أمل باشه تحول أوراق الخريف إلى معزوفة بصرية شيقة

أمل باشه تحول أوراق الخريف إلى معزوفة بصرية شيقة

تعرض لوحاتها بدار الأوبرا في القاهرة
الثلاثاء - 19 شعبان 1438 هـ - 16 مايو 2017 مـ

حالة من الشجن العميق تومض بعفوية في لوحات معرض «في الخريف حياة» للفنانة أمل باشه الذي استضافته قبل أيام قاعة «صلاح طاهر» بدار الأوبرا المصرية بالقاهرة. فعلى حواف اللوحات تتناثر أوراق أشجار جافة، تبدو وكأنها سقطت للتو من شجرة العمر والحياة، تحلَّق وتنزلق بزوايا متعددة على مساحات لونية صريحة، في أشكال مربعة ومستطيلة أحيانا، تنعكس عليها تدرجات من الظلال والنور، كأنها تبحث في نسيجها عن علاقة جديدة، تستعيد بها دورة الحياة، لتظل العين مسكونة بما هو تحت سطح اللون والصورة معا.

بهذه المعادلة البصرية الشيقة التي توائم بين تحولات الطبيعة وتحولات النفس البشرية تبني الفنانة أمل باشه عالمها الفني الشيق، حيث يلعب الضوء دوراً حيوياً في كسر حالة التكتم التي تنطوي عليها أغلب لوحات المعرض، ويخلصها من عزلتها والانكفاء على سرها الخاص داخل إطار اللوحة، لتلتحم بعالم واقعي، عبثاً تحاول الفرار منه. بينما يعلق الخريف في فضاء الصورة، مشكلا بأوراقه الذابلة المتساقطة بؤرة إيقاع للتكوين، تحفظ له سكونه المشمس، وتوازنه على السطح.

ينعكس الضوء على كثير من اللوحات كمثير خارجي، كصدى للطبيعة، وفي بعض اللوحات ينبع الضوء من الداخل، من خروشة الظل الخاطفة، في ضربات الفرشاة المنكسرة والمرتجلة، وفي عجائن الألوان، كاشفا عن عمق انفعال الفنانة بموضوعها، وبحثها عن دفء خاص داخل اللوحة.

يعزز حركة الضوء حالة من التأمل العميق لمعنى الخريف، ومعنى الحياة فيه، فكلاهما يأخذ من الآخر، ويضيف إليه في الوقت نفسه، مشكلا جدلا ينمو بخفوت، في تراسلات الألوان، والخطوط، وحركة الأشكال التي تنحو منحى تجريديا، يسعى إلى التعبير عن جذرية الوجود، ولو في صورة ورقة شجرة ساقطة لا يزال بها بعض الخضرة، ما يدعو إلى التشبث بالأمل. كما تبدو لوحات الأبيض والأسود بأحجامها المربعة الصغيرة، كرسوم كروكية سريعة لاختبار حركة الضوء والأوراق معاً عبر ثنائية البياض والعتمة، وإلى مدى يمكن أن يتبادلا الأدوار، بعيداً عن معضلة التناقض فوق مسطح اللوحة.

في هذا الجو، وبحس الطفولة المفتقدة أو المهمشة والمنسية تشد الأوراق فضاء الرسم، وتواجه الفنانة تأثيرات الطبيعة كمثير فني ونفسي معاً، فأحياناً تبدو اللوحات كحائط رمادي محايد، في شكل مربع، تقترب منه الأوراق بحذر، مكتفية بملامسة خجولة له، تاركة بقية أطرافها خارج المربع، بألوانه الساكنة المتقلبة ما بين الأحمر المتوهج والبرتقالي والنيلي، وأحياناً تتوغل داخل المربع بغرض اكتشاف حقيقته، وكسر سكونه وتعرية ما يضمر تحت طبقته من أسرار.

وفي بعض اللوحات تصعد الفنانة من رؤيته درامياً، فتحول المربع كمنظور للتكوين، إلى ما يشبه خلية النحل، أو قاع البحر، تاركة الأوراق تحلّق بحيوية في فضاء الرسم، وكأنها أشبه بسرب من الفراشات والعصافير، وذلك في هالات لونية شيقة من الأزرق البنفسجي المزهر، والزيتوني المشرّب بمسحة بنية مخففة، والأصفر المنداح في الأرضية، في الوقت نفسه، يشف الخط من حزوزات الكشط بالسكين، مخلفا حالة من الانسجام البصري بين الغائر والبارز، يتماهى فيها الخط واللون، فنحس بإيقاع الحفر والطرق على مسطح الرسم، وكأننا إزاء حفرية على النحاس.

تنوّع الفنانة من تحولات خريفها فتجسده في لوحات أخرى، على هيئة كتل لونية، تأخذ سمت القناع لملامح بشر، تتجاور في قطاعات أفقية داخل مستطيل، بينما تقطعه حزم رفيعة وحادة من الخطوط المرتجلة، تتناثر بانفعالات واتجاهات شتي في جسد التكوين، وأحياناً تنتصب هذه الكتل في شكل قطع من أغصان وجذور النباتات، أو لفائف ورقية، تبدو منطوية على نفسها في حالة من التكتم الشديد داخل إطار اللوحة، وهو ما تنحاز إليه الفنانة، في هذا المعرض ومعارضها السابقة، حيث ترى الفن علاقة مغوية، مفتوحة دائماً على البدايات والنهايات، وعلى الفنان أن يوائم بين قيمه العاطفية والموضوعية، بحثاً عن خصوصية ما، عن سر خاص داخل هذه العلاقة.


مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة