شعر: الأسطورة الجافّة

شعر: الأسطورة الجافّة

الأحد - 17 شهر رمضان 1438 هـ - 11 يونيو 2017 مـ
عبد الرحمن طهمازي
إلى علاء بشير

لطالما تمتّع المؤلّف القصصي المتمرّس بفكرته عن نفسه
وقد عنَّ له خاطر استراح له مفاده
أنّه لا بدّ من أن يختبر مجده من جديد وأن
يكتب قصّة لا تدور كما تعمل الأرض البيضوية
بل أن تمضي على نحوٍ مسطّح
فقام أولا بتخليص شخصياته من أي علاقة
بالحوادث
وأن تكون الحوادث متجرّدة من المعاني التي تترتّب
عليها فنون الحكاية وتتشبّع بها
وكان رهانه مبتهجاً بالتمام حين رسم خرائطه
اللامبالية
ثمّ أن يبدأ القصة من النهاية
ويجعل نفسه في منأى عن أن يبدو أي قارئ
ندّا له
وهكذا اختطف الغصنَ الذهبي:
إن احترافه لن يشفع له شفيع إلا بعد أن
يمارسه على أنه هاوٍ من الهواة مغرور وصريح
وفي لحظة واحدة كان قلمه سيّالا لا مردَّ له في
سحره
وأخذَتِ المقادير تجري من غير أعنّة
وشيئاً فشيئا أدرك المؤلّف أن هوايته
أشجع من احترافه
بل هي الاحتراف المتكاثر
فقد وجد أن شخصياته التي كانت
قد ماتت بدأت بالاستيقاظ لكي يواصل الاتجاه نحو
بداية القصة
وهكذا، ومن جديد يعود الأحياء يتسابقون نحو دفّة
السفينة ليبرهنوا لمؤلّفهم العتيد أنهم جديرون بالخروج
من الباب الذي أدخلهم منه
استقرّ الجميع بين طيّات الدفتر
وحين وصل المؤلّف إلى الفصل الخامل وهو المكان
الذي اعتاد أن ينهي فيه القصص وجد أن صمته
يتأهّب للإيقاع به؛ أسرع
يتعثّر بشخصيات قد وُلِدت متفاجئة وبغموضٍ أصيلٍ
غير مقصود، قبل أن يحين حينُها؛ ليخرج من
باب البداية مشوَّشا بالسلامة ولم يبقَ في مكنته
أن يكتب:
انتهت القصة.
لكنّ شخصياته لم تخرج معه ونكصت عائدة القهقرى
في بيت الهواة الذي تكاثرت فيه الحوادث القليلة
على الطريقة المعمارية لروبرت براونينغ: الأقل هو
الأكثر وتصرَّفت وكأنّها أذكى من مؤلّف
يتبجّج مثل شاعر عربي بكونه يفوق أشعاره ذكاء
في الوقت الذي تتغلغل فيه الأشعار
في الزمان مثل سهم عزيز لا يصيب إلا عين الثور.
ها هي الحوادث تصير عقيمة ما إنْ جعلتْ الشخصيات
شغلها الشاغل إغلاق الذاكرة، كما أن المناظر
الذي كانت تحيط بالجميع بدأت بالتفرّج على نفسها.
بعد أن دخل القرّاء في الحكاية من الباب الذي
خرج منه المؤلّف بَدَوا وكأنهم يطاردون الشخصيات
التي كانت تتقهقر إلى الباب الواقع في النهاية
كما اختاره الهاوي مدخلاً لا مخرجاً، بيد أن هذا
لم يكن واضحاً للأبطال، ولم يكونوا على علمٍ بأنّ
لقصتهم مدَخلَين ومَخرَجَين
يقتسمها المؤلّف والقراء
أمّا الشخصيات فلا تعرف إلا نهاية واحدة على
أنها بداية واحدة.
أقرتْ الشخصيات أنها أقل خيالا من الواقع، فخرجت
لا تلوي على شيء من الحيلة ولا تنتظر مَن سوف
يتسوّمَها من المؤلفين المحترفين لتمارس السخرة
لدى متطفلين؛ ومن غير اتفاق إذا بها تحاول
العودة إلى القصة دون اكتراث بأن الحوادَث
الرسمية قد انتهتْ.
وعلى أي حال فإن يأسها المحايد جعلها تدور
حول الهيكل اللغوي الممتدّ بأقنعته المتفطّرة وبجهل
تخالجه ابتسامة مصدومة ترتجف بغير نظام، وبحماقة
موسوعية تتوعّد المؤلّف النطاسي وتهيب به؛ وبضوضاء
رومانية كاسحة تخرّ الغربان عليها صريعة للتوّ
مضفية على المنتصرين والمهزومين دعابة قدّرها
هؤلاء وهؤلاء حقّ قدرها
وظلّ النسيج الصوتي الزائف الغامض العنيف الهستيري
المشعوذ يفعل فيهم ما يشاءون وما لا يشاءون
عالياً وسافلاً.
وفي الأخير
تجّرأت الشخصيات على دخول الهيكل، فلمّا فعلتْ
فعلتَها؛ ذاب الهيكل فيها وتبخّر الأمر من أصوله
وطار وأخذت الوقائع تتعجب مراراً وهي
تنظر في أعلاها الدفين حيث اللبّ لم يكن
شفافاً، وما زالت صفاته تتأسف عليه ليلاً
ونهاراً وليلاً فهي لم تصادف موصوفاً تخلد إليه
من غائلة الغد القصير القريب الذي سيطول
ويتقارب.
وبعد أن أفضى لاعبٌ محترف متمهِّل يتشرّف بالجمال النبيل المتواضع
وهو أيضاً مرموق بهواياته المتحركة؛ بسرّه على أن الشهرة
تكيل له تهديداً مباشرا اغرورقَ بالقول:
إنّ المستقبل ليس مما تعوّدنا عليه.
....
....
والسلام ختام

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة