«داعش»... نقل نشاطه إلى الفلبين

أمام خلفية الخزان البشري... وإشكاليات التنوع والاختلاف والتشدد

«داعش»... نقل نشاطه إلى الفلبين
TT

«داعش»... نقل نشاطه إلى الفلبين

«داعش»... نقل نشاطه إلى الفلبين

أعلنت السلطات العراقية خلال الأسبوع تحرير مدينة الموصل من احتلال تنظيم داعش المتشدد، وذلك في الذكرى السنوية لسقوطها تحت احتلاله، وإعلانه فيها «دويلته» المزعومة. ولكن، بينما مُني التنظيم بنكسة كبرى في شمال العراق، وبات يواجه انحساراً كبيراً في مناطق سيطرته على الأراضي السورية، ولا سيما، معقله مدينة الرّقة، فإن امتداداته و«ذئابه المنفردة» ما زالت ناشطة في أنحاء العالم الأخرى. وبعد سلسلة الهجمات الإرهابية في عدد من المدن الأوروبية، يخوض مسلحو «داعش» معارك شرسة في جزيرة مينداناو، ثاني كبرى مدن الفلبين.
يبدو أن العالم على موعد مع فصل جديد من فصول «داعش»، في موقع وموضع آخر بعيد عن الشرق الأوسط والعالم العربي. فخلال الأيام القليلة المنصرمة نجح مسلّحو التنظيم المتشدد في الاستيلاء على مدينة ماراوي في الجزيرة الكبيرة الواقع في جنوب أرخبيل الفلبين. وللعلم، توفر هذه المنطقة مزايا كثيرة له ولمسلحيه. ذلك أنها من جهة تعدّ ملاذاً آمناً من الناحية الجغرافية بسبب قربها من دول آسيوية إسلامية كبرى، ومن جهة ثانية تقدّم الفلبين وما يجاورها من إندونيسيا وماليزيا نقطة جذب لخزان بشري حيث أكبر وجود إسلامي في شرق آسيا.
للوهلة الأولى يدرك الناظر للمشهد أن مخططات «داعش» الخاصة بالانتقال إلى جنوب آسيا وشرقها إنما جاءت كردات فعل بعد تعاظم الخسائر الميدانية التي لحقت بالتنظيم في الشرق الأوسط على أكثر من صعيد. وكما سبقت الإشارة أعلاه، بدأ في العراق العد التنازلي للقضاء على «داعش» في أعقاب طرده من قلب «المدينة القديمة» في الموصل، كما أن وضعه في سوريا ما عاد وضعه مريحاً مع اقتراب ما يتوقع أن يكون «معركة حسم» في الرّقة، بتعاون دولي ومشاركة أميركية بنوع خاص. أيضاً، في ليبيا وشمال أفريقيا يبدو التضييق على الميليشيات الداعشية سيد الموقف.
بناءً عليه بات البحث عن ميادين «لوجيستية» جديدة تزخم وتدعم الحضور الداعشي، هو ما يشغل الدواعش لنقل أساليبهم الوحشية إليها. وهنا، يتبادر إلى الأذهان السؤال: لماذا اختار القائمون على التنظيم جنوب شرقي آسيا، تحديداً، لانطلاقتهم الإرهابية الجديدة، ولم يختاروا أوروبا أو أفريقيا أو أي بقعة جغرافية أخرى حول العالم؟

الخزان الآسيوي البشري
في تقرير لها نشر أخيراً، ذكّرت صحيفة «الفاينانشيال تايمز» البريطانية بأن قارة آسيا تضم من المسلمين أكثر مما في العالم العربي. وعلى سبيل المثال فيها إندونيسيا، كبرى دول جنوب شرقي آسيا من حيث عدد السكان، إذ يقطنها أكبر من 250 مليون نسمة غالبيتهم العظمى مسلمون، وهي أيضاً أكبر بلد إسلامي في العالم من حيث عدد السكان.
على صعيد آخر، فإن غالبية دول جنوب شرقي آسيا تعاني من حالة تراخٍ أمني كبير، ربما لأنها لم تعهد مثل هذا النوع من الإرهاب الداعشي على مرّ تاريخها. ولهذا كان وما زال من اليسير على الدواعش استجلاب المزيد من العناصر الجديدة المتطرفة وتجنيدها لصالح التنظيم، وبالذات، من إندونيسيا.
والمؤكد أيضاً أن المنطقة الجغرافية التي نحن بصدد الحديث عنها تعد ذات أهمية استراتيجية كبرى للمصالح الاقتصادية الغربية. ووفق العقيدة الفكرية والقتالية لـ«داعش»، تعد هذه المصالح أهدافاً يسيرة في الوصول إليها وتحقق لـ«داعش» عوائد أدبية ومالية معاً.
ولعل «داعش» تدرك أن تلك المنطقة من آسيا، لا سيما، الفلبين تعاني من إشكاليات صراع هويات تاريخية وثقافية استغرقت أجيالاً كثيرة، مما يجعل اللعب على المتناقضات فيها أمراً سهلاً. وهذا ينطبق - تحديداً - على جزيرة مينداناو، كبرى جزر جنوب البلاد، التي شهدت تمرداً مسلحاً في الشهر الماضي. وهذا ما حدا بالرئيس الفلبيني المثير للجدل رودريغو دوتيرتي لاعتبار الأمر «تمرداً داعشياً بحتاً»، حسب تعبيره، لافتاً إلى أنه حذّر منذ وقت طويل، من قرب وصول «داعش» إلى بلاده.
أمر آخر يجعل من جنوب شرقي آسيا محل جذب لـ«داعش» هو سهولة التمويل عبر الحصول على أوال تجارة المخدرات. ومثلما موّلت «داعش» عملياتها في العراق وسوريا من النفط المهرّب وبيع الآثار، فإن تهريب المخدرات في جنوب شرقي آسيا يُعد الطريق الأيسر للتمويل. وثمة جهات غربية تتهم الشقيقين عبد الله وعمر ماوتي، اللذين تحمل اسمهما «جماعة ماوتي» (أو «دولة لاناو الإسلامية») التي بايعت «داعش»، بالتورط في هذه التجارة.
غير أن ما تقدم ما كان ليدعم نشوء وارتقاء «داعش» في جنوب شرقي آسيا عموماً، والفلبين بصفة خاصة، لو لم تكن هناك جذور فكرية متشددة هيأت تربة مناسبة تتقبل مثل هذا التشدد الذي تحول إلى التوحش في مرحلة لاحقة.

عن الأصولية في الفلبين
ما يتوفر من معلومات يشير إلى أن إشكالية التشدد في الفلبين - بوجهيه الإسلامي والمسيحي - لديها اتجاهان تاريخيان. ذلك أن الأزمة هناك قائمة بين الغالبية المسيحية الكاثوليكية والأقلية المسلمة منذ الاحتلالين الإسباني والأميركي للأرخبيل الفلبيني، وهما احتلالان أنهيا هناك حكم السلطنة الإسلامية، وأجبرا شعب المورو على الاندماج في الجمهورية الفلبينية الحديثة. والمورو مجموعة عرقية ودينية مسلمة تعيش في جنوب الفلبين، وعرفوا عالمياً في مسرح السياسة في أعقاب تأسيس أطلق عليه «جبهة تحرير مورو الإسلامية». وهو ما يعني أن الصراعات العرقية والدينية كانت حاضرة في الأصل، ولاحقاً أَضحت حاضنة جاهزة للصدام.
أما الاتجاه الآخر فتبدو إشكاليته أكبر من مجرد الخلاف والاختلاف بين الغالبية والأقلية وصراعاتهما. إذ تلقى عدد من قادة جبهة مورو الإسلامية علومهم الدينية في الأزهر الشريف خلال ستينات القرن المنصرم. وفيما بعد تأثر عدد منهم بأفكار وآراء أبو الأعلى المودودي، ثم سيد قطب، وبخاصة كتابه الأشهر «معالم على الطريق»، الذي غلبت عليه فكرة «الحاكمية» بالمعنى المعروف «ما الحكم إلا لله». وبالتالي، فإن كل الأنظمة الحاكمة الحالية «أنظمة كافرة «يتوجب إسقاطها ومحاربتها».
ولم تتوقف أرضية التشدّد في الفلبين عند هذا الحد. بل كانت الحرب الدائرة في أفغانستان خلال ثمانينات القرن المنصرم، منطلقاً آيديولوجياً لتأثر البعض هناك بأفكار أكثر تشدداً، واحتكوا هناك بجماعات خرج منها تنظيم القاعدة وجماعة طالبان. ومن ثم، بعد عودتهم إلى الفلبين غدت «خارطة التشدد» والتشدد المضاد أكثر حدة، مع العلم أن التنظيمات المتشددة تعرّضت للانشقاقات عدة مرات.

جماعة «أبو سياف»
كانت بداية التوجّه العملياتي المسلح في الفلبين على يد جماعة «أبو سياف» المتشددة التي انشقت عن «جبهة مورو للتحرير الوطني» عام 1991. ولقد أسس هذه الجماعة عبد الرزاق جنجلاني، المشهور بكنيته «أبو سياف»، وبعدما قتل عام 1998، تولى أخوه الأصغر قذّافي جنجلاني قيادة الجماعة بعده، غير أنها تفتتت في عهده إلى زمر متفرقة.
الخبراء يقدّرون تعداد جماعة «أبو سياف» ببضعة آلاف، ولا تختلف آليات أفرادها كثيراً عن آليات عمل «داعش»، بما في ذلك الاغتيال والخطف وابتزاز الشركات ورجال الأعمال الأثرياء في البلاد. ويضاف إلى ذلك، الإغارة على الجزر القريبة، واستهداف الأجانب، وخصوصا من الأوروبيين والأميركيين. ولقد نسب إلى الجماعة كثير من عمليات الخطف والهجمات بالقنابل التي وقعت عام 1998.

مبايعو «داعش»
مما تقدم، نلحظ أن فكر تنظيم «القاعدة» التي تبلوَر لاحقاً في العراق والشام فتحول إلى «داعش» كان حاضراً وبقوة في مدينة ماراوي، بجزيرة مينداناو الفلبينية. أكثر من ذلك، كان «أبو سياف» يسعى فعلياً إلى تأسيس «دولة إسلامية» في غرب الجزيرة (التي تعد ثاني كبرى جزر الفلبين بعد جزيرة لوزون التي تقع فيها العاصمة مانيلا، في شمال البلاد). وعلى هذا الأساس فإن تبني «داعش» فكرة «دولة الخلافة» كان لا بد أن يلقى صدى طيباً، وترحيباً كبيراً من الجماعات الفلبينية المتشددة.
في مقدمة تلك الجماعات «جماعة ماوتي» («دولة لاناو الإسلامية») وهي مجموعة منشقة من «جبهة مورو الإسلامية» وتضم عدة مئات من المقاتلين المتشددين، ثم تبعها تنظيم «أبو سياف» نفسه، بدليل مشاهدة أحد قادته السابقين إيسنيلون هابيلون في ماراوي أخيراً. ووفق التقارير فإن هابيلون مصنف في الولايات المتحدة كقيادي إرهابي ولقد وضعت واشنطن مكافأة مالية هائلة لمن يرشد عنه عليه، في أعقاب اتهامه بارتكاب جرائم قتل واغتيال، وكان من بين ضحاياه أميركيون.
عطفاً على ما سبق، ظهر تسجيل مصور من جزيرة مينداناو يظهر فيه عدد من قادة الإرهاب المحليين في المنطقة، يقدمون فروض الولاء والبيعة لزعيم داعش «أبو بكر البغدادي»، ويتردد أن عددها أربع جماعات. ولهذا فإن «داعش» روّج أخيراً لتقارير عن نشاطات زعم أنها للجماعات التابعة له في الفلبين، ويزعم «داعش» أن قواته هناك تضم عشر كتائب، وأن مسلحيه قتلوا نحو 300 جندي فلبيني منذ بداية المواجهات.

أزمة لإندونيسيا وماليزيا
تدفق المعلومات من الفلبين للعالم الخارجي ما زال في بداياته، لكن حتى تلك البدايات تقودنا إلى القول بأن «معركة ماراوي» أثبتت أن الفلبين باتت مكان جذب للراغبين في الانضمام إلى «داعش». ولقد ذكرت وزارة الدفاع الإندونيسية أن نحو 12 ألف مقاتل أجنبي ينشطون اليوم على الأراضي الفلبينية، ومن بينهم عشرات من الإندونيسيين. وتجدر الإشارة إلى أن المسافة الفاصلة بين ماراوي، ومناطق شمال أرخبيل إندونيسيا تقطع في خمس ساعات فقط. ولذا أفاد مصدر إندونيسي من قطاع مكافحة الإرهاب وكالة «رويترز» للأنباء أن السلطات الإندونيسية شدّدت المراقبة على المناطق الشمالية من جزيرتي كاليمانتان (بورنيو) وسولاويسي (سليبيز) لمنع توجه مقاتلين محتملين من السفر بحراً إلى جنوب الفلبين.
ولا يتوقف المشهد مع إندونيسيا، بل يتجاوزها إلى «جارتها» ماليزيا، التي هي أيضاً «جارة» الفلبين. إذ حدد رئيس وحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة الماليزية أيوب خان أسماء عدد من الماليزيين، سافروا بالفعل إلى جزيرة مينداناو الفلبينية (التي تعادل مساحتها مساحة كوريا الجنوبية ويسكنها 21 مليون نسمة) وهدفهم الانضمام إلى المقاتلين المتشددين هناك. وأوضح أن بين هؤلاء محمود أحمد، المحاضر الجامعي الماليزي، الذي يُقال أنه من المتوقع أنه يتولى قيادة التنظيم في جنوب الفلبين إذا ما قتل هابيلون.
في هذه الأثناء، أشار اللفتانت كولونيل جو هيريرا، الناطق باسم الجيش الفلبيني، إلى أن كثيرين من المقاتلين المتشددين الأجانب جاءوا إلى ماراوي تحت ستار مهرجان إسلامي عقد في المدينة الشهر الماضي. وأحضر هابيلون معه عدة مئات، في حين أحضرت جماعتان أخريان هما «جماعة مقاتلي بانجسا مورو الإسلاميين من أجل الحرية»، وجماعة «أنصار الخلافة» في الفلبين المئات من جانب آخر.
وبالتالي، قد يصدق ما ورد على لسان مسؤول في جهاز الاستخبارات المركزية الأميركي (سي آي إيه)، حين ذكر أن فرع «داعش» في جنوب الفلبين، قد دعا أتباعه للإحجام عن الذهاب إلى سوريا، وأنه بدأ يستقطب عناصر من مناطق أخرى، فيما يبدو أن ثمة خطة جديدة للتنظيم لبناء شبكة جديدة له في جنوب شرقي آسيا، وتحديداً في جنوب الفلبين. ويعتقد على نطاق واسع، داعش يسعى الآن لزرع أتباعه في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحكومات المركزية.
من جانبه، يقول جوزيف شينونغ ليو، خبير الحركات «المتشددة الإسلامية» في جنوب شرقي آسيا، أن «داعش» ومؤيديه في جنوب شرقي آسيا يستخدمون الآن شبكات التواصل الاجتماعي بشكل متطور من أجل بث رسائله وتجنيد مقاتلين من المدارس الإسلامية في ماليزيا.

انتفاضة آسيوية
في أي حال، تخشى الدول الآسيوية من أن يضرب فيروس التشدد الإرهابي القاتل أنسجتها الاجتماعية المتماسكة، وتخاف من أن يؤدي الإرهاب إلى وقف نموها وازدهارها الاقتصادي الذي أدركته بعد عدة عقود خلت.
أيضاً، تدرك دول المنطقة أن «داعش» يعمل لجعل الهجمات الانتحارية «عملة» المنطقة وديدنها، إذ كشفت تايلاند عن معلومات استخباراتية أميركية تفيد باعتزام مقاتلين تابعين لـ«داعش» شن عمليات انتحارية في مناطق حيوية من البلاد، أما صحيفة «إل موندو» الإسبانية فأشارت خلال الأسبوع الماضي إلى أن خبراء أمنيين في سنغافورة حذّروا بقوة من الدمار الذي يمكن أن يجلبه «داعش» إذا تمكن من البقاء والنماء في الفلبين.
هل تحركت دول الجوار والدول الكبرى، بالفعل، كي لا تتكرر أزمة الشرق الأوسط مع «داعش»؟
يبدو أن الجواب إيجابي. فلقد أعربت روسيا عن استعدادها لاتخاذ ما ينبغي من إجراءات لمساعدة السلطات الفلبينية في مانيلا في حربها ضد «داعش»، بما في ذلك إرسال مستشارين عسكريين وآليات ومعدات عسكرية. وقد تجد موسكو في المشهد فرصة تاريخية لاقتسام النفوذ مع الولايات المتحدة، الحليف المتقدم للفلبين تاريخياً.
ثم تأتي الصين بعد روسيا في إدراكها خطورة انتشار «داعش» في آسيا، فهي تعرف أن الإيغوريين الترك قد تسربت منهم أعداد كبيرة إلى الشرق الأوسط، وعليه فإن «ولاية» لـ«داعش» في وسط آسيا ستكون مسألة قاتلة بالنسبة لبكين. ولذا أعلنت القيادة تأييدها عمليات الجيش الفلبيني ضد «داعش».
وطبعاً، لم تتغيب الولايات المتحدة عن المشهد، إذ أعلنت السفارة الأميركية في مانيلا أن قوات أميركية خاصة تساعد الجيش الفلبيني في عملياته المستمرة في ماراوي. والمثير هنا أن الصين، العدو التقليدي لأميركا في آسيا، رحبت بهذا التدخل «طالما أنه جاء على أساس رغبة الحكومة الفلبينية».
أما إندونيسيا وماليزيا، الدولتان المسلمتان الكبيرتان في المنطقة، فقد أعلنتا أنهما بصدد إطلاق دوريات جوية مشتركة هذا الشهر على حدودهما المشتركة في بحر سولو (غربي مينداناو وشمال بورنيو) بالإضافة للدوريات البحرية الحالية. وحثت السلطات في عموم المنطقة على تعزيز التعاون بين الدول لمكافحة تبعات المعركة المستعرة مع المتشددين الدواعش في جنوب الفلبين، في تحذير جدّي من أن التنظيم يؤسس قاعدة له في جنوب شرقي آسيا.

تأخر رد فعل واشنطن
في الأيام القليلة الماضية كان وزير الدفاع الأميركي الجنرال جيمس ماتيس يتحدث أمام الكونغرس، ووسط ذهول الأعضاء تحدث عن إلغاء إدارة الرئيس السابق باراك أوباما عملية عسكرية أميركية طويلة الأمد لمساعدة القوات الفلبينية على احتواء خطر المتشددين قبل ثلاث سنوات. وفيما بدا تغيراً في توجه واشنطن إزاء انتشار «داعش» في آسيا، أضاف ماتيس: «يجب أن نعمل معاً لمنع هذا التهديد من النمو».
ولكن، في تقرير أخير صادر عن الاستخبارات الكندية، ثمة خلاصة غاية في الأهمية مؤداها أن «داعش» بأنماطه الجديدة لا ينمو إلا داخل بيئات تمزقها الخلافات العرقية والدينية، ما يسمح باستغلال الظروف الأمنية المتردية والمتعلقة بانتشار الميليشيات في البيئات المنقسمة على ذاتها «هوياتياً»، إن جاز التعبير. ولهذا، سيشكل الإرهابيون والمتشددون الدواعش تهديداً أمنياً لسنوات كثيرة قادمة.
من هنا يفهم الزحف الداعشي على مناطق فلبينية موبوءة بمثل تلك الثقافات العرقية والدينية المتعادية. ومن ثم، حتى إذا نجحت القوى الآسيوية الكبرى المحيطة بالفلبين في التعاطي عسكرياً مع إرهاب «داعش» فإن الإشكالية الداعشية لن تتبخر وتتلاشى. وهو ما يعزز الحاجة إلى تأطير فكري يجابه انتشار أفكارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة.



«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.