهى مع الطبيعة المحيطة بها، إلى حقائب يد تتنفس أجواء المكان.

أما قوّتها حسب مصممتها ناديا زركاني، فتكمن في ابتعادها عن الاستعراض، وهي سمة مرتبطة بـ«نونيز» منذ تأسيسها في عام 2009. منذ البداية حرصت ناديا على أن تُقدِم تصاميم بعيدة عن المبالغة، معتمدة بدلاً من ذلك على الخطوط البسيطة والتفاصيل التي تُعبِر عن حضور طبيعي يجمع الأناقة بالوظيفية. والأهم من هذا على الحرفة المصرية بوصفها لغة معاصرة وعالمية لا مجرد صناعة تقليدية محلية.

حقيبة فضيلة تأتي من الجلد أو الخوص (نونيز)

الرحلة إلى أسوان

تعكس هذه المجموعة تطوراً طبيعياً وعفوياً لعلامة بدأت من ورشة صغيرة في المعادي بالقاهرة، على يد شابة تدفعها الرغبة في استغلال الخامات المحلية مثل الجلود والمنسوجات، ومنح الحرفيين المصريين مساحة حقيقية للإبداع، في وقت كانت فيه المنتجات المستوردة تستحوذ على السوق. كانت الأهداف مثالية إلى حد أن اسم «نونيز» نفسه لم يكن اسماً تجارياً مخططاً له، بقدر ما كان لقباً شخصياً ارتبط بناديا بين المقربين قبل أن يتحوَل إلى علامة.

المجموعة عبارة عن رحلة على ضفاف النيل تعتمد على الذاكرة والإرث (نونيز)

لاحقاً انضمت كارول ناثان إلى المشروع، لتتشكل بينهما شراكة أعادت صياغة ملامح العلامة كما نعرفها اليوم. تتولى فيها ناديا جانب التصميم والرؤية الجمالية، بينما تساهم كارول في توسيع حضور «نونيز» وتطويرها لتصبح أكثر من مجرد خط حقائب نسائية. ثمرة هذه الاستراتيجية كانت ولادة خطوط أخرى من بينها Made by Nuniz للتصنيع والتعاونات، و«باهاوات» كخط رجالي، و«بيت نونيز» لقطع الديكورات الجلدية.

علاقة الإرث والمكان

ضمن هذا السياق تأتي مجموعة ربيع وصيف 2026، التي تقوم فكرتها بالكامل على الإرث وعلى المكان، وتلك العلاقة العميقة بينهما. فعلى ضفاف النيل في أسوان يتشكَل الجلد الطبيعي والخوص المنسوج يدوياً في حقائب متميزة، من ناحية أن كل واحدة تحمل حكايتها الخاصة بداخلها. لتصوير هذه المجموعة ومنحها بُعدها السردي، بدأت الرحلة جنوباً، متتبعة مجرى النيل نحو القرية النوبية، حيث الدفء وإيقاع الحياة الهادئ والبيوت المختلفة عما يمكن رؤيته في أي مكان آخر من العالم. لكن أكثر ما يترك أثره في المكان ليس العمارة وحدها، ولا أشعة الشمس الساطعة، بل دفء ناسها وبساطتهم. فلون بيوتهم هنا مثلاً ليس عنصراً جمالياً فحسب، بل تعبير عن الهوية نفسها. كل جدار يحمل أثر ذاكرة وتوقيع عائلة مرَت من هنا وتركت بصمتها عليه.

حقيبة فضيلة من الجلد المحبب تزينها تعليقة من التراث النوبي (نونيز)

خمس حقائب... خمس حكايات

وسط هذا الدفء والإرث، تتجلَى الحقائب بألوان وتفاصيل تربطها بالمكان واليد العاملة المحلية التي حاكتها أو نسجتها. خمس حقائب لكل واحدة اسم وشخصية، مثل «فضيلة»، وهي حقيبة تُحمل على الكتف، من الجلد المحبب مبطنة بالشامواه ومزينة بتعليقة مستوحاة من التراث النوبي. تأتي بدرجتي القرميدي والهافان.

أما «ثمرة» فتظهر في نُسختين. الأولى بجسم من الخوص المنسوج يدوياً مع أطراف جلدية بدرجتي البيج والهافان، والثانية من الجلد المحبب بدرجتي البرتقالي المحروق والهافان.

عارضة تحمل «شمندورة» (نونيز)

وربما تكون حقيبة «شمندورة» أكثر قطع المجموعة حضوراً من الناحية المعمارية. يمكن حملها بعدة طرق، بينما يرتفع قفلها فوق الغطاء على شكل تفصيل نحتي صغير. تتوفر بنسخ جلدية كاملة، إلى جانب توليفات تجمع الخوص الطبيعي والتفاصيل الجلدية البنية والبرتقالية المحروقة.

أما «سمرة» فتأخذ شكل دلو مصنوعة من الخوص المنسوج يدوياً. داخلها لا يقل جمالاً عن خارجها، إذ تتميز ببطانة برباط باللون الفيروزي يبدو وكأنه يربط علاقة خفية بين الحقيبة ومن تفتحها.

حقيبة حنة بنسختها الجلدية (نونيز)

وأخيراً تأتي «حنة»، حقيبة كتف صغيرة من الجلد المحبب ببطانية من الشامواه بلون زاهٍ. قطعة بسيطة لكن فيها كل شيء، بحيث لا تحتاج إلى ما يلفت الانتباه إليها. مثلها مثل سابقاتها، تتحرك بخفة بين البحر والمدينة، بين الحياة اليومية والسفر والترحال تتبع النيل أكثر من تتبعها تغير الفصول والمواسم.


كيف خطف منتخب الكونغو ذهبية الأناقة قبل انطلاق «المونديال»؟

تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
TT

كيف خطف منتخب الكونغو ذهبية الأناقة قبل انطلاق «المونديال»؟

تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)
تألّق لاعبو المنتخب في إطلالات زادتهم ثقة واعتداداً بالنفس لما تحمله من هوية ورمزية (رويترز)

سجل منتخب الكونغو أول هدف وأول نقطة في تاريخ مشاركاته في «كأس العالم»، يوم الأربعاء الماضي، بعد تحقيقه تعادلاً إيجابياً على المنتخب البرتغالي.

لكن في عيون الموضة، فإنه حسم الأمر وحصل على الذهبية منذ لحظة وصوله إلى مطار هيوستن، وحتى قبل انطلاق البطولة، بجرأة إطلالاته ورمزيتها الثقافية. وظهر اللاعبون والجهاز التقني ببدلات سوداء مفصَّلة بعناية تُزيِّنها لمسات جريئة من نقشة جِلد النمر ويحملون بأياديهم حقائب ضخمة كلها بالنقشات نفسها. كانت الصورة تحتفل بالهوية الأفريقية بشكل معاصر يتضمن نوعاً من التحدي والرغبة في التميز.

المنتخب الكونغولي لدى وصوله إلى مطار هيوستن (رويترز)

جُرأة الإطلالات صُمّمت بعناية لتعكس تاريخ الكونغو بوصفها عاصمة الأناقة في أفريقيا منذ بداية القرن الماضي، إلى حد أن عشاق الموضة فيها أصبح لهم اسم خاص هو «السابور»، وهو أسلوب فيه كثير من التأنق استمدّه السكان المحليون من أزياء المستعمر الأوروبي، وأعادوا توظيفه بلغتهم الخاصة. لغة تغلب عليها جرعات سخية من الألوان الصارخة والنقشات المستوحاة من الطبيعة وكائناتها الحية، ولا سيما النمر الذي أصبح رمزاً لها. تجدر الإشارة إلى أن ثقافة «لاساب» الكونغولية هي اختصار لـ«جمعية صناعي الأجواء وأصحاب الأناقة»، وهو تقليد متجذر في بلد يعشق رجاله الأزياء الجريئة والغنية بالألوان والنقوش، ويستعملونه كرسائل تتعدى المظهر الحسن.

من الصور التي خطفت أنظار العالم لدى وصول المنتخب إلى المطار (رويترز)

فما تجدر الإشارة إليه أن الأناقة بالنسبة لـ«سابور» ليست مجرد ملابس وإكسسوارات. فعلى مدى أجيال حملوا رسالة سياسية قائمة على الاعتزاز بالنفس والاعتداد بقوتهم في مواجهة الشدائد. وهذا ما وضعه مصمم هذه الإطلالات ألفين جونيور ماك الكونغولي المقيم بباريس نصب عينيه عندما أرسل قبيل «كأس العالم» رسالة إلكترونية إلى وزارة الرياضة الكونغولية عارضاً رؤيته للمشروع وواعداً بتنفيذ جميع القِطع داخل الكونغو.

رمزية النمر في الثقافة الكونغولية

لم تكن العملية بسيطة، إذ شملت تصنيع 55 بدلة وحقيبة للاعبين والجهاز الفني، لكنها كانت تستحق كل الجهد؛ لأنه يقطف ثمارها حالياً. كان المصمم يعرف أن مشاركة منتخب بلاده الأصلي يأتي بعد غياب عقود. يتوقع أيضاً أنهم سيقاتلون من أجل تحقيق الأهداف، لهذا حرص على أن يتضمن كل تفصيل معنى يعرفه أبناء بلده جيداً ويعتزون به، مثل صورة النمر بالكونغو التي ترمز للقوة، حيث اشتهر الرئيس موبوتو سيسي سيكو بقبعته المصنوعة من جلد النمر، إلى جانب أن المنتخب الوطني لكرة القدم يُعرَف داخل البلاد باسم «الفهود»، لهذا لم يتخيل أن يظهر المنتخب دون رمز النمر. وبالفعل، لم يظهر في النقشات التي زيَّنت صدر السترات أو غطّت حقائب اليد فحسب، بل أيضاً في دبوس على شكل نمر مُثبت على كل بدلة.

من هذا المنظور كان توظيف المصمم لهذه النقشات طبيعياً لتعريف العالم بهوية بلده.

استلهم المصمم الإطلالة من ثقافة السابور الكونغولية المتأثرة بالمدرسة «الداندية» (إنستغرام)

من مصمم مغمور للعالمية

في لقاء صحافي أُجري معه قبل المباراة، قال ماك إنه تلقَّى مكالمات من كل أنحاء العالم بعد انتشار صور لاعبي المنتخب، يتساءلون فيها عن الحقائب ومن أين يمكنهم اقتناؤها. واعترف المصمم بأنه لا يزال يحاول استيعاب حجم الاهتمام الذي حظيت به تصميماته، إلى حد أغناه عن تنظيم عرض أزياء ضخم. وأضاف، في اللقاء، أنه شعر بفخر كبير «ليس من أجلي، بل من أجل ثقافتي أكثر». ويضيف: «في الكونغو لدينا ثلاث أشياء أساسية: الموسيقى والموضة والرياضة». وأضاف أنه عاد إلى التاريخ مستلهماً بعض العناصر من البدلات الزرقاء التقليدية التي ارتداها المنتخب في آخِر مشاركة له في «كأس العالم» عام 1974 عندما كانت بلاده تُعرَف باسم زائير.

كل التفاصيل كانت جريئة بنقشاتها وأحجامها (إنستغرام)

تجدر الإشارة إلى أن المصمم ألفين جونيور ماك وُلد في الكونغو قبل أن ينتقل إلى باريس وهو في سن الحادية عشرة. وعمل في مجال البيع بالتجزئة قبل أن يخوض مجال تصميم الأزياء في عمر العشرين من عمره متسلحاً بالجرأة واندفاع الشباب. فهو لم يدرس الموضة بشكل أكاديمي. واعترف بأنه تعلّم جانباً من أصول التصميم، من خلال الأفلام الوثائقية التي تتناول حياة ومسيرة المديرين الإبداعيين في دور الأزياء للمُخرج الفرنسي لويك بريجان. كان يتابعها بشغف واهتمام. بداية جد متواضعة إلا أنه عوَّض عنها بجرأته وثقته بنفسه. صفتان أوصلتاه إلى ما هو عليه، اليوم، من نشاط وانتشار عالمي.


«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
TT

«ألكسندر ماكوين» تعود إلى أسبوع لندن للموضة

بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)
بين دقة التفصيل وجنون التفاصيل (ألكسندر ماكوين)

أخيراً تلقى مجلس الموضة البريطانية خبراً يُثلج الصدر؛ فبعد غياب استمر نحو 4 سنوات منذ آخر عرض قدمته دار «ألكسندر ماكوين» في العاصمة البريطانية، وكان لموسم ربيع وصيف 2023، أعلنت الدار عودتها إلى مسقط ولادتها للمشاركة ضمن عروض موسم ربيع وصيف 2027.

بالإضافة إلى أهمية الخبر بالنسبة لأسبوع فقد الكثير من بريقه بعد هجرة أسماء مهمة للعرض في نيويورك أو باريس، وإلى ما يحمله اسم «ماكوين» من ثقل إبداعي وارتباط تاريخي بلندن، فإن العرض المرتقب سيكون أيضاً أول عرض يقدمه مديرها الإبداعي شون ماكغير في العاصمة البريطانية منذ توليه منصبه في عام 2024.

المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

وفي إعلانها عن الخبر عبر حسابها على «إنستغرام»، نقلت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس البريطاني للأزياء عن ماكغير قوله: «كثيراً ما كانت لندن جزءاً لا يتجزأ من هوية (ماكوين)؛ فهي تنبض بطاقة فريدة وحيوية تتجلى بوضوح في مختلف محطات تاريخ الدار، ولا تزال مصدر إلهام لكل ما نقدمه اليوم». وأضاف أن «هذه العودة تتيح التفاعل بعمق مع روح العاصمة والمجتمع الإبداعي الذي تتميز به».

اشتهرت الدار بدقة التفصيل ولا تزال تفخر بقوتها في هذا المجال (ألكسندر ماكوين)

من جهته، علَق جيانفرانكو داتيس، الرئيس التنفيذي للدار، والذي تولّى منصبه في 3 يونيو (حزيران) الحالي على هذه العودة قائلاً: «إنها تمثل لحظة ذات دلالة خاصة للدار. فلندن هي المكان الذي بدأت فيه قصتنا، وما زالت تشكل ركناً أساسياً من هويتنا. ونحن فخورون بتجديد التزامنا تجاه المجلس البريطاني للأزياء والمنظومة الإبداعية الاستثنائية التي تحتضنها المدينة، بينما نواصل البناء على إرث (ماكوين) وصياغة مستقبلها».

إطلالة أنيقة من مجموعة الدار لخريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

كان آخر عرض قدمته الدار في لندن من خلال مجموعة ربيع/صيف 2023 بعنوان «فيرست سايت» (First Sight) أي النظرة الأولى، تم عرضها في الكلية البحرية الملكية القديمة بمنطقة غرينيتش، وكانت من تصميم المصممة سارة بيرتون قبل انتقالها إلى دار «جيفنشي» بعد مسيرة استمرت 26 عاماً داخل الدار.

وتحتل لندن مكانة محورية في تاريخ العلامة؛ فمنذ تأسيسها على يد المصمم الراحل لي ألكسندر ماكوين عام 1993، احتضنت عدداً من أكثر عروضه شهرة وتأثيراً، وظلت اسماً أساسياً في أسبوع لندن حتى عام 2001، بعد استحواذ مجموعة «كيرينغ» عليها، نقلت عروضها إلى باريس.