النزاعات الشرق أوسطية تفاقم أزمة الهجرة في أوروبا

اتفاقيات مع أنقرة لحدها وعقوبات ضد دول ترفض الالتزام بالحصص

مهاجرون تم إنقاذهم من قبل الـ«يونيسيف» مقابل الساحل الليبي في البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
مهاجرون تم إنقاذهم من قبل الـ«يونيسيف» مقابل الساحل الليبي في البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
TT

النزاعات الشرق أوسطية تفاقم أزمة الهجرة في أوروبا

مهاجرون تم إنقاذهم من قبل الـ«يونيسيف» مقابل الساحل الليبي في البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
مهاجرون تم إنقاذهم من قبل الـ«يونيسيف» مقابل الساحل الليبي في البحر الأبيض المتوسط (رويترز)

تباطأ تدفق اللاجئين على السواحل اليونانية منذ ربيع 2016. لكن هذا الأمر لا ينطبق على السواحل الإيطالية حيث ما زال رجال ونساء يصلون مجازفين بحياتهم لعبور المتوسط. من أين يأتون؟ كم هو عدد الذين يلقون مصرعهم خلال هربهم من الحرب أو البؤس؟ كم يبلغ عدد الواصلين منذ أن بلغ ذروته في 2015؟ أين تقدم طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي وما عدد الطلبات التي تقبل؟ الوكالة الفرنسية للأنباء جمعت أرقاما لفهم أزمة الهجرة.
بعد ارتفاع تدريجي منذ 2011، شهدت سنة 2014 قفزة تمثلت بوصول 170 ألفا إلى السواحل الإيطالية، و43 ألفا إلى السواحل اليونانية أي أكبر بنحو أربع مرات من مجموعة السنة السابقة.

النزاع السوري وتدهور الظروف المعيشية
لكن الوضع اتخذ أبعادا هائلة في 2015. فقد أحصت منظمة الهجرة أكثر من مليون مهاجر وصلوا بحرا إلى أوروبا، بينهم 853 ألفا شخصا وصلوا إلى السواحل اليونانية في أكتوبر (تشرين الأول)، و153 ألفا إلى السواحل الإيطالية. يفسر هذا الارتفاع خصوصا بالنزاع الدامي الذي طال أمده في سوريا مع تدهور الظروف المعيشية في مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والأردن التي باتت تعاني من نقص المساعدة الدولية. وكان أكثر من نصف الواصلين إلى اليونان في 2015 من طالبي اللجوء السوريين (56.1 في المائة سوريون و24.3 في المائة أفغان و10.3 في المائة من العراقيين)، الذين مروا عبر تركيا. وواصل معظم هؤلاء طريقهم باتجاه الشمال عبر «طريق البلقان». وتفيد الوكالة الأوروبية لحماية الحدود الخارجية للاتحاد (فرونتكس) أن 580 ألف مهاجر تسجلوا في مراكز مخصصة في صربيا.
أما الواصلون إلى السواحل الإيطالية في 2015 فقد قدم معظمهم من أفريقيا. لكن شهدت عمليات عبور البحر المتوسط تراجعا واضحا في 2016. فقد أحصت منظمة الهجرة الدولية 363 ألفا وصلوا إلى السواحل الإيطالية واليونانية، أي أقل بثلاث مرات عن العدد الذي سجل في 2015.

اتفاق الهجرة مع أنقرة
في اليونان تراجع عدد الواصلين بحرا بنسبة نحو ثمانين في المائة تحت تأثير اتفاق الهجرة الذي وقع بين أنقرة والاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) 2016 من أجل لجم عمليات عبور بحر إيجه وإغلاق طريق البلقاء بالكامل تقريبا. هذا الاتجاه استمر في 2017. فقد وصل 7699 شخصا إلى اليونان عن طريق البحر منذ بداية العام، حسب أرقام المنظمة الدولية. لكن الهدوء في بحر إيجه يبقى هشا ومرتبطا خصوصا بحسن الإرادة التركية.
لكن على السواحل الإيطالية، لم تتباطأ الوتيرة. في 2016 بلغ عدد الواصلين مستوى قياسيا. ومعظم هؤلاء لا يعتبرهم الأوروبيون لاجئين محتملين بل مهاجرين لأسباب اقتصادية وبطريقة غير شرعية ويجب طردهم. في 2017، تؤكد الأرقام أن البحر المتوسط أصبح الطريق الرئيسية للهجرة إلى السواحل الأوروبية. فقد سجلت السلطات الإيطالية وصول أكثر من 65 ألف شخص منذ الأول من يناير (كانون الثاني) وهي أرقام تعادل زيادة نسبتها عشرين في المائة بالمقارنة مع الفترة نفسها من 2016.

مآس إنسانية

في السنوات الأربع الأخيرة لقي نحو 14 ألف مهاجر حتفه أو فقد. وكان نحو ثلث طالبي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي في 2015 و2016 من القاصرين، الذين لم يكن يرافقهم بالغون، حسب المفوضية الأوروبية. المكتب الأوروبي للإحصاء قال إن 38 في المائة منهم هم أفغان و19 في المائة هم سوريون، أكبر مجموعتين.
كانت وكالة التنسيق بين أجهزة الشرطة الأوروبية (يوروبول) ذكرت في يناير 2016 أن أكثر من عشرة آلاف طفل لا يرافقهم بالغون دخلوا إلى أوروبا خلال الأشهر الـ18 إلى 24 السابقة مما يثير مخاوف من تعرض عدد منهم للاستغلال وخصوصا الجنسي، من قبل الجريمة المنظمة.

الحماية والموافقة على طلبات الهجرة
لا تتم الموافقة على كل طلبات الهجرة. فقد منحت دول الاتحاد الأوروبي في 2016 حماية لنحو 710 آلاف و400 شخص في المجموع، أي أكثر بمرتين عن عام 2015، حسب المكتب الأوروبي للإحصاء. هذه «الحماية» تشمل ثلاث حالات مختلفة: «اللاجئ» (55 في المائة من المجموع في 2016) و«الحماية المؤمنة» للذين لا يلبون معايير وضع اللاجئ لكنهم في خطر في بلدانهم (37 في المائة) و«تصريح الإقامة لأسباب إنسانية» (8 في المائة).

حصة ألمانيا الأكبر بين دول الاتحاد الأوروبي
وألمانيا البلد الذي تسلم العدد الأكبر من الطلبات، هي منطقيا الدولة التي أمنت الحماية لأكبر عدد من الأشخاص في 2016. وذكر المكتب الأوروبي للإحصاء أن 445 ألفا موافقة على طليات صدرت في 2016 «اي أكثر بثلاث مرات عن 2015». بعد ذلك تأتي السويد (69 ألفا) وإيطاليا (35 ألفا) وفرنسا (35 ألفا) والنمسا (31 ألفا). المجموعات الرئيسية المستفيدة من الحماية في الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في 2016 كما في 2015 هي السوريون والعراقيون والأفغان.

إبعاد المهاجرين غير الشرعيين
طالب اللجوء الذي يتم رفض طلبه يفترض أن يبعد إلى بلده الأصلي مثل المهاجرين غير الشرعيين الذي لا يطلبون اللجوء ويعتبرون بشكل عام «مهاجرين اقتصاديين». وتفيد أرقام جمعتها وكالة حماية الحدود الأوروبية أن 305 آلاف و365 شخصا خضعوا في 2016 لقرار إداري أو قضائي بإبعادهم من إحدى دول الاتحاد الأوروبي إلى دولهم الأصلية (مقابل 287 ألفا في 2015 و252 ألفا في 2014). فعليا، تم طرد 176 ألفا و223 شخصا في 2016 بينهم 79 ألفا و608 قسرا، حسب «فرونتكس». أما الجنسيات التي تعرضت لأكبر عدد من عمليات الإبعاد القسري فهي الألبان (19 ألفا و482) والمغاربة (7506) والكوسوفيون (4916).

اتفاق إعادة التوطين

في مواجهة تدفق المهاجرين إلى إيطاليا واليونان، اتفق الأوروبيون في سبتمبر (أيلول) 2015 على أن يخالفوا مؤقتا القاعدة التي تفرض مسؤولية معالجة طلب لجوء من قبل البلد الذي دخل عبره طالب اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي. وبعد مفاوضات شاقة، قررت الدول الأعضاء في الاتحاد بأغلبية الثلثين إعادة توزيع 160 ألف شخص خلال عامين من اليونان وإيطاليا على بقية البلدان الأعضاء في الاتحاد. لكن حتى التاسع من يونيو (حزيران) 2017 لم تتم «إعادة توطين» أكثر من 13 ألفا و973 شخصا من اليونان و6896 من إيطاليا، أي أقل من 21 ألفا في المجموع.

إجراءات ضد دول في الاتحاد الأوروبي
بذلك لا يعود من الممكن تحقيق الهدف المحدد بـ160 ألف شخص وتحولت الخطة التي كان يفترض أن تشكل رمزا للتضامن الأوروبي إلى رمز للانقسامات داخل الاتحاد، وقد طبقتها بعض الدول ببطء ولم تطبقه بلدان أخرى إطلاقا مما شجع كثيرين من المرشحين للهجرة على مواصلة طريقهم باتجاه شمال أوروبا. بدأت المفوضية الأوروبية بذلك إجراءات ضد المجر وبولندا والجمهورية التشيكية لرفضها احترام حصصها في عملية استقبال اللاجئين. واصطدمت عمليات «إعادة توطين» المهاجرين بالصعوبات اللوجيستية للسلطات اليونانية والإيطالية على الأرض.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.