«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (1): مهرجان «كان» ينطلق اليوم بفيلم عن العاشق المزدوج إسماعيل

الحضور العربي بين التهليل والتهويل

من فيلم «بلا حب» للمخرج الروسي أندريه زفاستنسف
من فيلم «بلا حب» للمخرج الروسي أندريه زفاستنسف
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان كان (1): مهرجان «كان» ينطلق اليوم بفيلم عن العاشق المزدوج إسماعيل

من فيلم «بلا حب» للمخرج الروسي أندريه زفاستنسف
من فيلم «بلا حب» للمخرج الروسي أندريه زفاستنسف

حشدت إدارة مهرجان «كان» ثلاثة أفلام لثلاثة مخرجين متميّزين، تنطلق في الأيام الثلاثة الأولى منه.
فيلم الافتتاح هو «شبح إسماعيل» للفرنسي أرنو دبلشان، وفيلم «بلا حب» للروسي أندريه زفاستنسف، و«ووندرستراك» للأميركي تود هاينز. ليست الأفلام الوحيدة التي ستُعرَض، لكنّها هي التي جذبت الاهتمام الأكبر منذ تأكيد إعلان اشتراكها.
هناك، على الأرجح، عدة أسباب لاعتقاد بعض الصحف البريطانية، أن فيلم ميشيل أزانفسيوس «مروع» (Redoubtable)، هو المتوقع أكثر من سواه لافتتاح هذه الدورة. لكن المدير العام للمهرجان تييري فريمو واجه الصحافي الذي أخبره بذلك برد صارم: «لم يكن هناك أي سبب لتوقع ذلك. أنتم (الصحافيين) عليكم التوقف عن فعل هذا. الصحافة تنقل عن الصحافة».
الفيلمان المذكوران؛ «أشباح إسماعيل» و«مهيب» لأرنو دبلشان، يشتركان في صفة ثانية، غير أنهما فرنسيان، وهي أنّ كليهما يتعامل مع السينما ولو من زاوية مختلفة.
في «أشباح إسماعيل»، الفيلم المختار لافتتاح الدورة مساء هذا اليوم، عودة رجل اسمه إسماعيل فولار (ماتيو أمالريك)، إلى حبيبته المخرجة سيلفيا (شارلوت غينزبورغ) على نحو مفاجئ. في البداية ينعش وجوده المتجدد حياتها، لكن عندما تلحظ ميله الجديد صوب صديقتها كارلوتا (ماريون كوتيار)، تتمنى لو أنه لم يعد.
«مروع»، من ناحيته، يدور حول المخرج المعروف جان - لوك غودار، في مزج بين التحية والبحث، يقوم بهما المخرج الذي سبق ونال خمسة أوسكارات عن «الفنان» سنة 2011.
* مسلسل انتهى
«أشباح إسماعيل» سيسعد هواة السينما الفرنسية وهواة السينما العاطفية، وطريقة دبلشان في توضيب مشاهده جيداً، وقد باع حقوقه التوزيعية لشركة «ماغنوليا» الأميركية قبل عرضه بأسابيع. لكن الفيلم الروسي «بلا حب»، بيع لمعظم دول العالم قبل أشهر من عرضه المنتظر هنا، إذ كان منتجوه حضروا مهرجان برلين ووقعوا عقودَ بيعِه لأكثر من شركة توزيع بما فيها كل أوروبا.
شيء ما ربما حرّك هذا الحماس حيال الفيلم، ولن نعرف ما هو إلاّ بعد عرضه، لكن إذا ما أخذنا فيلم مخرجه أندريه زفاستنسف السابق «لفياثان» الذي انتقد فيه تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لروس المناطق البعيدة عن مدن روسيا الكبيرة، فإن نجاح ذلك الفيلم وما صاحبه من صخب نقدي إيجابي أسهما في ترويج ذلك الفيلم، وهو ما يُتوقع من فيلم زفاستنسف الجديد.
أما فيلم تود هاينز، وهو من زبائن المهرجان أيضاً، «ووندرسترك»، فيحمل بين جناحيه موضوعاً غريب المعالجة، عن ذكريات تزور صبياً وفتاة بعد سنوات من لقائهما. هو فيلم تتصدر بطولته كل من ميشيل ويليامز وجوليان مور اللتين ستحضران هذه الدورة كما هي العادة في استقطاب الممثلين والممثلات المشهورين.
ليس من جديد في كل ما حدث. لكن ما يمكن اعتباره إضافة إلى مسلسل سابق قيام المخرج الكوري بونغ دجون هو الدلو بدلوه في مسألة قرار المهرجان قبول اشتراك فيلمه «أوكجا»، المنتج من قِبل شركة «نتفلكس» التي تبث إلكترونياً هذا العام فقط، على أن تُعدّل قوانين المهرجان ليتجاوب مع احتجاج نقابة صالات السينما الفرنسية. ففي مؤتمر صحافي أقامته الشركة في هوليوود، قال المخرج إنّ أحد بنود الاتفاق مع شركة «نتفلكس»، عرضه في صالات الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وبريطانيا، ثم أضاف: «لكني كمخرج ومؤلّف أتمسك بحق التعبير عبر أي وسيط أعمل عليه. قيل سابقاً إنّ التلفزيون سيقضي على السينما، وال’ن يقولون أن العرض المنزلي سيقضي على السينما، لكني لا أومن بذلك».
ذكر تد سارادوز رئيس المحتوى في الشركة، أنه سابقاً ما عرض المهرجان الفرنسي أفلاماً لم يجرِ التعاقد على توزيعها تجارياً، لكنه أثنى على «شجاعة فريمو» بإصراره على عرض هذا الفيلم وفيلم «نتفلكس» الآخر المشترك في المسابقة وهو «حكايات مايروفيتز».
* الحضور العربي
أكثر من أي عام مضى وضع المكتب الصحافي تدابير جديدة بهدف الحد من التدفق الإعلامي، ليس بين العرب وحدهم، بل بين جميع من لا يملك الشروط المهنية المطلوبة لقبوله. كما أن هذا الأمر لا يصيب الحضور العربي كثيراً إلاّ من خلال غياب بعض الوجوه التي قرر المهرجان في سياق رغبته تخفيف ضغط الحاضرين، التوقف عن قبول طلبات انتسابه.
صحيح أن طلبات كثيرة رفضت من قبل، لكن أكثر منها، كما يتردد في رواق المكتب الصحافي، تم رفضه هذا العام.
والجلي هو أن الأيام التي كان يصل فيها عدد الإعلاميين العرب إلى نحو 50 ناقداً وصحافياً، مضت بدورها، ولو أن سبب الغياب هو وفاة عدد كبير من الذين كانوا لا ينقطعون عن حضور المهرجان، وآخرهم الناقد الراحل سمير فريد.
* أساور عربية
هذا ما يدفع بنا إلى واقع الحضور العربي في المهرجان الكبير وهو واقع يتوسط المسافة بين التهليل والتهويل.
هناك مثل إنجليزي يقول: «بضعة أيام مشمسة لا تعني أن الصيف آتٍ»، وكان هذا المثل أكثر تردداً بين الناس قبل التغيير المناخي الذي قلب الصورة رأساً على عقب، لكن المثال يصلح للتطبيق على حالة الاشتراكات العربية عموماً. هي أقل ممّا يجب وليست معدومة تماماً.
في مهرجان كبير كهذا، تحوّل منذ عقود إلى الحدث السينمائي العالمي الأهم بعد الأوسكار (أو قبله بالنسبة للبعض)، لا بدّ أن يكون هناك دخول عربي ما. تصوّر لو أنّه لم تكن هناك أي اشتراكات على الإطلاق أو أي حضور لسينمائيين من مختلف دروب العمل السينمائي، بينما هناك حضور وافٍ من كل شعوب العالم.
على ذلك، يغفل العدد الأكبر من النقاد العرب ذكر الواقع، ويزيدون في تقديرهم لحجم المشاركات أكثر من نوعها وقيمتها الفعلية. ربما اعتاد البعض تزويد القارئ العربي بما يعتبره إلماماً بحال نشط تتبدّى فيه السينما العربية كعروس تتمايل صعوداً وهبوطاً فوق السجادة الحمراء. تُؤَم عروض مخصصة لها طوال الوقت. تلمع أمام الكاميرات وتنساب لجانب المواهب العالمية كتفاً بكتف. لكن الواقع الفعلي هو أنّ القليل جداً من مثل هذه المناسبات المتباعدة لا يصنع نجاحاً، وأن المشاركات العربية المهمّة تقع خارج نطاق العروض الرسمية وتشمل محاولات المؤسسات العربية المختلفة توفير المعلومات المهمّة لما يحدث على جبهات مهرجاناتها وإنتاجاتها، وما تحضر له مستقبلاً.
لذلك فإن القول إن هناك غياباً عربياً ليس قولاً دقيقاً، لكن كذلك التغني بوجوده كما لو كان استثنائياً بحد ذاته. فحضوره هو تلبية لمتطلبات ضرورية أكثر منه إعلاناً عن اشتراك فعلي في فعاليات المهرجان الكبير. إنّه أساور حول الزند وليس الزند نفسه.
تمهيداً، هناك أكثر من طريقة اشتراك، أقواها أن تشمل المسابقة الأولى فيلماً عربياً ما. هذا ما كان يحدث كثيراً عندما كان المخرج يوسف شاهين حياً يرزق، وأفلامه تُعرَض داخل وخارج المسابقة. كذلك حدث في حالتين أو ثلاث، للمخرج الجزائري محمد لخضر حامينا الذي فاز بالسعفة الذهبية سنة 1975، عن «ذكريات سنوات النار».
ومن قبل ذلك بعقود، كان للحضور اللبناني والمصري نماذج أبطالها جورج نصر وكمال الشيخ وصلاح أبو سيف الذين عرضوا أفلامهم في المسابقة الرسمية وإن خرجوا منها، كمعظم العارضين، بلا جوائز.
هذا الحد القممي من المشاركة مفقود اليوم على نحو شبه تام، إذ كان فيلم «بعد الواقعة» للمصري يسري نصر الله، آخر فيلم عربي قُدِّر له الاشتراك في المسابقة، وقيل إن ذلك كان بمثابة تحية ليوسف شاهين إذ كان نصر الله أحد الذين تخرجوا في مدرسته وواكبه وتأثر بأسلوبه.
مهما يكن، فإن هذا الواقع يجب ألا يصرفنا عن ملاحظة غياب بلدان كثيرة جداً عن المسابقة: لا أفلام نرويجية أو فنلندية أو مكسيكية أو هندية أو برازيلية أو فلبينية يتكرر حضورها. لكن هذه الدول المذكورة هي دول منفردة وتؤخذ على هذا النحو، بينما تشمل صفة «السينما العربية» نحو 12 بلداً منتجاً للأفلام، ما يعني أن التغييب إما له مبرراته المنطقية من حيث لا وجود لفيلم يستحق الاشتراك جنباً إلى جنب الأفلام المتسابقة، وإما لمبررات لدى لجنة الاختيار ذاتها.
* شروط واحتمالات
عملياً، تتجنّب إدارة تييري فريمو انتخاب أفلام لا تتمتع ببسمات وتصاميم إنتاجية معينة حتى وإن كانت جيدة. من بين نحو 1930 فيلماً قُدّم إلى إدارة المهرجان ليصار إلى اختيار 49 فيلماً هي المعروضة في جميع جوانبه، لا نعرف حتى عناوين هذه الأفلام، فضلاً عما تدور أو من أخرجها. بالتالي، ليس هناك أي برهان على أن المنتقى هو الأفضل بالفعل أو لا. لكن المؤكد أنّ الفيلم العربي لا ينضوي تحت التصاميم الإنتاجية المطلوبة: الميزانية العالية، ومناهج سينما المؤلف (التي يصر عليها المهرجان بحق)، والمواضيع التي تحلّق باستخدام أفضل العناصر والمواهب الفنية والتقنية.
هذا ليس مفاجئاً أو غريباً على المخرجين العرب ومن بينهم من حاول هذا العام أو في الأعوام السابقة تجربة حظه. لكن هذا ما يفتح الباب أمامه للمشاركة في مسابقة «نظرة ما» التي كانت استقبلت في العام الماضي فيلم «اشتباك» لمحمد دياب داخل مسابقتها. لم يفز الفيلم في «كان»، لكنّه فاز في مهرجانات قرطاج وكاريلا وفالادوليد (نال جائزتين من هذا المهرجان الإسباني، هما جائزة أفضل مخرج جديد وجائزة أفضل تصوير التي نالها أحمد جبر)
وبعد نحو عام على عرضه في «كان»، أضاف الفيلم إليه جائزة أخرى في مهرجان مونتريال للسينما الأفريقية.
الواقع اليوم هو أنّ الأفلام العربية لديها حظوظ محدودة، في أن تتبع أثر «اشتباك» أو «نحبك هادي» (الذي فاز بجائزتين في مسابقة مهرجان برلين سنة 2016). لكن ومع وجود فيلمين هذه السنة في مسابقة «نظرة ما» هما «الجمال والكلاب» لكوثر بن هنية (تونس) و«طبيعة الزمن» لكريم موسوي (الجزائر)، فإن الوضع ليس بائسا تماماً.
في الوقت ذاته، فإن ما هو أصعب منالاً تحقيق الاجتياح التجاري الذي حققه «اشتباك»، ومن قبل «وجدة» السعودي، و«سكر بنات» اللبناني. بذلك لا يرتد الجهد المبذول بفوائد مضاعفة في غالب الأحيان، بل يكتفي بأن يثير قدراً عربياً من الاهتمام ناتج عن الرغبة في معرفة واقعها من خلال وجودها في حاضرة الحدث السينمائي الكبير.
ما يحتل حيزاً كبيراً من الوجود العربي في «كان»، هذا العام وكل عام، المناسبات المقامة احتفاء بمهرجانات عربية أو المكاتب المشادة للتعريف والترويج بها وبالسينما داخل بلدانها كذلك، وللمرة الأولى، وجود حوافز تشجيعية متمثلة بتأسيس «معهد الفيلم العربي» الذي سيقيم نشاطاً ملحوظاً هو الأول له في حاضرة المهرجان. هذه المؤسسة الجديدة هي ذات اهتمام أكاديمي يتماثل و«البافتا» و«الأوسكار» وجائزة الاتحاد الأوروبي، ويدعو السينمائيين بمختلف حقولهم للانضمام.
على خط مواز، تشترك مؤسسة «ماد سوليوشنز» التي يديرها بنجاح علاء كركوتي، في المهرجان الحالي، كما فعلت في العامين السابقين. لكنها تقيم هذه المرّة عدة احتفالات مهمّة، بينها ندوة بعنوان «حاضر ومستقبل أسواق السينما الدولية الناشئة» (هناك تضارب غير مفهوم ما بين كلمتي دولية وناشئة)، وحفلة لإعلان جوائز النقاد المخصصة للأفلام العربية التي سبق لها أن عرضت في مهرجانات العالم خلال السنة الماضية. ثم تشارك في الحفل الذي ستقيمه الهيئة الملكية الأردنية التي ستعلن فيه عن «آخر مستجدات شركة ماد سوليوشنز ومركز السينما العربية»، بينما ستعلن الهيئة عن ولادة المهرجان السينمائي الأول في مدينة عمّان.
* منصات إعلامية
هذا يأتي بالتوازي مع ولادة مهرجان سينمائي جديد آخر هو مهرجان الجونة السينمائي في مصر، يؤسسه رجل الأعمال الإعلامي نجيب ساويرس ويديره الزميل انتشال التميمي. المهرجان الذي سيقع في منتجع الجونة على شاطئ البحر الأحمر سيُنظّم تحت شعار «سينما من أجل الإنسانية»، لكن ما يجعل من وجوده علامة استفهام كبيرة (هو غير مسؤول عنها) هو ما سيتركه من تأثير على مهرجان القاهرة السينمائي الذي يُنظّم كل سنة، والذي اتخذ من «كان»، في الأعوام الماضية وتحت إدارات مختلفة، منصّة إعلامية لترويج مهامه، أسوة بكل المهرجانات المشاركة الأخرى. هذه المهرجانات تشمل مهرجان دبي السينمائي الدولي في المقدّمة، كونه اليوم المهرجان الذي يمثل الحضور العربي أكثر من سواه. ليس فقط لأن المهرجان بات حدثاً معروفاً ومطلوباً أكثر من سواه في العالم العربي، بل لأنه نجح في دفع العجلة التسويقية والترويجية للسينما العربية إلى الأمام.
يتوقع هذا العام حضور رئيسه عبد الحميد جمعة، ومديرته الإدارية بانديا شيفاني ومديره الفني مسعود أمر الله.
ثم هناك وجود المكاتب التابعة للمؤسسات مثل «مؤسسة الدوحة للأفلام» ومؤسسات الإنتاج والترويج الآتية من المغرب وتونس والجزائر لجانب لبنان والأردن.
بالعودة إلى الأفلام ذاتها، نجد ثلاثة أفلام قصيرة في مسابقة الفيلم القصير هي «المنع» لنورس أبو صالح (فلسطين)، و«رجل يغرق» لمهدي فليفل (فلسطين)، و«ترانزيت» للمعتصم أو عليم (الأردن).
في تظاهرة «نصف شهر المخرجين»، هناك مجموعة من المواهب اللبنانية (بينها أحمد غصين ورامي قديح وشيرين أبو شقرا، يشتركون فيما يشبه مختبراً اسمه «ليبانون فاكتوري»، سيروّج عبره للأفلام القصيرة وأفلام التحريك المتوفرة والدعوة للإسهام في أفلام مستقبلية من النمط ذاته.
إذا ما بدا كل ذلك مفعماً بسبب كثرته وتعدد نشاطاته، فعلينا ألا ننسى أنّنا - على الرغم من كل ذلك - ما زلنا على مسافة بَيِّنة من الوصول إلى الحضور الحقيقي الأمثل. ذلك الذي لا يمكن تعويضه: أفلام جيدة بمهارات حرفية عالية وأفكار شابّة وبميزانيات وافية. أفلام تعي، سياسياً ما تقوله وفنياً كيف تقوله، وتلغي من البال الغربي سطوة غير مستحقة للفيلم الإيراني. فمن حيث العدد والعدّة لدينا مواهب أكبر بكثير من تلك التي توفره السينما الإيرانية. ما هو غائب (وكان دائماً الغائب الأول) هو: الكيفية.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».