يقوم باحثون منذ فترة قصيرة ببناء نسخة طبق الأصل من سفينة عسكرية رومانية في قاعة رياضية في إرلانجن، بجنوب ألمانيا، وذلك حسب تقرير لوكالة «د.ب.أ».
السفينة العسكرية مصنوعة بالكامل تقريباً من الخشب، ويأمل الباحثون، بقيادة أستاذ التاريخ القديم البروفسور بوريس دراير، في إجراء اكتشافات جديدة حول طرق بناء السفن القديمة وكيف كانت تستخدم هذه القوارب في الإمبراطورية الرومانية.
وهذه محاولة أيضاً لجعل التاريخ ملموساً بشكل أكبر، في تغيير عن الكتب التي يكسوها التراب وقاعات المحاضرات الكئيبة. ويقوم نحو 45 طالباً و16 من أطفال المدارس و90 متطوعاً بتركيب أجزاء القارب بمساعدة اثنين من بناة السفن المحترفين. وكان طالب التاريخ والعلوم السياسية يوهانيس ناجي هناك منذ البداية. ويقول الطالب (19 عاماً): «إنه حقّاً أمر مميز بالنسبة لي أن أكون قادراً على العمل في مثل هذا المشروع غير العادي». وبصرف النظر عن الفكرة، فهو يحب أيضاً فرصة العمل بيديه، وهو أمر لا يحدث في كثير من الأحيان لشاب من المدينة مثله.
ويضيف: «إنه أمر ممتع، وأنا أتعلم شيئاً عملياً من شأنه أن يجعلني في حالة جيدة. إنه تغيير لطيف عن الحياة اليومية في الجامعة، التي تشكل تحدياً للعقل بشكل واضح».
ويعمل بناة السفن وفقاً للمواصفات القديمة، فيقول درير: «لا يمكننا أن نصنعها تماماً كما فعلوا في ذلك الوقت». ودون المعدات الكهربائية، لن يستطيعوا الوفاء بموعدهم المحدد بسنة واحدة.
لكنهم يحاولون التمسك قدر الإمكان بالتصميم الأصلي الذي أخذوه من سفينتين عسكريتين محفوظتين بشكل جيد منذ عام مائة بعد الميلاد تقريبا واكتشفهما علماء آثار في عام 1986 بالقرب من أنقاض حصن روماني قريب. فقط مقدمة السفينة ومؤخرتها كانتا مفقودتين. ويقول درير إن تلك القوارب كانت تستخدم للدوريات، فضلا عن البعثات الاستكشافية ونقل القوات بسرعة. وهناك بعض الأسئلة التي يرغب الباحثون في الإجابة عنها بشكل خاص وهي: ما هو أسلوب التجديف الذي كان يستخدمه نحو 20 رومانياً كانوا على متن ذلك القارب؟ وما قدر القوة التي كانوا يحتاجون إليها، ومدى سرعة القارب وإلى أي مدى يمكن أن يبحر؟
ويقول درير: «لاختبار ذلك، نريد أن نبحر في نهر الدانوب حتى نصل إلى البحر الأسود على أقل تقدير»، ويضيف أن هناك أيضاً مسألة التكلفة رغم ذلك.
ويريد الباحثون أيضاً تجربة أنواع مختلفة من الأشرعة، وإعادة الطلاء الأصلي. ويقول درير: «كانت سفن الحرب مطلية بشكل زاهٍ على نحو لا يُصدَّق». وأضاف: «الرومان أرادوا أن يتم تذكرهم من قبل الأجيال على أنهم كانوا مسايرين للعصر».
وحاول الباحثون في جامعة ريجنسبورج القريبة في عام 2004 أن يسيروا قاربا نهريا رومانيا أعادوا بناءه، كما حاولت جامعة ترير، في ألمانيا الغربية، أيضاً شيئا مماثلا.
ولكن القوارب التي بنوها كانت على غرار القوارب التي استخدمها الرومان لأول مرة، قبل نحو 200 عام من تلك التي تم اكتشافها بالقرب من إرلانجن.
ويقول درير: «العصور المتأخرة ليست بالضرورة أفضل». ويضيف أن كثيراً من معارف بناة السفن فقدت خلال الفترة التي تخللت ذلك.
ويضيف درير أن تقنية بناء السفن في البحر الأبيض المتوسط المستخدمة في القارب الجديد تتفق مع الأساليب الحديثة المستخدمة في القوارب الخشبية اليوم، وكانت ستظل قيد الاستخدام لو لم تكن باهظة التكلفة.
وتابع أن السفينة التي بُنِيَت في ريجنسبورج استخدمت كثيراً من المعادن وكانت أثقل بكثير. وتابع: «قاربنا أخف بكثير، وأكثر مرونة وأسرع».
وقد أعجب فالك أندراسشكو، وهو صانع سفن من جزيرة يوزدوم قبالة شمال ألمانيا، الذي يساعد الطلاب والمتطوعين بمشروعهم في إرلانجن، بالتقنيات الرومانية.
ويقول: «من المدهش مدى تقدم مهاراتهم». ويضيف أن كثيراً من قوارب الصيد التي يصنعها يتم بناؤها باستخدام أساليب مماثلة.
ويوضح أن الأمر سيكون مثيراً للإعجاب عندما يبدأ تثبيت الألواح بـ700 مسمار خشبي مصنوع خصيصاً سمكه سنتيمتران وطوله 30 سنتيمتراً، فقط في المقدمة يُستخدم نحو 100 مسمار حديد لتوفير التوازن.
ويقول هاينريش كونين، محاضر التاريخ القديم الذي بلور فكرة بناء قارب روماني في ريجنسبورج، إن المشروع كان ناجحاً بالتأكيد.
وأضاف: «بالنسبة لنا كان السؤال الذي يتبادر إلينا هو ما إذا كان القارب سيطفو، وكيف يمكن تحريكه في المياه». وأضاف أن «الاختبار العملي ضخ بعض الحياة إلى أبحاثنا، وأدى إلى اكتشاف حقائق ونتائج جديدة».
ويقول إن قارب إرلانجن سيضيف فقط إلى هذه المعرفة، بما في ذلك إلى أي مدى يمكن السفر في مثل هذه السفن.
وأضاف قائلاً: «بصرف النظر عن ذلك، فإن بناء قارب هو شيء عملي، حيث يُحصّل الطلاب شيئاً خارج قاعة المحاضرات، وتتاح لهم فرصة لتطوير قدراتهم».
وعلى غرار النسخة الأصلية، فإن هذه النسخة المماثلة يصل طولها إلى نحو 16 متراً وعرضها 3 أمتار. وبعمق 70 سنتيمتراً فقط، ودون زعنفة لحفظ التوازن، فإنها قد تتمايل عندما تصل إلى الماء في نهاية المطاف العام المقبل.
ومن المقرر أن تقوم السفينة برحلتها الأولى ضمن الاحتفالات بمناسبة الذكرى السنوية الـ275 للجامعة.
وتصل التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 165 ألف يورو (183 ألف دولار).
ولكن درير يقول إن المشروع سوف يستحق كل بنس، ليس فقط بسبب الأفكار التي يأملون في كسبها ولكن بسبب الخبرة الفريدة التي يقدمها المشروع. ويقول: «سنكون قادرين على أن نروي ذلك لأحفادنا».

