اقتصاد بريطانيا... بيانات تدعم القادة ووقائع تؤرق المواطنين

اقتصاد بريطانيا... بيانات تدعم القادة ووقائع تؤرق المواطنين

التشاؤم يغلب على أوضاع الأسر فيها
الثلاثاء - 26 شهر رمضان 1438 هـ - 20 يونيو 2017 مـ
قد يزداد تقلص الدخل الحقيقي للأسر في بريطانيا خلال الشهور المقبلة وهو ما سيحد من نمو الإنفاق خلال العام الحالي (غيتي)
لندن: «الشرق الأوسط»
رغم الكثير من المؤشرات والبيانات الاقتصادية التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة، والتي توضح أن الاقتصاد البريطاني قوي في وجه المخاطر سواء على المدى القصير أو المتوسط أو البعيد، فإن تلك البيانات تبدو قوية في يد وعين السياسيين والقادة كدلالة على حسن قيادتهم لدفة الأمور، إلا أن المواطنين الطبيعيين لا يشعرون إلا بنيران التضخم والغلاء تلفح جيوبهم وتؤثر على الموازنات الصغيرة يوما بعد يوم، ما يضفي جوا عاما من التشاؤم، خاصة مع تزامنه مع الارتباك الكبير البادي خلال مفاوضات «بريكست» التي انطلقت عجلتها ظهر أمس بالفعل.
أظهر تقرير اقتصادي نشر الاثنين تدهور النظرة المستقبلية للحالة المالية للأسر البريطانية خلال يونيو (حزيران) الحالي بصورة أكبر، مع استمرار الضغوط المالية بسبب ارتفاع نفقات المعيشة.
وبحسب التقرير الصادر عن مؤسستي «آي.إتش.إس ماركيت» للدراسات الاقتصادية «وإبسوس موري» للخدمات المعلوماتية، فإن المؤشر المالي للأسر البريطانية ارتفع خلال يونيو الماضي إلى 43.8 نقطة، مقابل 42.6 نقطة في مايو (أيار) الماضي، بعد وضع المتغيرات الموسمية في الحساب.
يذكر أن قراءة المؤشر لأقل من 50 نقطة تشير إلى نظرة متشائمة تجاه الأوضاع المالية، في حين تشير قراءة أكثر من 50 نقطة إلى نظرة متفائلة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات المسح منذ بداية العام الحالي تزايد الضغوط المالية على الأسر البريطانية، مقارنة بها خلال الفترة نفسها من عامي 2015 و2016، كما تراجع مؤشر قياس النظرة المستقبلية للأوضاع المالية خلال عام قادم من 47.1 نقطة في مايو الماضي، إلى 45.8 نقطة خلال يونيو الحالي، ليصل المؤشر إلى أدنى مستوى له منذ 3 شهور.
وواصل مؤشر مدركات التضخم الحالي في الارتفاع خلال يونيو الماضي، حيث تتوقع الأسر زيادة حادة في نفقات المعيشة خلال الاثني عشر شهرا المقبلة.
وقال «تيم مور» كبير خبراء الاقتصاد في مؤسسة «آي.إتش.إس ماركيت» لوكالة الأنباء الألمانية إن «المسح الأخير يشير إلى أن نحو ثلث الأسر البريطانية فقط تتوقع إقدام بنك إنجلترا (المركزي) على رفع سعر الفائدة بنهاية عام 2017.. في الوقت نفسه فإن أكثر من نصف الأسر (58 في المائة) تتوقع ارتفاع أسعار الفائدة خلال فترة 12 شهرا مقبلة، وهو ما يزيد عن ضعف النسبة التي كانت تتوقع ذلك في أعقاب قرار البنك خفض الفائدة في أغسطس (آب) عام 2016»، حين كانت النسبة آنذاك 28 في المائة فقط من الأسر.

تراجع قياسي للبطالة

هذا التشاؤم المتزايد، المدعوم بقفزة هائلة في أسعار المستهلكين، لم تنجح بيانات إيجابية أخرى في محو آثاره. حيث أظهرت إحصاءات رسمية نشرت الأربعاء الماضي أن معدل البطالة في بريطانيا بقي على نسبة 4.6 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ 42 عاما. وأعلن مكتب الإحصاءات الوطنية في بيان أن ما مجمله 1.53 مليون شخص كانوا مسجلين كعاطلين عن العمل في نهاية أبريل (نيسان)، بتراجع 145 ألفا مقارنة مع السنة السابقة.
لكن معدل الأجور الأسبوعية تراجع بنسبة 0.6 في المائة من دون أن يشمل ذلك العلاوات مقارنة مع السنة السابقة. وارتفع معدل التضخم في بريطانيا في مايو، ليصل إلى أعلى مستوى منذ أربع سنوات، إذ بلغ 2.9 في المائة، فيما يؤدي تراجع سعر الجنيه الإسترليني إلى رفع تكاليف الواردات.
من جانب آخر بدأت القدرة الشرائية للبريطانيين تتراجع لأن الرواتب لم تعد تتبع وتيرة التضخم.
وخلال الفترة بين فبراير (شباط) وأبريل، لم ترتفع رواتب البريطانيين إلا بنسبة 2.1 في المائة على مدى سنة بما يشمل العلاوات.. لكن التضخم تسارع في الفترة نفسها إلى حد أنه بلغ 2.7 في المائة في أبريل، ما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للبريطانيين.
وقال سكوت بومان المحلل، لدى كابيتال إيكونوميكس، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «الرواتب الفعلية تراجعت للمرة الأولى منذ سبتمبر (أيلول) 2014»، مضيفا أنه «نظرا للتضخم الذي ارتفع إلى 2.9 في المائة في مايو، فإن الضغط على هذه الرواتب الفعلية تكثف منذ ذلك الحين. وهذا يلقي بثقله بوضوح على استهلاك الأفراد على المدى القصير».

مزيج خطير من الغموض

وارتفع التضخم من جراء تراجع قيمة الجنيه الإسترليني الذي سجل منذ قرار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي إثر الاستفتاء في 23 يونيو 2016، وتراجع قيمة العملة أدى إلى ارتفاع أسعار سلع مستوردة مثل بعض المواد الغذائية والألبسة والمنتجات الإلكترونية. وهذا الضغط على القيمة الشرائية يشكل نبأ سيئا لاقتصاد البلاد الذي تركزت قوته السنة الماضية على الإنفاق القوي للأفراد.. لكن الاستهلاك بدأ يعطي مؤشرات ضعف، وبالتالي فإن نمو الناتج الداخلي تباطأ في الفصل الأول من العام الجاري إلى 0.2 في المائة، مقارنة مع الفصل الرابع الماضي.
ويتخوف الخبراء الاقتصاديون أيضا من عدم الوضوح السياسي بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 8 يونيو الجاري، وحرمت رئيسة الوزراء تيريزا ماي من غالبيتها المطلقة في مجلس العموم. وقال بن بريتيل الخبير الاقتصادي في «هارغريفس لانسداون» إن «الاقتصاد البريطاني يواجه مزيجا خطيرا من الارتياب السياسي وتباطؤ النمو والتراجع الكبير للراتب الفعلي». لكن معدل العائدات الأسبوعية تراجع بنسبة 0.6 في المائة من دون أن يشمل ذلك العلاوات مقارنة مع السنة السابقة.
لكن من ناحيته، قال بول هولينغس وورث، المحلل الاقتصادي في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» للاستشارات الاقتصادية، لوكالة الأنباء الألمانية، إن «معدل التضخم الآن ما زال بعيدا عن مستوى الذروة له». وأضاف أنه في حين قد يزداد تقلص الدخل الحقيقي للأسر في بريطانيا خلال الشهور المقبلة، وهو ما سيحد من نمو الإنفاق خلال العام الحالي، فإن هذه الفترة ستكون على الأقل أقصر من تلك التي كانت في أعقاب التراجع الحاد لقيمة الجنيه الإسترليني خلال عامي 2008 و2009.
ومنذ أكثر من شهر يؤكد الخبراء والمراقبون أن أخطر العوامل التي تهدد مستقبل الاقتصاد البريطاني في الوقت الحالي هو تقلص القدرة الشرائية والاستهلاكية للبريطانيين بشكل متزايد في ظل ارتفاع قياسي للتضخم مع ثبات معدلات الأجور على حالها، أو زيادتها بما لا يتناسب مع ارتفاعات التضخم، مشيرين إلى أن «المحرك الاستهلاكي» هو أحد أبرز عوامل النمو الاقتصادي في بريطانيا، بالتوازي مع التصنيع والتصدير إضافة إلى المكانة المالية للعاصمة لندن.
ومع الغموض الذي يكتنف مستقبل بقاء لندن كأهم مركز مالي في أوروبا عقب إتمام عملية الانفصال، خاصة مع التشدد الذي تبديه أغلب قوى أوروبا حاليا، وأيضا الغموض حول إمكانية التوصل إلى اتفاقات تجارية «تفضيلية» مربحة للجانب البريطاني مستقبلا مع الشركاء الأوروبيين، وما قد يتبعه من «تأثير ركودي» على القطاع الصناعي البريطاني، فإن القدرات الشرائية والاستهلاكية للبريطانيين تبقى وحدها «عمود» الاقتصاد الذي يجب ألا يفرط فيه صناع السياسات المالية.

وضع حكومي أفضل.. ولكن

وعلى الصعيد «القومي»، تراجع معدل الاقتراض الحكومي البريطاني خلال السنة المالية الماضية إلى أدنى مستوى منذ شهر مارس (آذار) 2008، أي قبل الأزمة المالية العالمية.. لكنه رغم ذلك جاء أعلى من التوقعات الرسمية السابقة.
وأظهرت البيانات الصادرة عن هيئة الإحصاء الوطني البريطانية في نهاية شهر أبريل الماضي، أن صافي اقتراض القطاع العام - باستثناء البنوك - بلغ 52 مليار إسترليني خلال العام المالي المنتهي في مارس، بتراجع 20 مليار إسترليني عن السنة المالية السابقة لها.
وكان مكتب مسؤولية الموازنة توقع انخفاضا بالاقتراض بمقدار 20.3 مليار إسترليني خلال العام المالي الماضي، لكن تزايد الاقتراض في نهاية الفترة حال دون ذلك.
وخلال مارس الماضي، ارتفع صافي الاقتراض من القطاع العام باستثناء إلى 5.1 مليار إسترليني، بزيادة تبلغ 0.8 مليار إسترليني عن الفترة الموازية في 2016، مسجًلا أعلى مستوى منذ مارس 2015، وذلك مقارنة بتوقعات أشارت إلى 3.1 مليار إسترليني فقط.
وبذلك ارتفع إجمالي الدين الحكومي باستثناء البنوك، إلى 86.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بزيادة قدرها ثلاث نقاط مئوية عما كان عليه في مارس 2016.
وتأتي هذه البيانات والنتائج المتفاوتة المعايير والدلالات، في الوقت الذي شعرت فيه الحكومة البريطانية في مفاوضاتها الصعبة مع الاتحاد الأوروبي بشأن الانفصال الفعلي، والذي يبدو أنه سيكون انفصالا خشنا، ولن يسمح فيه بمكاسب أو تنازلات لبريطانيا.. وبينما كانت رئيسة الوزراء تيريزا ماي تطمح في الحصول على غالبية برلمانية تدعم توجهاتها وقراراتها ومناورتها الصعبة خلال «بريكست».. لم تحصل إلا على خيبة أمل كبرى، لا تهدد مستقبلها السياسي وحده، ولكنها قد تهدد مستقبل بريطانيا الاقتصادي كله.

اختيارات المحرر