«أوديمار بيغيه»... تُعزز استقلاليتها بدخول مجالات فنية

جاسمين أوديمار لـ «الشرق الأوسط» : ما تشهده سوق المنتجات المترفة حالياً ليس أزمة بقدر ما هو تطبيع لازم

ساعة نسائية مرصعة بالماس والزفير من قسمها الخاص بالساعات الرفيعة - جاسمين أوديمار - ساعة «رويال أوك  إكسترا ثين» -  ساعة «غراند كومبلكايشن  رويال أوك أوفشور كرونوغراف»
ساعة نسائية مرصعة بالماس والزفير من قسمها الخاص بالساعات الرفيعة - جاسمين أوديمار - ساعة «رويال أوك إكسترا ثين» - ساعة «غراند كومبلكايشن رويال أوك أوفشور كرونوغراف»
TT

«أوديمار بيغيه»... تُعزز استقلاليتها بدخول مجالات فنية

ساعة نسائية مرصعة بالماس والزفير من قسمها الخاص بالساعات الرفيعة - جاسمين أوديمار - ساعة «رويال أوك  إكسترا ثين» -  ساعة «غراند كومبلكايشن  رويال أوك أوفشور كرونوغراف»
ساعة نسائية مرصعة بالماس والزفير من قسمها الخاص بالساعات الرفيعة - جاسمين أوديمار - ساعة «رويال أوك إكسترا ثين» - ساعة «غراند كومبلكايشن رويال أوك أوفشور كرونوغراف»

كانت درجات الحرارة في سويسرا مرتفعة بشكل استثنائي في الأسبوع الثاني من شهر يونيو (حزيران) الأخير. كانت أشعة الشمس الساطعة تتبعنا أينما أخذتنا شركة الساعات السويسرية الشهيرة، «أدوديمار بيغيه» في رحلتها الفنية. كان هدفها تقريبنا من إرثها ومبادئها المتوارثة أباً عن جد وأيضا تعريفنا بفنيتها. لأربعة أيام لم تتنازل الحرارة ولا درجة سواء في بازل أو جنيف أو نيو شاتيل ولوبراسي.
المحطة الأخيرة كانت في معرض «أرت بازل». وجهة لا تقل أهمية عن «لوبراسي» حيث توجد معاملها ومراكز إنتاجها. أهميتها تكمن في أن أوديمار بيغيه أصبحت وجها مألوفا فيها منذ خمس سنوات. تشارك في معرضها السنوي بأجمل إبداعاتها وأكثرها تعقيدا، إلى جانب دعمها لفنانين معاصرين، تُكلفهم بإبداع تحف من بنات أفكارهم تستعرضها في جناحها الخاص. ما إن تطأ قدماك ردهة المعرض حتى تُداهمك رائحة الفن من كل صوب. فكم الأعمال الفنية كان مدوخا. بعضها يغطي الجدران وبعضها الآخر يتدلى من الأسقف أو يتوسط الردهات. ورغم هذا الكم وكل الجمال، كانت الأعين مصوبة على جناح أوديمار بيغيه، وشجرته الضخمة التي كانت أول ما تستقبلك. شجرة استوحاها الفنان سباستيان إيرازوريز من طبيعة «فالي دو جو» حيث توجد معامل الدار، تتفرع لتظهر على فروعها بتلات تتأهب للتفتح.
من بين الازدحام الذي خلقته الشجرة لمعاينتها عن قرب وقبل الدخول لمتابعة ما يقوم به حرفيو الدار أمامهم من حفر على الساعات أو نقشها، تظهر جاسمين أوديمار. سليلة جيل - لويس أوديمار أحد مؤسسي الدار السويسرية في عام 1875.
طويلة ورزينة بشعرها الأبيض القصير وتايور بسيط بلون بيج. اتجهت نحو الحرفيين لتراقبهم وكأنها طفلة ترى هذا المشهد لأول مرة، مع أنها ربما رأته مئات المرات. جاسمين أوديمار تعمل في الدار منذ 30 عاماً، فهي رئيسة مجلس الإدارة، كما أنها واحدة من بين نساء يُحسبن على أصابع اليد الواحدة ممن نجحن في اقتحام عالم الساعات الفاخرة حيث لا يزال الرجل هو المسيطر فيه على المناصب الكبيرة. فحتى عهد قريب كانت الوظائف التي تحصل عليها المرأة في هذا المجال تقتصر على العلاقات العامة أو التسويق أو العمل في المعامل لتجميع المكونات أو نقشها أو تزيين الموانئ وما شابه من أمور تحتاج إلى أنامل ناعمة. باستثناء كارولين شوبارد من دار «شوبار» ونايلة حايك من مجموعة «سواتش» ورئيسة «هاري وينستون» التنفيذية، وشابي نوري الرئيس التنفيذي الجديد لدار «بياجيه» ظلت المرأة مغيبة بشكل واضح عن مراكز القرارات.
بيد أن الأمر لا يُقلق جاسمين. فالمسألة بالنسبة لها مسألة وقت فقط، لأن المرأة تستحق أن يكون لها دور أكبر. فهي حسب رأيها «تتمتع بميزة مهمة ونادرة تتلخص في عدم تضخم الأنا لديها». تضيف بابتسامة شقية: «قد لا يكون المستقبل نسوياً في عالم الترف لكنه حتما أنثويا». وتضيف: «المرأة لا تعاني من مستوى تستيرون عال، وبالتالي لا تُعقد الأمور كثيراً فضلاً عن أنها منصتة جيدة. طبعاً هناك دائما حالات شاذة لكنها عموما قائدة جيدة، وإن كان علي الإعتراف أن قيادة أي شركة كيفما كانت تُشكل تحديا للمرأة والرجل على حد سواء».
درست جاسمين العلوم الاجتماعية والتاريخ الاقتصادي في جامعة جنيف، إلا أنها لم تلتحق بشركة العائلة. كان يدغدغها حلم الصحافة فوجدت ضالتها في جريدة «لوتون» Le Temps في عام 1968. في عام 1980 تولت رئاسة تحريرها.
تعترف أنها على الرغم من أنها وُلدت وشبت في بيئة تتنفس الساعات، لم تكن مطالبة بأن تنذر حياتها لها كتحصيل حاصل فقط لأنها وُلدت فيها. لم تكن المسألة أيضا بالنسبة لها تمردا أو رغبة في الانعتاق من جلباب العائلة. كل ما في الأمر أنها كانت تريد أن تترك أثرا لها في عالم الصحافة، ولم تجد مانعا من والديها. بل العكس، تقول: «شجعاني وتمنيا لي التوفيق عندما أسررت لهما برغبتي». عشرون عاما مرت وحققت فيها الكثير من النجاحات والإنجازات، لكن عندما اقترح عليها والدها في عام 1992 الانضمام للشركة، لم ترفض أو تقاوم. كانت كما تقول «مستعدة لخوض تجربة جديدة، فبعد 20 عاما في العمل الصحافي شعرت أن الوقت حان للتغيير». تستطرد سريعا: «ثم أن النقلة لم تكن تغييرا جذريا كما تتصورين، لأن عملي كرئيسة تحرير في الجريدة كان يتطلب دراية إدارية ومالية مثل تحضير الميزانية وتقنينها وما شابه من أمور».
الآن وبعد 30 عاما من توليها مهمتها كرئيس مجلس الإدارة في «أوديمار بيغيه» لا يبدو عليها الكلل أو أي علامات تشير إلى أن الإرث الكبير الذي تحمله على عاتقها طوال هذه السنوات، يُثقل كاهلها. فهي حريصة أن تسلمه قويا للأجيال القادمة من العائلة. عندما أشير إلى هذه النقطة تجيب دون تردد أنها جبلية الأصل والتكوين وبالتالي تتعامل مع كل شيء في الحياة بعقلانية «فسكان الجبال معروفون باستقلاليتهم وبقدرتهم على التحمل ومواجهة المصاعب ولا يميلون لتضخيم الأمور أكثر من اللازم». كلمة الاستقلالية تكررت على لسانها كثيرا خلال حديثنا. فالدار التي كان جد جدها جيل - لويس أوديمار أحد مؤسسيها لا تزال مستقلة يتحكم أفراد من العائلة في زمامها ويديرونها بنجاح. في كل مرة تُذكرني بذلك، كانت تقفز من عيونها نظرة تُعطي الانطباع بالفخر. ولولا تعريفها للشخصية السويسرية ولا سيما تلك التي تتجذر أصولها في جبال الجورا لكان من السهل تفسير نظرتها هاته اعتدادا بالنفس. تُعلق وكأنها قرأت ما يجول بخاطري «من بين المبادئ التي ورثناها أبا عن جد أن نتجنب الغرور بكل أشكاله. فحتى نبقى شركة عائلية متماسكة وقوية علينا ذلك، إلى جانب الاستعداد للأوقات العصيبة والتعامل معها بحنكة وصبر. فعندما نحقق النجاح ليس من البديهي أنه سيدوم للأبد من دون عمل ومثابرة... ففي الحياة لا بد وأن تواجهنا مطبات علينا تجاوزها بواقعية، المهم أن نصل إلى بر الأمان في النهاية».
قد تكون القيادة في حالتها أسهل بكثير مقارنة بغيرها من الشركات لنفس السبب الذي تُكرره: أن مفاتيحها لا تزال بأيادي أفراد من العائلة. فهذا يعني أنها تتمتع بحرية الإبداع كاملة من دون تدخلات خارجية على قراراتها، وكل الاستراتيجيات التي تعتمدها «مستقبلية وبعيدة المدى لأننا لسنا مضطرين لإجراء تقييمات ربع سنوية لإرضاء المساهمين مثلا».
لكي تحافظ «أوديمار بيغيه» على استقلاليتها فإنها تعرف جيدا أنه لا يمكنها الاعتماد على الفنية وحدها بل يلزمها أيضا أن تحقق النجاح التجاري، وهو ما كان لها حتى في عز الأزمات. ففي كل مرة تعلن عن نتائجها السنوية تُثلج الصدور بما تحققه من أرباح. فهي تنمو بشكل صحي، حسب قولها. الفضل يعود إلى تصاميم ساعاتها الأنيقة وما تتضمنه من وظائف وتعقيدات رائدة سهر عليها حرفيون ومهندسون مهرة في كل معاملها المتطورة. يعود أيضاً إلى استراتيجياتها الذكية التي ابتعدت فيها عن التسرع في اتخاذ القرارات والطموح الزائد في تحقيق الأرباح بدخول أسواق جديدة دون دراسة وافية. فالموجة التي ركبها صناع الموضة والجواهر والساعات بافتتاح محلات كثيرة في الصين، مثلا لم تكن موفقة. والدليل أن عراقيل كثيرة واجهتها، من تقنين الحكومة الصينية تقاليد منح الهدايا، والتي كانت الساعات جزءا منها، إلى تباطؤ الاقتصاد الصيني عموما وتذبذب العملات العالمية. كل هذا دفع الكثير منهم إلى التراجع وهو يجر ذيول الخيبة. أوديمار بيغيه في المقابل لم تتسرع ولم تتوسع كثيرا. هنا أيضاً أكدت فلسفتها «الجبلية» بعدم تضخيم الأمور وإعطائها حجما يفوق حجمها الحقيقي وإمكانياتها. بالنسبة لجاسمين أوديمار فإن ما يشهده سوق الترف حالياً من تباطؤ وتراجع ليس «أزمة بقدر ما هو تطبيع. فقد شهدت صناعة الترف عموما والساعات خصوصا طفرة مفاجئة فيها بعض المبالغة وبالتالي كان من الصعب أن يستمر. فعندما تكبر أي شركة بشكل سريع ومفاجئ لا تكون النتيجة دائماً في صالحها».
وتضيف: «وهنا أعود إلى الجغرافيا الجبلية وكيف شكلت وعورتها وصعوبة تضاريسها وطقسها شخصياتنا. نحن نتسم بالحذر ولا نأخذ أي خطوة قبل التأكد من أنها ستكون على أرض صلبة. عندما كان الكل يتسابق للتوسع في الصين فضلنا التريث. كنا نعرف أن الصين سوق صعبة وبلد لا نعرف عن تناقضاته الشيء الكثير. لهذا تعاملنا معه بحذر».
تماشيا مع هذه الفلسفة فإن أوديمار بيغيه تحرص على عدم إنتاج أكثر من 40 ألف ساعة في العام تقريبا، كما تقول، حتى لا تُغرق السوق بمنتجاتها وتُفقدها تميزها. فالحسبة بالنسبة لجاسمين بسيطة: عندما تكسب الكثير من الأرباح تكون أكثر عرضة لأن تخسر الكثير أيضاً.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.