«أنفوريني» حين تمر اليونان من أنفة اللَبنانية

شاطىء أنفة الصخري
شاطىء أنفة الصخري
TT

«أنفوريني» حين تمر اليونان من أنفة اللَبنانية

شاطىء أنفة الصخري
شاطىء أنفة الصخري

بالرياح الشمالية، المنازل والبيوتات القديمة التي ترتدي الأبيض والأزرق وغيرهما من الألوان الزاهية، هكذا تستقبلك «أنفة» مع دواليب الهواء الزرقاء التي تذكرنا بأيام الطفولة.
فبعد جبيل والبترون، تأتي هذه القرية اللبنانية، من قرى قضاء الكورة في محافظة الشمال، لتُكمل سلسلة المناطق الساحلية السياحية التي يتميز بها لبنان. تقع على بعد 65 كيلومترا إلى الشمال من بيروت، و15 كيلومترا إلى الجنوب من طرابلس، ويبلغ عدد سكانها نحو 6500 نسمة.
تحتل أنفة اليوم مكاناً في المراتب الأولى كوجهة سياحية مفضلة في لبنان، نظراً إلى طبيعتها الجميلة وحفاوة أهلها وإنتاجها من الأسماك، خصوصاً شاطئها الجميل الذي يطلق عليه اسم «تحت الريح». وسطع نجم أنفة في السنتين الماضيتين، حيث أصبحت وجهة أساسية للبنانيين، والسياح المتوافدين من بلاد الاغتراب.
*لماذا «تحت الريح»؟
هو الاسم الذي منحه أهالي أنفة الأقدمون للشاطئ، بسبب رأس القرية وشكلها على الخريطة الذي يشبه المرفأ الطبيعي. ذلك لأن طبيعتها الجغرافية محمية من الرياح الغربية - الجنوبية، وهي بالإضافة إلى ذلك، وبحكم موقعها الجغرافي، محمية أيضاً من التيارات التي قد تحمل إلى شواطئها النفايات. من هنا يحافظ المكان على نظافة استثنائية... لا يكذّبها غطاس.
* من قرية عادية إلى واجهة سياحية مهمة
تحول شاطئ «تحت الريح» في أنفة، منذ سنوات قليلة إلى ملتقى يجمع العائلات الأنفاوية على اختلافها، حول نشاطات رياضية بحرية وفكرية، وتمكن من رسم لوحة اجتماعية تعمل على تقريب المسافات بين أبناء البلدة، وتقوية أواصر العلاقات بينهم، وصهرهم في عائلة كبيرة واحدة.
لم تكن تلك القرية العريقة بحضارتها وتراثها معروفة لدى اللبنانيين، غير الشماليين، فكيف سطع نجمها؟
تعود الشاليهات القائمة على شاطئ «تحت الريح» إلى العام 1973. يعد تاريخ صدور مرسوم تصنيف الشاطئ معلماً أثرياً. توقف العمل باستثمار الملاحات التي تحوّلت، إثر الحرب الأهلية، إلى شاليهات متواضعة.
إلا أنها مؤخراً، لبست حلة جديدة تتصف بالبساطة والألوان الباعثة للأمل والفرح، عبر المنازل والنباتات والأزهار المزروعة داخلها، فبدأ الزوار بتشبيه الشاطئ بجزيرة «سانتوريني» اليونانية، وإطلاقهم لقب «أنفوريني» على المكان.
زاد من جمالية «تحت الريح» إعادة «هيئة تراث أنفة وجوارها»، وضع دواليب الهواء، إحياء للتراث الأنفاوي، وتحويلها منزلَي شحادة فوز والمهندس زياد خباز الأثريين إلى بيتين للضيافة.
*البداية
يروي لنا أول من انطلق بمشروع تحويل شاطئ أنفة إلى مقصد سياحي، وسيم نجم، قصة صعود شاطئ «تحت الريح» إلى قمة قائمة الوجهات السياحة اللبنانية.
بدأ نجم، صاحب مطعم «وسيم على البحر» المشروع عام 1999. فقام بتنظيم سهرة وداع لعائلة لبنانية مهاجرة إلى أميركا، حيث اجتمع نحو 300 شخص على مأدبة عشاء قبالة الشاطئ. ومن هنا، بدأ الناس يتداولون سحر وجمال هذا المكان، وانطلق نجم بتحقيق هدفه، لجعل الشاطئ واجهة سياحية مميزة. «لم يكن هذا الشاطئ معروفا إلا من قبل أهل أنفة، فالأراضي هنا أملاك بحرية تابعة للدولة، ولم يفكر أحد باستثمارها من قبل. بعد أن أكملت دراستي الجامعية، أُجبرت على ترك الشاطئ رغم حدة تعلقي به، وسافرت إلى دبي، محاولا السعي وراء لقمة العيش. لكني لم أتحمل فكرة بُعدي عن المكان، فعدت وبدأت بتطوير شاطئ القرية، وها نحن الآن!» هكذا يشرح نجم عن تجربته، ويضيف: «ساعدتني سيدة تدعى ناتالي صابونجي، فقامت بتصميم ديكور مميز للمكان، وعلاقاتي مع الصليب الأحمر الدولي وشركات كثيرة، أسهمت في صعود المطعم إلى قمة قائمة المتنزهات السياحية المائية بسرعة فائقة».
وبما أن اللبناني معروف بحبه للحياة والتجارب الجديدة، يؤكد نجم أن شهرة المكان ازدادت عبر تداول اسم أنفة و«وسيم على البحر» بين الناس، ذلك قبل أن يلجأ إلى وضع إعلانات على الطرقات ومواقع التواصل الاجتماعي.
«بعد أن بدأت العائلات من مختلف المناطق اللبنانية بالتوافد إلى أنفة، تشجع أشخاص عدة وقاموا بتجهيز مطاعم قريبة لنا، وأولها كان مطعم (عند فؤاد)، الذي يقدم ميزات لبنانية وأطباق الثروة البحرية».
أما لدى «وسيم على البحر»، فتشرف والدة نجم على تجهيز الطعام، حيث تقدم لجميع الوافدين «لقمة بيت» شهية وصحية، تتناسب مع الجو الجميل و«القعدة» التي تلامس أطراف البحر بهدوء وثبات.
*أشغال أنفة تكشف آثاراً مدفونة
ما كادت تنتهي أعمال الحفريات في أنفة منذ سنتين، لمدّ شبكة مياه الشفة، مع ما رافقها من اكتشافات لبعض الأماكن الأثرية والمغاور الصغيرة المدفونة تحت الأرض، حتى عادت الاكتشافات تظهر من جديد مع أعمال حفريات الصرف الصحي.
فتم اكتشاف الكثير من المدافن المحفورة في الصخر في الحارة الشرقية بالقرب من «مدرسة جبران مكاري الرسمية»، ومغارة تحوي الكثير من الفخاريات الأثرية في حي القديسة كاترينا.
وفي كل مرة تحضر بعثة من مديرية الآثار وتكشف على معالم الاكتشافات، وتحتفظ بكل ما تجده ذات قيمة أثرية، أما بالنسبة للمواقع فتعمل في أحيان كثيرة على إيقاف الأشغال فيها لاتخاذ التدابير المناسبة، حفاظاً على أهميتها التاريخية.
ذلك وما تزال «جامعة البلمند» تعمل بدعم من البلدية وبالتنسيق مع المديرية العامة للآثار على اكتشاف آثار بلدة أنفة وجوارها، وإبراز معالمها التاريخية والأثرية والإنسانية.
تقول رئيسة «هيئة حماية البيئة والتراث في أنفة» رشا دعبول إن أنفة «تملك من المقومات السياحية ما يجعلها تلعب دوراً سياحيا بارزاً ليس على المستوى المحلي فحسب وإنما العالمي كذلك».
ففي البلدة أيضاً منزل قديم يعود إلى القرن الثامن عشر بني في الفترة العثمانية، وكان مقصداً للرسميين والوجهاء الذين كانوا يقصدون البلدة، ويسمى اليوم منزل الخوري جرجس، وقد تعاقبت على المنزل أربعة أجيال من الكهنة، وما زال قائماً حتى اليوم.
أما السراي القديم، فأصبح مركزاً للبريد ومدرسة للبنات، بعد أن كان في زمن المتصرفية مركزاً شتوياً لقائمقام قضاء الكورة.
*قلعة أنفة
بموجب قرار صادر عام 1973، اعتبرت قلعة أنفة ضمن الأبنية الأثرية، وهي تتميز بالخندق المحفور بكامله في الصخر والذي يبلغ طوله نحو خمسين متراً ويبلغ عرضه عشرين متراً ويبلغ ارتفاعه عشرين متراً، ويشكل نوعاً من «ترعة» تصل المياه بالمياه من وسط الرأس الحجري. والجدير ذكره أن الخندق بكامله نقش بالمطرقة والإزميل.
ورد ذكر أنفة في رسائل تل العمارة بين ملك جبيل وملك مصر منذ 3400 سنة، وفي النقوش الأشورية في الألف الأول قبل الميلاد. سماها الفينيقيون «آمبي»، وتعني الأنف، وسماها اليونان ترياريس، أي السفينة، وسماها الصليبيون نيفين. فالبلدة غنية بآثار حقب تاريخية متعددة التي لا تزال ماثلة للعيان عند رأس أنفة الصخري. وبعد «أيام العز» القديمة التي عايشتها، تعود اليوم لتتصدر لائحة الوجهات السياحية المائية، فتنافس الشواطئ اللبنانية والمتوسطية الأخرى. وما كان للجمال أن يزيد جمالا، إلا عندما قررت اليونان بأن تمر بشاطئ «تحت الريح»، لتضفي عليه ما يفتقده من سحر وإبداع.


مقالات ذات صلة

شركات طيران تبدأ في رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع أسعار الوقود

الاقتصاد طائرات إيرباص من طراز «إيه 350» تابعة لشركة «كاثاي باسيفيك» للطيران رابضة في مطار هونغ كونغ الدولي (رويترز)

شركات طيران تبدأ في رفع أسعار التذاكر بسبب ارتفاع أسعار الوقود

رفعت بعض شركات الطيران أسعارها، فيما تعمل شركات أخرى على تخفيض النفقات، وترشيد الإنفاق، مع مطالب بإلغاء الضريبة البيئية على وقود الطائرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة إفطار جماعي في الجامع الأزهر (الأزهر الشريف)

اكتشف القاهرة في رمضان

تتحوَّل مصر إلى وجهة سياحية فريدة خلال شهر رمضان، فالأجواء الرمضانية تجمع بين الروحانيات والاحتفالات الشعبية.

محمد عجم (القاهرة)
الخليج طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» مقبلة من دبي تهبط في مطار دوسلدورف بألمانيا يوم 4 مارس 2026 (د.ب.أ)

تمديد تعليق الرحلات الجوية من وإلى دبي حتى 7 مارس

ستظل جميع رحلات طيران الإمارات المجدولة من وإلى دبي معلقة حتى الساعة 23:59 في 7 مارس بتوقيت الإمارات العربية المتحدة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
طائرات إيرباص من طراز «إيه 350» تابعة لشركة كاثاي باسيفيك للطيران رابضة في مطار هونغ كونغ الدولي (رويترز)

ازدياد خسائر شركات الطيران وقطاع السفر مع استمرار حرب إيران

تحاول شركات الطيران التعامل مع تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وتُسابق الحكومات الزمن لإعادة المسافرين العالقين بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا تباين الآراء تجاه قرار زيادة رسوم دخول مصر على التأشيرات الاضطرارية (شركة ميناء القاهرة الجوي)

زيادة رسوم «التأشيرة الاضطرارية» لدخول مصر

بدأت مصر تطبيق قرار زيادة رسوم «التأشيرة الاضطرارية» لدخول البلاد عبر المنافذ والمطارات من 25 دولاراً إلى 30 دولاراً.

عصام فضل (القاهرة)

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».