مفاوضات أميركية ـ روسية لإقامة «منطقة آمنة» جنوب سوريا... وإبعاد إيران

واشنطن قررت «الدفاع» عن مناطق المعارضة وقصفت ميليشيا طهران قرب حدود العراق

فصائل معارضة تصد هجوم قوات النظام في درعا أمس (وكالة قاسيون)
فصائل معارضة تصد هجوم قوات النظام في درعا أمس (وكالة قاسيون)
TT

مفاوضات أميركية ـ روسية لإقامة «منطقة آمنة» جنوب سوريا... وإبعاد إيران

فصائل معارضة تصد هجوم قوات النظام في درعا أمس (وكالة قاسيون)
فصائل معارضة تصد هجوم قوات النظام في درعا أمس (وكالة قاسيون)

خلال اجتماع عسكريين ودبلوماسيين أميركيين وروس في عمان قبل أيام لبحث إقامة «منطقة آمنة» تقع بين دمشق والأردن، تقدمت مجموعة من القوات النظامية وميليشيا إيرانية من تدمر باتجاه معسكر التنف الذي يضم وحدات خاصة أميركية وبريطانية ونرويجية قرب حدود العراق. أبلغ الجيش الأميركي عبر قناة الاتصال مع نظيره الروسي ضمن اتفاق «منع الصدام» رسالة عاجلة مفادها بوجوب وقف تقدم القافلة العسكرية. بعد قليل، جاء الرد الروسي بأن قوات النظام توقفت، لكن ميليشيا أخرى استمرت بالتقدم. وجهت قاذفات أميركية ضربات تحذيرية... ثم دمرت بعضها.
كانت هذه أول حادثة من نوعها. الجيش الأميركي «يدافع» عن أرض خاضعة لسيطرة فصائل «الجيش السوري الحر» التي يدعمها. وهي تختلف عن الضربات الصاروخية على مطار الشعيرات قبل أسابيع؛ لأن الأخيرة جاءت بعد هجوم كيماوي على خان شيخون وضمن اعتبارات تتعلق بالموقف من روسيا و«الخط الأحمر» واستخدام الكيماوي وانقلاب إدارة دونالد ترمب على تردد إدارة باراك أوباما.
في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) العام الماضي، تعرض معسكر التنف لقصف من قاذفات روسية أكثر من مرة. كانت بعض الغارات على وشك إصابة وحدات أميركية وبريطانية. وقتذاك، حصل «توتر» بين وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر والبيت الأبيض لأن أوباما لم يعط تفويضاً بالرد على الاستهداف الروسي.
في 18 مايو (أيار)، جاء قصف القاذفات الأميركية لميليشيا إيرانية موالية لدمشق بعد أيام من إبلاغ وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون الكرملين، بأنه لا مانع لدى واشنطن من أن تكون مناطق النظام «تحت سيطرة روسيا، لكن شرط إبعاد الحرس الثوري الإيراني من هذه المناطق»، وأن إدارة ترمب «متمسكة بخروج الأسد من مستقبل سوريا مع مرونة إزاء موعد وكيفية خروجه». أيضاً، أبلغ الأميركيون نظراءهم الروس بأنهم غير مهتمين بالمفاوضات السياسية في جنيف و«يراقبون» اجتماعات آستانة لإقامة أربع مناطق «خفض التصعيد»، لكن واشنطن أرادت اختبار نيات موسكو ومدى قدرتها على الطلاق مع طهران وقررت فتح مفاوضات عسكرية ودبلوماسية مع الروس في عمان للبدء بإقامة «منطقة آمنة» جنوب سوريا.
عليه، عقدت جلسات لمسؤولين أميركيين وروس في العاصمة الأردنية، شارك فيها المبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي ضد «داعش» بريت ماغورك ومساعد نائب وزير الخارجية مايكل راتني. اللافت، أنه خلال الاجتماع الثنائي، تبلغ ماغورك أن قاذفات أميركية قصفت ميليشيا إيرانية وهو قام بدوره بإبلاغ نظرائه الروس الجالسين أمامه، لكنهم لم ينسحبوا من الاجتماع، بل واصلوا بحث التفاصيل.
من المقرر أن تعقد جلسة أخرى في عمان لبحث «المنطقة الآمنة»، ذلك أن التفكير الغربي يقترح التفاهم مع موسكو لضم درعا والقنيطرة والجولان وجزء من ريف السويداء امتدادا إلى معسكر التنف ومعبر الوليد مع العراق، بحيث تقام في مناطق المعارضة مجالس محلية وممرات إنسانية وعودة للنازحين واللاجئين ومشروعات إعادة أعمار، مع احتمال التوصل إلى تفاهم على وجود رمزي لدمشق على معبر نصيب مع الأردن ورفع العلم السوري الرسمي في نقاط معينة في «الشريط الأمني» الذي «يجب أن يكون خالياً من ميليشيا إيران و(حزب الله)». في هذا المجال، لوحظ إعلان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أنه أجرى «اتصالات بناءة» مع نظيره الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إزاء «منطقة آمنة» جنوب سوريا. وقال مصدر دبلوماسي: إن موسكو اقترحت «عودة قوات النظام من دون الميليشيا إلى الجنوب، لكن واشنطن تمسكت بالتفاهم مع موسكو بإقامة المنطقة الآمنة».

تحرير الرقة و«جزيرة» دير الزور
بالتوازي مع هذا المشروع الأول، الذي تريده دول غربية اختبارا لنيات موسكو ومدى قدرتها على ضبط طهران وحلفائها، هناك مشروع أميركي ثان في شمال شرقي البلاد يقوم أكثر على المقاربة العسكرية. واشنطن حسمت أمرها في الاعتماد على «قوات سوريا الديمقراطية» بما في ذلك «وحدات حماية الشعب» الكردية لتحرير الرقة من «داعش» رغم تحفظات أنقرة وغضب الرئيس رجب طيب إردوغان ضمن تصور مفاده أن تحرير الرقة لن يحصل قبل خريف العام الحالي، لكن واشنطن وحلفاءها منفتحون على بحث خطط لـ«استقرار الرقة ما بعد التحرير» بحيث يكون الدور العربي أوضح ويتضمن بقاءهم في مدينتهم تحت مجلس مدني يديرها. ولأن بعض الدول، حذر واشنطن من احتمال تسليم «وحدات حماية الشعب» مناطق تحررها إلى قوات النظام برعاية روسية كما حصل شرق حلب، هناك فكرة بالضغط على «وحدات حماية الشعب» كي تبتعد سياسيا وعسكرياً من دمشق مقابل حوافز سياسية تتعلق بالاعتراف بحقوق الأكراد وكيانهم السوري، إضافة إلى القواعد العسكرية التي أقامها الجيش الأميركي دعماً للأكراد.
في حال نجحت «المنطقة الآمنة» جنوب سوريا بتفاهم أميركي - روسي - أردني، يمكن الانتقال إلى تطبيق منطقة «خفض التصعيد» في إدلب بتفاهم أميركي - روسي - تركي. موسكو التي تفاوض واشنطن في عمان جنوباً تفاوض أنقرة وطهران شمالاً. وبرزت أهمية الاجتماعات الروسية - التركية - الإيرانية لرسم حدود مناطق «خفض التوتر» الأربع لإقرار في 4 يونيو تمهيداً لنشر مراقبين من هذه الدول ثم من دول أخرى بعد صدور قرار من مجلس الأمن. أنقرة تريد توسيع منطقة إدلب لتشمل قسماً واسعاً من الريف الغربي لحلب والريف الشرقي للاذقية، لكن دولاً أخرى تشترط قراراً تركياً حاسما بـ«القضاء على (جبهة النصرة) وخنقها وفاعلية أكبر مما فعلته ضد (داعش) ضمن عملية درع الفرات»، في إشارة إلى «الصفقة» التي شملت مقايضة خروج المعارضة من شرق حلب مقابل «ضوء أخضر» روسي لتوغل الجيش التركي وحلفائه من جرابلس شمال سوريا.
وبين «المنطقة الجنوبية» ومحافظة الرقة، تظهر «عقدة» دير الزور التي تدور فيها معارك بين قوات النظام بغطاء جوي روسي وتنظيم داعش. بعض المسؤولين الأميركيين يريد استعجال عزل دير الزور لطرد «داعش» والنظام منها، في حين يرى آخرون بإمكانية قبول وجود النظام وروسيا في حال حصل تفاهم مع موسكو التي توفر الغطاء الجوي لقوات النظام ومطارها العسكري قرب المدينة. وقال مسؤول غربي: «قد تقبل واشنطن وجود دمشق وموسكو في دير الزور، لكن لن تقبل وجود طهران. واضح أن الأميركيين قرروا الدفاع عن أراض تسيطر عليها المعارضة، لكن لن تأخذ مناطق النظام حالياً».
مسارات المعارك على الأرض تدل إلى سباق للقبض على الأرض وتعزيز المواقع في الميدان السوري بالتوازي مع المفاوضات العسكرية والسياسية في عمان وآستانة؛ إذ إن الجيش الروسي وسع مناطق انتشاره إلى السويداء وأطراف درعا، وبات ينشر شرطته العسكرية بدل الميليشيا الإيرانية في مناطق «المصالحات»، لكنه يقدم الدعم الجوي لقوات النظام و«حزب الله» في طرد «داعش» من شرق حلب، وصولاً إلى الضفة الغربية لنهر الفرات ويوفر الغطاء الجوي للتقدم من تدمر إلى دير الزور والبوكمال قرب الحدود العراقية. جاء هذا بعدما سبقه الجيش الأميركي للسيطرة على سد الفرات ومطار الطبقة العسكري ودعمت استعادة سد «البعث» ضمن معركة تحرير الرقة، إضافة إلى استمرار الدعم الغربي لـ«الجيش الحر» في درعا لصد هجمات قوات النظام نحو حدود الأردن.
إدارة الرئيس ترمب تعتقد أن السيطرة بتفاهم وتنافس مع الكرملين على «المنطقة الجنوبية» وتعزيز المواقع العسكرية شمال شرقي سوريا، ستؤدي إلى اختراق «الهلال الشيعي» من إيران إلى العراق ووسط سوريا و«حزب الله» في لبنان، إضافة إلى أنه ستنهي خطة طهران لتوفير خط إمداد بري إلى البحر المتوسط واحتمال تنفيذ طموح قديم بإقامة قاعدة. بل إن إدارة ترمب أنه بذلك تتم هزيمة «داعش» وتقليص النفوذ الإيراني بأقل كلفة عسكرية واقتصادية.
في المقابل، كثفت طهران من دعمها للميليشيا التابعة لها لخلط الأوراق الأميركية في البادية السورية وعدم قبول الخطوط التي ترسمها واشنطن في سوريا وهي تضغط على واشنطن التي تعتبر هزيمة «داعش» في الموصل بدعم تنظيمات محسوبة على إيران أولوية أيضا، بل إن بعض الميليشيا اقترب من حدود العراق، وتوعد بعبور الحدود للمشاركة في معارك دير الزور أو الرقة.
يضاف إلى ذلك، أن إيران تستعجل تعزيز القبض على الأرض بين دمشق وحدود لبنان و«حزام» دمشق عبر العمليات العسكرية والتغيرات الديموغرافية للتأثير على القرار السياسي في العاصمة السورية، بصرف النظر عن النظام وزيادة اعتماد موسكو عليها في خضم المفاوضات الأميركية - الروسية، في وقت لا تزال موسكو تفاوض واشنطن وتتفاهم مع أنقرة وطهران حول المناطق الأربع لـ«خفض التوتر». وهناك من يطرح احتمال مقايضة لاحقة بين الدول المنخرطة في الأرض السورية لتحديد حدود السيطرة وتظهير «مناطق النفوذ» إلى حين الجلوس على طاولة المحاصصة في النظام السياسي المقبل.



الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.


أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».