4 قتلى خلال مظاهرة احتجاجية على «هجوم كابل»

مطالب باستقالة حكومة الرئيس غني بعد التفجير الانتحاري في «الحي الدبلوماسي»

أطلقت الشرطة الأفغانية الرصاص الحي لتفريق مئات المتظاهرين الذين كانوا يحاولون التوجه إلى القصر الرئاسي خلال مواجهات كانت تطالب باستقالة الحكومة الأفغانية أمس (أ.ب)
أطلقت الشرطة الأفغانية الرصاص الحي لتفريق مئات المتظاهرين الذين كانوا يحاولون التوجه إلى القصر الرئاسي خلال مواجهات كانت تطالب باستقالة الحكومة الأفغانية أمس (أ.ب)
TT

4 قتلى خلال مظاهرة احتجاجية على «هجوم كابل»

أطلقت الشرطة الأفغانية الرصاص الحي لتفريق مئات المتظاهرين الذين كانوا يحاولون التوجه إلى القصر الرئاسي خلال مواجهات كانت تطالب باستقالة الحكومة الأفغانية أمس (أ.ب)
أطلقت الشرطة الأفغانية الرصاص الحي لتفريق مئات المتظاهرين الذين كانوا يحاولون التوجه إلى القصر الرئاسي خلال مواجهات كانت تطالب باستقالة الحكومة الأفغانية أمس (أ.ب)

قُتِل أربعة أشخاص، أمس، خلال مواجهات بين قوات الأمن وجموع غاضبة كانت تطالِب باستقالة الحكومة الأفغانية بعد الاعتداء المروِّع بشاحنة مفخخة أوقع الأربعاء 90 قتيلاً.
ويسود توتر شديد في العاصمة الأفغانية حيث أطلقت الشرطة الرصاص الحي لتفريق مئات المتظاهرين الذين كانوا يحاولون التوجه إلى القصر الرئاسي. وقال المتحدث باسم وزارة الصحة الأفغانية وحيد مجروح لوكالة الصحافة الفرنسية: «في مظاهرة اليوم قتل أربعة أشخاص وأصيب ثمانية آخرون بجروح». وتتزايد حدة الغضب في أفغانستان منذ اعتداء بشاحنة مفخخة أسفر عن 90 قتيلاً على الأقل ومئات الجرحى في الحي الدبلوماسي بالعاصمة الأفغانية الذي يُفتَرَض أنه يتمتع بحماية مشددة.
وهذا أسوأ اعتداء تشهده كابل منذ 2001. ويتساءل كثير من الأفغان: كيف لم تتمكن أجهزة الاستخبارات من منع الشاحنة المفخخة من الدخول إلى حي محصن بحواجز أمنية وحراس؟!
وتجمع المتظاهرون قرب موقع الانفجار، ورددوا هتافات مناهضة للحكومة و«الموت لطالبان».
ورَدَّت الشرطة بإطلاق النار في الهواء واستخدام خراطيم المياه عندما حاول بعض منهم تجاوز طوق أمني. وقالت الناشطة رحيلة جعفري في المظاهرة إن «إخوتنا وأخواتنا قضوا في الاعتداء الدامي الأربعاء، ولا يفعل قادتنا شيئاً لإنهاء هذه المذبحة». وأضافت: «نريد العدالة، نريد أن يتم شنق منفذي الهجوم».
وأكد متظاهر آخر أن التجمعات ستتواصل إلى حين استقالة الرئيس أشرف غني ورئيس السلطة التنفيذية في البلاد عبد الله عبد الله. وقال: «يوماً بعد يوم، يتعرض مدنيون أبرياء للقتل على أيدي إرهابيين. إذا لم يكن بوسع قادتنا إحلال الأمن، فعليهم الاستقالة».
ونسبت أجهزة الاستخبارات الأفغانية تنفيذ الاعتداء إلى شبكة حقاني المسلحة المتحالفة مع حركة طالبان، التي تقف وراء عدد كبير من الهجمات على القوات الأجنبية والأفغانية.
ونفت حركة طالبان التي تخوض هجومها السنوي التقليدي في الربيع، أيَّ تورُّط لها في الاعتداء». وقال مصدر حكومي لوكالة الصحافة الفرنسية إن الرئيس أشرف غني يمكن أن يأمر قريباً بإعدام 11 سجيناً من طالبان وشبكة حقاني. وفيما لا يزال أشخاص في عداد المفقودين بعد الهجوم، نبهت السلطات الصحية إلى تعذر التعرف على بعض الجثث.
والحي الدبلوماسي يضم القصر الرئاسي وعدة سفارات ويفترض أنه يحظى بأفضل حماية أمنية في البلاد. وتضررت نحو عشر بعثات دبلوماسية من جراء الاعتداء، وكان هناك أكثر من عشرين من موظفيها في عداد القتلى أو الجرحى، وهذا الاعتداء الذي وقع في إطار من التدهور الأمني في أفغانستان، ندد به العالم بأسره. وشهدت كابل في الأشهر الـ12 الأخيرة 15 اعتداءً كبيراً، وباتت في الفصل الأول من 2017 المكان الأشد خطراً على المدنيين في أفغانستان، بحسب الأمم المتحدة. وتفكر الولايات المتحدة المنخرطة في أفغانستان في أطول نزاع في تاريخها، حالياً، في إرسال عسكريين إضافيين.
وهي تنشر حاليا 8400 عسكري في أفغانستان إلى جانب خمسة آلاف ينتمون إلى دول أخرى في الحلف الأطلسي تتمثل مهمتهم الأساسية في تدريب الجنود الأفغان وتقديم المشورة لهم. وشيعت كابل، أول من أمس، ضحايا أسوأ اعتداء تشهده منذ 2001، وهي لا تزال تحت وطأة الصدمة، فيما يتصاعد غضب السكان إزاء فشل الحكومة الأفغانية في حمايتهم.
وأحدث الهجوم الذي نُفِّذ في خامس أيام شهر رمضان، حفرة هائلة في هذه المنطقة التي تؤوي القصر الرئاسي والكثير من السفارات الأجنبية، ويُفتَرَض أنها الأشدّ تحصيناً في البلاد. ولحقت ببعض السفارات أضرار، كما قُتِل أو أصيب عشرون من موظفيها.
وبدأت أجهزة المدينة وقوات الأمن صباح أمس إزالة السيارات المحترقة على جانبي الطرقات، وآثار الاعتداء، في حين تستعد الأسر المكلومة لدفن ضحاياها، ويستمر آخرون في البحث عن المفقودين منهم.
وأشارت السلطات الصحية إلى أن كثيراً من الجثث الممزقة والمتفحمة قد يتعذر التعرف على هويات أصحابها.
ومن أول التداعيات السياسية للاعتداء قرار أعلنته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بتعليق عمليات ترحيل المهاجرين نحو أفغانستان. وقالت ميركل للصحافيين أول من أمس إن الخارجية الألمانية ستعيد تقييم الوضع الأمني في البلاد في يوليو (تموز)، وفي انتظار ذلك ستعمد ألمانيا فقط إلى تنفيذ عمليات «عودة طوعية»، و«ترحيل الأشخاص الذين قد يشكلون خطراً، ومرتكبي الجنح، بعد النظر في الحالات بشكل فردي». وشهدت كابل في الأشهر الـ12 الأخيرة 15 اعتداءً كبيراً، وباتت في الفصل الأول من 2017 المكان الأشدّ خطراً على المدنيين في أفغانستان، بحسب الأمم المتحدة.
ويتزايد غضب السكان على الحكومة وقوات الأمن العاجزة عن حمايتهم، ويتساءل كثير منهم: «كيف لم تتمكن أجهزة الاستخبارات من منع شاحنة مفخخة من الدخول إلى حي تكثر فيه الحواجز الأمنية وينتشر فيه الحراس الأمنيون بكثافة؟!»، وقال أحد سكان كابل لقناة «تولو نيوز»: «كم من الوقت سيتعين علينا الاستمرار في تحمل سفك الدم في بلادنا؟»، مضيفاً: «لقد فقدت أخي في الانفجار والحكومة فشلت باستمرار في ضمان أمننا».
ويستمر التساؤل بشأن منفذي الاعتداء، حيث لم تعلن أي مجموعة متمردة في أفغانستان حتى الآن مسؤوليتها عنه. واتهمت الاستخبارات الأفغانية شبكة حقاني، وهي مجموعة مسلحة متحالفة مع طالبان ومسؤولة عن هجمات عدة استهدفت القوات الأجنبية والمحلية في أفغانستان ويشتبه بأن لها صلات مع أوساط عسكرية في باكستان المجاورة.
ويتوقع أن يصادق الرئيس أشرف غني على أمر بإعدام 11 سجيناً من طالبان وحقاني وفق ما أفاد به مصدر حكومي وكالة الصحافة الفرنسية. ويبدو أن القرار سيصدر ردّاً على الاعتداء.
وتصاعدت اللهجة بين الاتحادين الأفغاني والباكستاني لرياضة الكريكيت، اللذين أعلنا إلغاء المباريات المقررة هذا الصيف، مع اتهام الاتحاد الأفغاني في بيان باكستان بـ«إيواء إرهابيين». وأبدى الاتحاد الباكستاني استياءه من «مزاعم لا أساس لها».
ونفت طالبان أي ضلوع لها في الاعتداء، غير أن المحللين بدوا حذرين إزاء هذه المزاعم، مشيرين إلى أن حركة طالبان الحريصة على شعبيتها كانت أبدت تردداً في الماضي في تبني مسؤولية اعتداءات قُتِل فيها كثير من المدنيين.
كما أن تنظيم داعش الذي نَفَّذ عدة عمليات دامية في كابل في الأشهر الأخيرة، لم يعلن مسؤوليته. وكان الاعتداء الذي أتى في ظرف تدهور أمني ووضع مضطرب في أفغانستان، موضع إدانة كبيرة في العالم بأسره.
وندد الرئيس الأميركي بـ«الطبيعة الوحشية للإرهابيين الذين هم أعداء جميع الشعوب المتحضرة». كما «أشاد بقوات الأمن الأفغانية لجهودها الثابتة في الدفاع عن الشعب الأفغاني في مواجهة أعدائه الذين يحاولون حرمانه من الأمن والازدهار الذي يحتاج إليه كثيراً»، بحسب «البيت الأبيض». وتفكر الولايات المتحدة المنخرطة في أفغانستان في أطول نزاع في تاريخها، حالياً في إرسال عسكريين إضافيين. وهي تنشر حالياً 8400 عسكري في أفغانستان، إلى جانب خمسة آلاف ينتمون إلى دول أخرى في الحلف الأطلسي تتمثل مهمتهم الأساسية في تدريب الجنود الأفغان وتقديم المشورة لهم.
وقالت منظمة العفو الدولية إن اعتداء الأربعاء يظهر أن «النزاع في أفغانستان لا يخفت بل يتفاقم بشكل خطر وبطريقة يفترض أن تلفت اهتمام المجتمع الدولي».


مقالات ذات صلة

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

شؤون إقليمية الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» ونواب الحزب خلال احتجاج داخل البرلمان التركي للمطالبة بالحق في استخدام اللغة الكردية بصفتها لغة أم (حساب الحزب في إكس)

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

أعطى رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش إشارة على البدء بمناقشة اللوائح القانونية لـ«عملية السلام» بعد شهر رمضان وسط اعتراضات كردية على غياب قضايا جوهرية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوقفت السلطات الفرنسية مراهقَين أقرّ أحدهما، وهو متأثر بالتوجهات الإرهابية، بإعداد مشروع «عمل عنيف» كان سيستهدف «مركزاً تجارياً أو قاعة حفلات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

وافقت لجنة في البرلمان التركي على تقرير يتضمن اقتراحات لوضع قانون انتقالي لعملية السلام بالتزامن مع عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منسّق حزب «فرنسا الأبية» مانويل بومبار (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» اليساري يخلي مقره في باريس بعد «تهديد بوجود قنبلة»

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي الأربعاء أنه اضطر إلى إخلاء مقره الرئيس في باريس بعد تلقيه «تهديداً بوجود قنبلة».

«الشرق الأوسط» (باريس)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended