ووري الثرى أمس (الاثنين) بمدينة العرائش المغربية جثمان الكاتب الإسباني خوان غويتسولو، وذلك بالمقبرة البحرية، قرب صديقه ورفيقه ومعلمه، الكاتب الفرنسي جان جينيه. وكان الكاتب الإسباني قد توفي، أول من أمس (الأحد)، بمراكش، عن سن تناهز 86 عاماً.
عرف غويتسولو ككاتب ملتزم بقضايا الشعوب المستضعفة، في مختلف بقاع العالم؛ كما ارتبط اسمه، في العقود الثلاثة الأخيرة، بعلاقة خاصة بمراكش، التي عشقها فأقام بها، منذ 1975؛ وهو عشق ترجمه بتطويع لسانه على الدارجة المغربية ومجالسة البسطاء والأصدقاء بمقهى «فرنسا» والسكن بحي «القنارية»، على بعد خطوات من ساحة جامع الفنا، حيث اعتاد أن يكلم الأطفال كأب، وأن يمشي بين الناس كشيخ وقور.
وتلخيصاً لعمق ودفء العلاقة التي نسجها غويتسولو مع سكان جامع الفنا، صار أطفال المدينة القديمة ينادونه «عمي خوان»، أما الكبار فيعتبرونه واحداً منهم، و«ولْدْ جامع الفنا»، مثلهم، فيما حظي بشعبية كبيرة بين المثقفين المغاربة، بشكل خاص، والعرب، بشكل عام، إلى درجة أن «اتحاد كتاب المغرب» منحه العضوية الشرفية، «لدفاعه المستميت عن التعدد، والتسامح، والتلاقح الثقافي بين الشعوب، وعمله على تحرير المشهد الذهني الغربي من مسبقاته واستيهاماته وأشباحه تجاه الآخر العربي، ولوقوفه إلى جانب حقوق المغرب وقضاياه الوطنية في مفاصل أساسية وحساسة، وامتناناً وتقديراً لجهوده في إثراء الثقافة المغربية والدفاع عنها».
وجاء في بيان نعى اتحاد كتاب المغرب أنه «بوفاة غويتسولو يكون العالم الثقافي والإبداعي والإنساني، قد فقد رمزاً كبيراً من رموز الثقافة والفكر والإبداع والنضال وحقوق الإنسان في العالم، وصوتاً من الأصوات الكونية المدافعة عن حوار وتلاقح الحضارات والثقافات بين ضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط، وبين الضفتين الأيبيرية والأميركية».
وختم البيان بأن «هذا الكاتب العالمي سيظل صوتاً إبداعياً متفرداً، بكتاباته الإبداعية العالمية الشهيرة، بما أثارته من جدل واسع، لجرأتها ولخصوصيتها، ولإشكالية الإبداع فيها، بمثل ما سيظل واحداً من قمم وروائع الأدب الإسباني والعالمي، وأحد أكبر المدافعين عن التعدد الثقافي والتنوع الفكري، مستهجنا كل انغلاق في الحوار وفي الثقافات».
وقال المترجم والناقد المغربي محمد آيت العميم، وهو أحد مثقفي مراكش الذين عرفوا الراحل عن قرب، إن غويتسولو يبقى «من بين آخر الكتاب الملتزمين»، مشيراً إلى «التأثير الكبير الذي مارسه الكاتب الفرنسي، دفين العرائش المغربية، جان جينيه، على الكاتب الإسباني، حيث كان له دور كبير في توجيهه نحو نوع من الالتزام القوي نحو قضايا الشعوب المستضعفة».
وأبرز آيت العميم أن «حضور غويتسولو إلى مراكش، واستقراره بها، في أوج عطاء ساحة جامع الفنا، سيغير من تصوراته حول مفهوم الأدب»؛ مشيراً إلى أن «غويتسولو، الذي أقام بالمدينة الحمراء واستقر في قلب المدينة القديمة، بـ(القنارية)، في (درب سيدي بو الفضايل)، كان له دور كبير في التعريف بالساحة التي عشقها، فأصبحت هي ملهمته بعد مجيئه من إسبانيا، لذلك تعامل معها تعامل المثقف الكبير صاحب الخبرة الثقافية العالمية، فرأى فيها ما لم يره فيها غيره، فأصبح من أهم المدافعين عنها، خوفاً من أن تطمس هويتها أو تتم إزالتها بقرار إداري».
كما شدد آيت العميم على أن «الكاتب الراحل كانت له قرابة كبرى بالبعد الكوني للثقافة العربية الإسلامية، إذ إننا حينما نقرأ كتاباته نجد فيها نوعاً من التحية والتكريم للثقافة العربية الإسلامية، وهو ما يظهر، مثلاً، في (الأربعينية) و(فضائل الطائر المتوحد)».
وولد غويتسولو في برشلونة سنة 1931، واختار بداية من 1956 فرنسا منفى اختيارياً، حيث عمل كمستشار أدبي لدى دار النشر غاليمار. وفي الفترة ما بين 1969 و1975 عمل أستاذا للأدب بجامعات كاليفورنيا وبوسطن ونيويورك، قبل أن يختار الاستقرار نهائياً بمراكش، التي سيهديها مخطوط «مقبرة»، إحدى أهم رواياته، التي كان استلهم عالمها من فضاء ساحة جامع الفنا، بإيقاعاتها وأصواتها ومتخيلاتها، ومن الحرية التعبيرية لكل ما يتحرك فيها.
وسبق لليونيسكو أن منحت الكاتب الإسباني شرف كتابة نص إعلان اعتبار ساحة جامع الفنا ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، اعترافاً منها بجهوده في الدفاع عن حق الساحة في التحلي بكثير من الحس الجمالي عند كل محاولة لتوسيعها أو التغيير في ملامحها.
وخلال مسيرته الأدبية، عرف غويتسولو بغزارة إنتاجه الأدبي وتنوعه، حيث كتب المقالة التحليلية والرواية والتحقيقات والمذكرات، كما ساعده عمله بدار النشر الفرنسية للانتشار بين الأوساط الثقافية فأصبح أكثر الإسبان تأثيراً في الخارج، الشيء الذي مكنه من الحصول على عدد من أرفع الجوائز العالمية، آخرها جائزة «سرفانتيس»، في 2014، هو الذي رفض، في 2009، «جائزة معمر القذافي الدولية للآداب»، التي كانت قيمتها تناهز 150 ألف دولار، «لأسباب سياسية وأخلاقية».
10:17 دقيقه
رحيل خوان غويتسولو... عاشق مراكش وصديق الشعوب المستضعفة
https://aawsat.com/home/article/944241/%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%BA%D9%88%D9%8A%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%84%D9%88-%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D9%82-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%83%D8%B4-%D9%88%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B6%D8%B9%D9%81%D8%A9
رحيل خوان غويتسولو... عاشق مراكش وصديق الشعوب المستضعفة
دفن أمس بالعرائش إلى جوار صديقه جان جينيه
خوان غويتسولو (تصوير: الفنان أحمد بن إسماعيل)
- مراكش: عبد الكبير الميناوي
- مراكش: عبد الكبير الميناوي
رحيل خوان غويتسولو... عاشق مراكش وصديق الشعوب المستضعفة
خوان غويتسولو (تصوير: الفنان أحمد بن إسماعيل)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

