حين تنتهي العروض المقررة على مسرح «فنتيام» في باريس، في التاسعة مساء، تتسلل إلى الخشبة ست ممثلات تديرهن المخرجة لبنانية الأصل ملكة عساف لتقديم مسرحية بعنوان «نازعات الألغام». إنه نوع من البرمجة الإضافية لعرض لا يشبه العروض الأخرى لكونه يتناول قضية شبه محرمة، مثل منشور سياسي تجب محاصرته ومنعه من التداول والوصول إلى أيدي الناس.
المخرجة التي تقيم وتعمل في فرنسا منذ سنوات طويلة، اعتادت التعامل مع القنوات التلفزيونية وإخراج الأفلام الوثائقية لها. لكن أيا من تلك القنوات لم توافق على عرض هذا الموضوع، في نوع من التعتيم الخجول، رغم أن ما صورته ملكة عساف هو واقع تعترف به جهات دولية تعمل في الموقع. ما الداعي لإثارة قضية 20 مليون لغم زرعتها إسرائيل في جنوب لبنان، وتسليط الضوء على معاناة الأهالي بسببها هناك، ما دام الأمر حساسا وغير معروف على نطاق واسع؟
تقول ملكة لـ«الشرق الأوسط» إنها قرأت خبرا في بضعة أسطر عن النساء اللبنانيات العاملات في حقول الألغام، فلفت الموضوع اهتمامها لفرادته، وقررت الذهاب إلى هناك وتصويرهن. فخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، ألقت الطائرات مئات القنابل وتركت، بعد وقف القتال، ألغاما يقدر عددها بمليونين، من النوع المضاد للأفراد، وما زالت تصطاد الضحايا حتى اليوم. وفي عام 2008، كان عدد القتلى والمعطوبين من المدنيين قد بلغ 320 ضحية.
تميل المخرجة إلى التطرق إلى حكايات النساء ذوات المصائر المتشابكة، اللاتي فرض عليهن المنفى أو قست عليهن ظروف الحرب. إن حكايتها الشخصية تفسر ميلها هذا. فقد ولدت ملكة عساف لأب لبناني وأم بلغارية، ونشأت في سوريا حتى سن السادسة، وتقول إن أصوات القنابل في حرب تشرين ما زالت تترك أصداء في أذنيها. بعد ذلك، وصلت إلى فرنسا واستقرت فيها، وباشرت العمل الفني، ودونت سيرة الأسرة في سيناريو لفيلم بعنوان «ظلال الأرز». إنها قصة راقصة بلغارية يحبها شاب من أسرة لبنانية ميسورة تعمل في المجال المصرفي، ترفض اقترانه بحبيبته فيضطران للذهاب إلى سوريا والزواج هناك. أما السينما فهي «عشق منذ الصغر»، أي منذ أن كانت طفلة في الرابعة يصطحبها والدها معه إلى السينما مرتين في الأسبوع.
لدى وصولها إلى باريس وهي دون العشرين، مع فرنكات قليلة، راحت البنت المنبوذة من عائلة الأب تشتغل في الكثير من الأعمال الصغيرة، لتنفق على دراستها في «السوربون». كان الهدف تحقيق حلم الطفولة والنجاح في امتحان الدخول إلى «الإيديك»، أبرز معهد لتدريس فنون السينما في فرنسا. وقد كانت ملكة هي الطالبة الوحيدة في دفعتها بين 29 طالبا، وقع عليهم الاختيار للدراسة في قسم الإخراج.
في عام 2009، أمضت المخرجة شهرين في جنوب لبنان، مع النساء والفتيات العاملات في نزع الألغام التي خلفها الجيش الإسرائيلي بعد حرب 2006. وهناك تعرفت إلى شخصيات نسائية خرجت إلى حقول الألغام لتحصيل رزقها، رغم خطورة المهمة، وللعمل مع منظمة إنسانية اسكندنافية تدفع أجورا لهن في المقابل. وبعد رفض كل قنوات التلفزيون عرض الفيلم الوثائقي الذي أنجزته عساف عن الموضوع، لم تجد سوى تحويل الفكرة إلى المسرحية التي تعرض حاليا، في باريس، وتلقى جمهورا متجددا كل ليلة. وقد ساهمت في تحقيق هذا العرض جمعية فنية لدعم النساء العاملات في مختلف وسائل التعبير الفني.
هناك عدة ممثلات على المسرح، بينهن المناضلة المتشددة، أو ربة الأسرة التي تبحث عن رزقها ورزق عائلتها، أو الشابة الصغيرة المتحمسة للمغامرة، أو الزوجة التي عانت تعسف الرجل، يجمعهن بلد يعيش على إيقاع النزاعات الدينية والسياسية ويسكن على أرضه مواطنون ينتمون إلى 18 مذهبا.
تجتمع نازعات الألغام المضادة للبشر، في ساعة الاستراحة، حول أقداح الشاي، ليتبادلن البوح والمكاشفة بحيث يتحول حقل الألغام إلى أرضية تساعد في تفجير الألغام المعنوية المزروعة في نفس كل واحدة منهن. إلى أن يقع ما كانت كل واحدة منهن تنتظره وتخشاه. تموت أصغرهن وأكثرهن مرحا في انفجار لغم.
9:41 دقيقه
مسرحية فرنسية عن النساء نازعات الألغام في جنوب لبنان
https://aawsat.com/home/article/9590
مسرحية فرنسية عن النساء نازعات الألغام في جنوب لبنان
بعد أن رفضت قنوات التلفزيون عرض فيلم وثائقي عن الموضوع للمخرجة ملكة عساف
مسرحية فرنسية عن النساء نازعات الألغام في جنوب لبنان
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

