«أنفوريني» حين تمر اليونان من أنفة اللَبنانية

شاطىء أنفة الصخري
شاطىء أنفة الصخري
TT

«أنفوريني» حين تمر اليونان من أنفة اللَبنانية

شاطىء أنفة الصخري
شاطىء أنفة الصخري

بالرياح الشمالية، المنازل والبيوتات القديمة التي ترتدي الأبيض والأزرق وغيرهما من الألوان الزاهية، هكذا تستقبلك «أنفة» مع دواليب الهواء الزرقاء التي تذكرنا بأيام الطفولة.
فبعد جبيل والبترون، تأتي هذه القرية اللبنانية، من قرى قضاء الكورة في محافظة الشمال، لتُكمل سلسلة المناطق الساحلية السياحية التي يتميز بها لبنان. تقع على بعد 65 كيلومترا إلى الشمال من بيروت، و15 كيلومترا إلى الجنوب من طرابلس، ويبلغ عدد سكانها نحو 6500 نسمة.
تحتل أنفة اليوم مكاناً في المراتب الأولى كوجهة سياحية مفضلة في لبنان، نظراً إلى طبيعتها الجميلة وحفاوة أهلها وإنتاجها من الأسماك، خصوصاً شاطئها الجميل الذي يطلق عليه اسم «تحت الريح». وسطع نجم أنفة في السنتين الماضيتين، حيث أصبحت وجهة أساسية للبنانيين، والسياح المتوافدين من بلاد الاغتراب.
*لماذا «تحت الريح»؟
هو الاسم الذي منحه أهالي أنفة الأقدمون للشاطئ، بسبب رأس القرية وشكلها على الخريطة الذي يشبه المرفأ الطبيعي. ذلك لأن طبيعتها الجغرافية محمية من الرياح الغربية - الجنوبية، وهي بالإضافة إلى ذلك، وبحكم موقعها الجغرافي، محمية أيضاً من التيارات التي قد تحمل إلى شواطئها النفايات. من هنا يحافظ المكان على نظافة استثنائية... لا يكذّبها غطاس.
* من قرية عادية إلى واجهة سياحية مهمة
تحول شاطئ «تحت الريح» في أنفة، منذ سنوات قليلة إلى ملتقى يجمع العائلات الأنفاوية على اختلافها، حول نشاطات رياضية بحرية وفكرية، وتمكن من رسم لوحة اجتماعية تعمل على تقريب المسافات بين أبناء البلدة، وتقوية أواصر العلاقات بينهم، وصهرهم في عائلة كبيرة واحدة.
لم تكن تلك القرية العريقة بحضارتها وتراثها معروفة لدى اللبنانيين، غير الشماليين، فكيف سطع نجمها؟
تعود الشاليهات القائمة على شاطئ «تحت الريح» إلى العام 1973. يعد تاريخ صدور مرسوم تصنيف الشاطئ معلماً أثرياً. توقف العمل باستثمار الملاحات التي تحوّلت، إثر الحرب الأهلية، إلى شاليهات متواضعة.
إلا أنها مؤخراً، لبست حلة جديدة تتصف بالبساطة والألوان الباعثة للأمل والفرح، عبر المنازل والنباتات والأزهار المزروعة داخلها، فبدأ الزوار بتشبيه الشاطئ بجزيرة «سانتوريني» اليونانية، وإطلاقهم لقب «أنفوريني» على المكان.
زاد من جمالية «تحت الريح» إعادة «هيئة تراث أنفة وجوارها»، وضع دواليب الهواء، إحياء للتراث الأنفاوي، وتحويلها منزلَي شحادة فوز والمهندس زياد خباز الأثريين إلى بيتين للضيافة.
*البداية
يروي لنا أول من انطلق بمشروع تحويل شاطئ أنفة إلى مقصد سياحي، وسيم نجم، قصة صعود شاطئ «تحت الريح» إلى قمة قائمة الوجهات السياحة اللبنانية.
بدأ نجم، صاحب مطعم «وسيم على البحر» المشروع عام 1999. فقام بتنظيم سهرة وداع لعائلة لبنانية مهاجرة إلى أميركا، حيث اجتمع نحو 300 شخص على مأدبة عشاء قبالة الشاطئ. ومن هنا، بدأ الناس يتداولون سحر وجمال هذا المكان، وانطلق نجم بتحقيق هدفه، لجعل الشاطئ واجهة سياحية مميزة. «لم يكن هذا الشاطئ معروفا إلا من قبل أهل أنفة، فالأراضي هنا أملاك بحرية تابعة للدولة، ولم يفكر أحد باستثمارها من قبل. بعد أن أكملت دراستي الجامعية، أُجبرت على ترك الشاطئ رغم حدة تعلقي به، وسافرت إلى دبي، محاولا السعي وراء لقمة العيش. لكني لم أتحمل فكرة بُعدي عن المكان، فعدت وبدأت بتطوير شاطئ القرية، وها نحن الآن!» هكذا يشرح نجم عن تجربته، ويضيف: «ساعدتني سيدة تدعى ناتالي صابونجي، فقامت بتصميم ديكور مميز للمكان، وعلاقاتي مع الصليب الأحمر الدولي وشركات كثيرة، أسهمت في صعود المطعم إلى قمة قائمة المتنزهات السياحية المائية بسرعة فائقة».
وبما أن اللبناني معروف بحبه للحياة والتجارب الجديدة، يؤكد نجم أن شهرة المكان ازدادت عبر تداول اسم أنفة و«وسيم على البحر» بين الناس، ذلك قبل أن يلجأ إلى وضع إعلانات على الطرقات ومواقع التواصل الاجتماعي.
«بعد أن بدأت العائلات من مختلف المناطق اللبنانية بالتوافد إلى أنفة، تشجع أشخاص عدة وقاموا بتجهيز مطاعم قريبة لنا، وأولها كان مطعم (عند فؤاد)، الذي يقدم ميزات لبنانية وأطباق الثروة البحرية».
أما لدى «وسيم على البحر»، فتشرف والدة نجم على تجهيز الطعام، حيث تقدم لجميع الوافدين «لقمة بيت» شهية وصحية، تتناسب مع الجو الجميل و«القعدة» التي تلامس أطراف البحر بهدوء وثبات.
*أشغال أنفة تكشف آثاراً مدفونة
ما كادت تنتهي أعمال الحفريات في أنفة منذ سنتين، لمدّ شبكة مياه الشفة، مع ما رافقها من اكتشافات لبعض الأماكن الأثرية والمغاور الصغيرة المدفونة تحت الأرض، حتى عادت الاكتشافات تظهر من جديد مع أعمال حفريات الصرف الصحي.
فتم اكتشاف الكثير من المدافن المحفورة في الصخر في الحارة الشرقية بالقرب من «مدرسة جبران مكاري الرسمية»، ومغارة تحوي الكثير من الفخاريات الأثرية في حي القديسة كاترينا.
وفي كل مرة تحضر بعثة من مديرية الآثار وتكشف على معالم الاكتشافات، وتحتفظ بكل ما تجده ذات قيمة أثرية، أما بالنسبة للمواقع فتعمل في أحيان كثيرة على إيقاف الأشغال فيها لاتخاذ التدابير المناسبة، حفاظاً على أهميتها التاريخية.
ذلك وما تزال «جامعة البلمند» تعمل بدعم من البلدية وبالتنسيق مع المديرية العامة للآثار على اكتشاف آثار بلدة أنفة وجوارها، وإبراز معالمها التاريخية والأثرية والإنسانية.
تقول رئيسة «هيئة حماية البيئة والتراث في أنفة» رشا دعبول إن أنفة «تملك من المقومات السياحية ما يجعلها تلعب دوراً سياحيا بارزاً ليس على المستوى المحلي فحسب وإنما العالمي كذلك».
ففي البلدة أيضاً منزل قديم يعود إلى القرن الثامن عشر بني في الفترة العثمانية، وكان مقصداً للرسميين والوجهاء الذين كانوا يقصدون البلدة، ويسمى اليوم منزل الخوري جرجس، وقد تعاقبت على المنزل أربعة أجيال من الكهنة، وما زال قائماً حتى اليوم.
أما السراي القديم، فأصبح مركزاً للبريد ومدرسة للبنات، بعد أن كان في زمن المتصرفية مركزاً شتوياً لقائمقام قضاء الكورة.
*قلعة أنفة
بموجب قرار صادر عام 1973، اعتبرت قلعة أنفة ضمن الأبنية الأثرية، وهي تتميز بالخندق المحفور بكامله في الصخر والذي يبلغ طوله نحو خمسين متراً ويبلغ عرضه عشرين متراً ويبلغ ارتفاعه عشرين متراً، ويشكل نوعاً من «ترعة» تصل المياه بالمياه من وسط الرأس الحجري. والجدير ذكره أن الخندق بكامله نقش بالمطرقة والإزميل.
ورد ذكر أنفة في رسائل تل العمارة بين ملك جبيل وملك مصر منذ 3400 سنة، وفي النقوش الأشورية في الألف الأول قبل الميلاد. سماها الفينيقيون «آمبي»، وتعني الأنف، وسماها اليونان ترياريس، أي السفينة، وسماها الصليبيون نيفين. فالبلدة غنية بآثار حقب تاريخية متعددة التي لا تزال ماثلة للعيان عند رأس أنفة الصخري. وبعد «أيام العز» القديمة التي عايشتها، تعود اليوم لتتصدر لائحة الوجهات السياحية المائية، فتنافس الشواطئ اللبنانية والمتوسطية الأخرى. وما كان للجمال أن يزيد جمالا، إلا عندما قررت اليونان بأن تمر بشاطئ «تحت الريح»، لتضفي عليه ما يفتقده من سحر وإبداع.


مقالات ذات صلة

«طيران الرياض» تعلن القاهرة ثاني وجهاتها الإقليمية

الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلق في سماء العاصمة السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)

«طيران الرياض» تعلن القاهرة ثاني وجهاتها الإقليمية

تعلن «طيران الرياض» اختيار القاهرة ثاني وجهاتها الإقليمية وثالث وجهاتها الدولية بعد دبي ولندن، ضمن خطتها التوسعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
سفر وسياحة بينيدورم مدينة الشمس والدفء (الشرق الاوسط)

بينيدورم... وجهة مشمسة ومتجددة على ساحل البحر المتوسط

على ساحل البحر الأبيض المتوسط في كوستا بلانكا، مدينةٌ تُدهش زوَّارها باستمرار... من قرية صيد هادئة، تحوَّلت «بينيدورم» إلى واحدة من أشهر الوجهات السياحية.

عادل عبد الرحمن (بينيدورم - إسبانيا)
سفر وسياحة لف الملابس طريقة جيدة لتوضيب حقيبة السفر (شاترستوك)

كيف توضّب حقيبة السفر بذكاء؟

بصفتي كاتبة متخصصة في السفر، أصبحت حقيبة السفر بالنسبة لي أكثر من مجرد أمتعة أحملها من بلد إلى آخر؛ إنها جزء من طقوس الرحلة نفسها.

جوسلين إيليا (لندن)
الاقتصاد إحدى طائرات شركة «طيران ناس» السعودية (الشرق الأوسط)

«طيران ناس» السعودي يؤكد التزامه بالاستدامة عبر شهادتي «ISO»

أعلن «طيران ناس»، الناقل الجوي الاقتصادي السعودي، عن حصوله على شهادتي الأيزو ISO 9001 (نظام إدارة الجودة) وISO 14001 (نظام الإدارة البيئية).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended