«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (5): السينمائيون العرب يتناقشون متفائلين بمستقبل أفضل

«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (5): السينمائيون العرب يتناقشون متفائلين بمستقبل أفضل

هل الأفلام الفرنسية فرنسية أكثر من اللزوم؟
الاثنين - 26 شعبان 1438 هـ - 22 مايو 2017 مـ
الممثل- المخرج ماتيو أمالريك - لقطة من «مُـهيب»

برعاية الهيئة الملكية الأردنية للأفلام والمركز السينمائي المغربي، أقيمت يوم أول من أمس جلسة نقاش تحت عنوان «ما وراء الحدود: لماذا نجحت نسبة ضئيلة من الأفلام العربية في تجاوز المنطقة العربية والوصول للعالمية؟».

أدار الجلسة جورج ديفيد، أحد رؤساء الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وضمت لمياء الشرايبي (المغرب)، درة بوشوشة (تونس)، سالم براهيمي (الجزائر)، محمد الدراجي (العراق) ومحمد حفظي (مصر)، وكلهم منتجون خبروا المهرجانات والأسواق العالمية ولو بنتائج مختلفة.

إنه سؤال ملحّ، ذاك الذي يطرحه هذا النقاش ويأتي في وقته تماماً، لأنه لم يعد من الممكن الاستمرار في الاعتقاد أن الأمور على خير ما يرام لمجرد أننا نعتقد ذلك أو لمجرد أن هناك بضعة أفلام استطاعت النفاذ إلى المسابقات الرئيسية.

تناول بعض المتحدثين هذا الواقع واجتمع الرأي في النهاية على أن المزيد من العمل مطلوب لدعم الفيلم العربي. وبداية تحدث كل من هؤلاء عن تجربته المحلية وتلك العالمية وكيف صاغ عملية الانتقال. درّة بوشوشة على سبيل المثال، لم تنجح في العام الماضي بإدخال فيلمها «هادي» إلى مسابقة مهرجان برلين الرئيسية، بل نال الفيلم جائزتين ثمينتين (الفيلم الأول وأفضل ممثل). علاوة على ذلك، وجدت نفسها وقد اختيرت عضو لجنة تحكيم المسابقة الرسمية هذا العام.

تجربة محمد الدراجي ربما كانت هي الأصعب إذ أشار إلى أنه على عكس السينمات الأخرى (المغربية أو التونسية أو الجزائرية) فإن المنطلق، عندما بدأ تحقيق أفلامه، كان من الصفر: «لا صناعة سينمائية في العراق، وكل شيء مجمّد وعندما تجلس مع أحد مسؤولي وزارة الثقافة وتعرض عليهم المساهمة في إنتاج فيلم، يقولون لك أنت (بطران). يرون أن العراق في حرب وأنا منشغل بصنع فيلم».


نقاشات وحفلات


الحال هو أن قيام كل دولة عربية بالاعتناء بحاضرها ومستقبلها السينمائي يوفر لها حرية حركة وسرعة قرارات ونفاذ إلى السوق والمهرجانات على نحو أسرع (وأفضل) من العمل المشترك. لا يعني ذلك أن لا نشهد إنتاجات مشتركة تونسية - أردنية أو مصرية - جزائرية أو مغربية - عراقية على نحو الإنتاجات المشتركة بين الدول الأوروبية، فيما لو كانت هناك الأرضية الصحيحة لذلك، لكن من حيث تقديم الفيلم إلى «ما وراء الحدود»، فإنه ليس نافعاً أن يحمل العمل ثلاث أو أربع رايات في حين أن الجمهور العالمي يفضل معرفة فورية ومباشرة بهوية الفيلم كبلد منشأ وكمضمون.

لاحظ بعد المنتدين أنه من الأسهل دخول أحد المهرجانات الخمس الرئيسية من الوصول إلى التسويق. وذكر أحدهم السينما الإيرانية وما وصلت إليه كمثال. لكن السينما الإيرانية، وعلى كون النظام الذي تنتمي إليه أو تحاول مجابهته من خارج حدوده، حظيت بدعم غربي لأن الغرب يريد تغيير النظام عبر الثقافة، والخطّة نجحت بحيث بات من السهل على فيلم إيراني، مثل «رجل كبرياء» وفيلم الأنيميشن الجديد «ممنوع في طهران» (Tehran Taboo)، ومثل أفلام فرهادي ومخملباف وكيارستمي السابقة، إيجاد فرص عروض جماهيرية في معظم أوروبا، بل وفي الصالات المتخصصة في الولايات المتحدة.

والنقاشات والدعوات لحضور المنتديات وجلسات النقاش كثيرة هذا العام، وبعضها مصحوب بحفلات غداء أو عشاء. يوم أمس، وعلى سبيل المثال، كان هناك حفل الغداء السنوي الذي يدعو إليه مهرجان دبي السينمائي كل عام. على أثره إعلان جائزة النقاد الذين اشتركوا في دعوة وجهتها لهم شركة «ماد سوليوشنز». وعلى يخت استأجره رجل الأعمال نجيب سايروس أقيمت ليلاً حفلة الإعلان عن ولادة مهرجان «الجونة السينمائي» الذي ستنطلق دورته الأولى في سبتمبر (أيلول).

هذا النشاط وسواه يستخدم المكان الأنسب للدعاية والحركة لكن العالم المحيط به، بدءاً من الهند وامتداداً إلى الصين ومن أوروبا إلى أميركا الجنوبية وما تحققه دول دون أخرى من نجاحات يتجاوز عالمية هذه النشاطات باستثناء أن مهرجاني دبي ومراكش هما الوحيدان العربيان - العالميان اللذان يتركان صدى إيجابياً يستند إلى خلفية وتاريخ كل منهما.


عن سينما وسينمائيين


الأفلام ما زالت تعبّر عن اهتمامات متجاذبة. ثلاثة أفلام فرنسية في المسابقتين (الرسمية و«نظرة ما») تميّزت بأنها فرنسية صميمة. على عكس العام الماضي، عندما عرض المهرجان فيلم «إل» لبول فرهوفن و«متبضعة شخصية» لأوليفييه أوساياس وسواهما في الأعوام السابقة أيضاً، هناك تلك المعالجة الفرنسية الخاصة التي تتبدّى من خلال أسلوب عمل يحمل في طياته الطريقة الفرنسية البحتة في تقديم الحكايات والرغبة في أن تكون الثقافة المعكوسة فرنسية لا باللغة وحدها بل بالسمات الحية لتلك الثقافة.

«أشباح إسماعيل» الذي تناولناه سابقاً هو من هذه الشريحة. بعده وردت أفلام «باربرا» و«نقاش عشاق». وهي على اختلاف ما ترويه ترصد الشخصيات الفرنسية عن كثب وإن كانت النتائج تختلف من فيلم لآخر.

بطل فيلم «أشباح إسماعيل»، ماتيو أمالريك، هو مخرج «باربرا». كما في «أشباح إسماعيل» يؤدي في «باربرا» دور مخرج (إلى جانب أنه يخرج الفيلم). ومثل الفيلم السابق يتجنب المخرج - كما تجنب أرنولد دبلشان في «أشباح إسماعيل» - تحديد الهوية الذاتية جداً. بكلمات أخرى، كلا الفيلمين يتحدث عن المخرج في ذات المخرج الفعلي، لكنه يتجنب التأكيد على أن الحكاية تَمُتّ له، أو أن الفيلم جزء من السيرة.

في «باربرا» تسأل بطلة الفيلم (جين باليبار) الممثل في دور المخرج أمالريك إذا ما كان يحقق فيلماً عنها أو عنه هو، فيجيبها: «الاثنان معاً». في الواقع هو ليس عنها كثيراً فباربرا هو الاسم الفني لممثلة اسمها بريجيت. أمالريك في الفيلم هو مخرج اسمه إيف. وبالتالي عندما يجيب إيف على ذلك السؤال بالقول إن الفيلم عن باربرا (وليس عن بريجيت) وعن إيف (وليس عن أمالريك) فإنه يزيد المسألة تعقيداً. لكنه ينجح إلى حد في زرع مرايا لكي تعكس جوانب الشخصيتين (الممثلة والمخرج داخل الفيلم) ونذر من حياتهما.

بدوره يعمد المخرج ميشيل أزانفسيوس، في فيلمه الجديد «مهيب»، إلى تقديم حالة دراسة غير واقعية بالضرورة حول سنوات من حياة المخرج الفرنسي جان - لوك غودار. مع جان - لوك غودار، وعلى الرغم من هويته السويسرية، لا تستطيع أن تذهب أبعد من ذلك في مهمّة تقديم هوية السينما الفرنسية.

بأسلوبه الحافل بالنشاط يورد أزانفسيوس ما اقتبسه من بعض ما نشر سابقاً عن الزيجة الفاشلة الثانية للمخرج الشهير وعن المرحلة الثورية التي مر بها (أو مرت به) في الستينات. الرواية التي اقتبس منها أزانفسيوس السيناريو كتبتها آن فايزمسكي التي كان غودار تزوّجها في سنة 1967 وطلقها سنة 1979 وهي فترة خاصة في حياة المخرج الراديكالي (آنذاك أكثر من هذه الأيام) التي رفض خلالها تحقيق أفلام لا تحمل آيديولوجيات ماويّة ولا تعبأ بأن تحمل سمات أعماله قبل تلك الفترة أو بعدها.

هم أزانفسيوس هو تحقيق متعة ترفيهية باستخدام شخصية تاريخية. غودار بعد تلك الفترة أصبح أكثر رصانة، وكان قبل تلك الفترة أكثر طموحاً ليكون فرداً في جبهة سينمائية شابة وجديدة ضمّت إريك رومير وفرنسوا تروفو وكلود شابرول وسواهم. لكن غاية المخرج الذي أخذ على نفسه اختيار مرحلة صعبة حول الزيجة بين مخرج في السادسة والثلاثين وممثلة في العشرين من عمرها، لا تعبأ بغودار وسينماه ولا تحتفي به كصاحب منصب في تاريخ السينما الفرنسية. ما يجيده المخرج، إلى حد ما، توفير معالجة مرحة وخفيفة حول موضوع كان يمكن أن يكون جاداً لو أراد.

الفيلم الثالث هو «دع نور الشمس يدخل» للمخرجة كلير دنيس. مثل الفيلمين السابقين، يشترك هذا الفيلم في الحديث عن نفسه وعن السينما الفرنسية. المختلف هو المخرجة لا تستعرض حياتها لكنها تلتزم بما وضعته كاتبتها كريستين أنوت من لمسات مستوحاة من حياتها ككاتبة، ولو أن الأحداث المسرودة يمكن تفسيرها على أنها غير شخصية.

كلمة السر هنا هو أن الكاتبة لها أعمال قليلة سابقة امتهنت فيها دمج الحكاية الذاتية بالحكاية الخيالية لتخرج بعمل لا يمكن فصل الخاص بالعام به. والمخرجة تحترم ذلك، وتبدو مرتاحة لأن الضوء، في هذه الحالة، ليس مسلطاً عليها، ولو أنها معنية به، إذ ما زال الفيلم يتحدث عن فنانة لديها مشروعها الطموح الذي تؤمن به وتؤديها جولييت بينوش.

عوض الكاتبة لدينا رسّامة تعايش رغبات عاطفية مندفعة منتقلة بين رجل وآخر. تبحث عن رغبتها الجنسية في رجال مختلفين ولا يستطيع أحد أن يرضيها. ليس أن الفيلم فاضح لكن المعالجة كوميدية، وبالتالي فإن تصوير حال بطلته وتصوير حال هؤلاء الرجال الذين يمرون في حياتها فلا تستوقف أحدهم، لأنه لا يلبي ما تبحث عنه في الرجل كخامة، يبقى خفيفاً وفي أحيان خِفَّته هذه تسبب له قدراً من التصدّع.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة