قمة «الحزام والطريق» محاولة صينية لإعادة صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي

ترحيب ومحاذير واستكشاف... على مائدة أكبر اجتماع في تاريخ بكين

مركز المؤتمرات الوطني في العاصمة الصينية بكين يتأهب لالتئام قمة «منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي» اليوم (إ.ب.أ)
مركز المؤتمرات الوطني في العاصمة الصينية بكين يتأهب لالتئام قمة «منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي» اليوم (إ.ب.أ)
TT

قمة «الحزام والطريق» محاولة صينية لإعادة صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي

مركز المؤتمرات الوطني في العاصمة الصينية بكين يتأهب لالتئام قمة «منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي» اليوم (إ.ب.أ)
مركز المؤتمرات الوطني في العاصمة الصينية بكين يتأهب لالتئام قمة «منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي» اليوم (إ.ب.أ)

تركز أنظار العالم اليوم على العاصمة الصينية بكين لمشاهدة افتتاح الرئيس شي جينبينغ لقمة «منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي»، التي يشارك فيها مسؤولون كبار من أكثر من مائة دولة، بينهم زعماء نحو 29 دولة على مدار يومي 14 و15 مايو (أيار) الحالي، فيما يعد أكبر اجتماع في تاريخ الصين الحديثة.
ومع الاهتمام الدولي الواسع شرقا وغربا بالمشاركة في المنتدى، لم يخل الأمر من انتقادات ومخاوف لدول كبرى بشأن أهداف الصين من تلك الفعاليات، وأيضا بشأن الأطراف المدعوة للمشاركة، ولعل من بينها دعوة وجهت إلى كوريا الشمالية، التي اعترضت عليها الولايات المتحدة... لكن بكين شددت على أنها ترحب بمشاركة جميع الدول، في مبادرتها «المنفتحة والشاملة».
ونقلت «رويترز» عن مصدرين مطلعين، أن السفارة الأميركية في بكين قدمت مذكرة دبلوماسية لوزارة الخارجية الصينية، تقول إن دعوة كوريا الشمالية «تبعث رسالة خاطئة»، في وقت يحاول فيه العالم الضغط على بيونغ يانغ بشأن تجاربها الصاروخية والنووية المتكررة. وبسؤالها عن المذكرة الأميركية، قالت وزارة الخارجية الصينية في بيان مقتضب أرسلته لـ«رويترز»: إن الولايات المتحدة «لم تتفهم الموقف». وأضاف البيان أن «مبادرة الحزام والطريق مبادرة منفتحة وشاملة... نرحب بحضور جميع وفود الدول لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي».
وأضفى هذا الموقف الغموض على المشاركة الأميركية في المنتدى، وذلك بعد أن قالت وزارة الخارجية الصينية يوم الجمعة: إن الولايات المتحدة سترسل وفدا برئاسة مستشار البيت الأبيض مات بوتينغر لحضور القمة. كما أنه جاء بعد ساعات قليلة من مع الكشف عن اتفاق تجاري مهم بين الصين والولايات المتحدة، يعد أول نتيجة ملموسة لمحادثات تجارية تستمر 100 يوم بدأت الشهر الماضي بعد لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنظيره الصيني شي جينبينغ في فلوريدا لمناقشة التعاون بين أكبر اقتصادين في العالم. حيث اتفقت واشنطن وبكين على أن تسمح الصين باستيراد لحم الأبقار من الولايات المتحدة بحلول 16 يوليو (تموز) على أقصى تقدير، وقالت الولايات المتحدة إنها ستصدر بحلول ذلك الموعد قاعدة مقترحة للسماح بدخول الدواجن المطهية الصينية إلى الأسواق الأميركية.
ويهدف منتدى «الحزام وطريق الحرير» للترويج لرؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ لتوسيع الروابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا ودعمها باستثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية. في حين يقول مسؤولون صينيون: إن الاستثمارات الصينية المرتبطة بمبادرة طريق الحرير، بلغت 60 مليار دولار منذ عام 2013، وسيبلغ إجمالي الاستثمارات الصينية في الخارج ما بين 120 و130 مليار دولار سنوياً على مدى الأعوام الخمسة المقبلة، جانب كبير منها موجه إلى الدول المشاركة في مشروع طريق الحرير، مما «سيكون محركاً كبيراً لتعاف مطرد في الاقتصاد العالمي والتجارة الحرة والاستثمار»، بحسب وجهة النظر الصينية.
ومن بين الزعماء المشاركين بالمنتدى كل من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، والفلبيني رودريغو دوتيرتي، والماليزي جوكو ويدودو، ورئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف. كما سيحضر المنتدى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسا صندوق النقد والبنك الدوليين، ونحو 250 وزيراً من 110 بلدان. ومن المنتظر أن يشمل المنتدى 3 جلسات رئيسية، هي الجلسة الافتتاحية، واجتماع الحوار رفيع المستوى، واجتماع مائدة مستديرة للقادة.
ويعتبر المنتدى أوسع اجتماع دولي في إطار المبادرة التي أطلقها شي جينبينغ سنة 2013، من أجل إحياء طريق الحرير التجاري المشهور. كما يعدّ منتدى «الحزام والطريق للتعاون الدولي»، أكبر وأوسع اجتماع تحتضنه الصين منذ تأسيسها عام 1949، ويحمل شعار «التعاون من أجل الرخاء المشترك».
ومن المرتقب أن يناقش القادة في المنتدى، التعاون في مجالات مختلفة، وعلى رأسها البنية التحتية والنقل والاقتصاد والتجارة والطاقة. كما يهدف إلى توسيع أنظمة المعايير الفنية وخطط البنية التحتية للبلدان التي تقع في طريق «الحزام والطريق»، وتعزيز النقل المتكامل، وممرات النقل البرية والبحرية والجوية على صعيد القارات، إلى جانب اتخاذ تدابير من أجل تذليل العقبات أمام التجارة والاستثمار بين البلدان الواقعة على طريق الحزام، وتعزيز التعاون الجمركي، بحسب ما نقلته وكالة «شينخوا» الصينية.
ويشمل المنتدى أيضا دعم المشروعات الثقافية والتكامل المالي في أكثر من 60 بلداً في شرق ووسط وغرب آسيا وجنوب وغرب أوروبا. علما بأن مساحة البلدان المشاركة في المنتدى تبلغ 26 في المائة من مساحة سطح الكرة الأرضية، بواقع عدد سكان 4.4 مليارات نسمة وقوة اقتصادية تقارب 20 تريليون دولار. كما يبلغ حجم ميزانية «صندوق طريق الحرير» الرامي إلى دعم المنتدى 40 مليار دولار، في حين تصل ميزانية البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية إلى 100 مليار دولار.
لكن أبرز الانتقادات التي تواجه المنتدى والمشروع هو أنه ما زال يدور في إطار الأفكار العامة، وليس له هيكل محدد حتى الآن، وذلك بحسب ما تقوله عدد من الدول الغربية على وجه الخصوص.
وحتى الأمس، فإن المشاركة في القمة توزعت ما بين المتحمسين بقوة للمشروع، أو القادمين لاستكشاف الإمكانات المتاحة، أو أولئك الملتزمين بالجانب الأكثر حذرا... فعلى المستوى الأوروبي مثلا، وبينما تتحمس إيطاليا بشكل كبير للمشاركة رفيعة المستوى، تشارك كل من ألمانيا وبريطانيا بوفود وزارية، في حين تجنبت عدد من الدول الأوروبية المشاركة. كما أن موقف بعض الدول بمنطقة شرق آسيا من المشاركة لا يزال غير واضح، وعلى رأسها اليابان والهند وكوريا الجنوبية.
ومساء أول من أمس، أبدى رئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتيلوني «الاهتمام البالغ» بالمبادرة الصينية عقب وصوله إلى بكين للمشاركة، ووصفها بأنها «على الأرجح، أهم مشروع لتحديث البنية التحتية حاليا على المستوى العالمي». وأضاف أن «جعل الاقتصاد الصيني أكثر قربا عبر هذه العملية الضخمة للبنى التحتية ليس فقط محل اهتمام كبير من جانب الحكومة الإيطالية، بل من طرف جامعاتنا وقطاع الأعمال، بشقيه العام والخاص».
ويأتي ذلك في حين تعتزم وزيرة الاقتصاد الألمانية بريجيته تسيبريس الدعوة إلى تحرير التجارة والترويج إلى شروط تنافسية أكثر عدلا خلال مشاركتها في القمة، حيث أشارت أمس إلى أنه لا تزال هناك خلافات في الرأي حول البيان الختامي للقمة، موضحة أن المشاركين فيها «ليسوا على توافق تام في المفاوضات الخاصة بنص البيان الختامي».
ومن المقرر أن تجري الوزيرة محادثات سياسية في بكين حول ضمان المزيد من انفتاح السوق الصينية على الشركات الألمانية، والمساواة في التعامل مع الشركات الأجنبية، وإزالة العقبات التجارية والاستثمارية.
وترى عدد من الدول الغربية، أن هناك أهدافا جيوسياسية على الأجندة الصينية من وراء المبادرة، في محاولة لتوسيع نفوذها بمواجهة النفوذ الذي تتمتع به الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي.
ويقول توم ميللر، مؤلف كتاب حول طريق الحرير الجديد: إن «الصين تريد السيطرة على آسيا مجددا، وهي تستخدم سياستها الخارجية لتحقيق هذا الهدف، وفي حين تسيطر الولايات المتحدة على نصف الكرة الأرضية الغربي، تريد الصين السيطرة على النصف الشرقي منها، وتحاول البناء من خلال تحسين قنوات الاتصال والمواصلات، وجعل الصين مركزا تجاريا، حيث ينتهي كل طريق (في هذه الشبكة) إلى بكين».
في الوقت نفسه، فإنه من الأهداف الرئيسية بالنسبة للصين، أن يدعم طريق الحرير أهدافها المحلية. وفي مقدمة هذه الأهداف مساعدة المناطق الفقيرة والمتخلفة في الصين، مثل إقليم شينغ يانغ، غرب الصين، في اللحاق بالمناطق الساحلية المتقدمة، بحسب بيتر كاي، الباحث في معهد «لوي» للسياسة الدولية الموجود في أستراليا.
ويقول كاي: إنه «بدلا من تطوير هذه الأقاليم بمزيد من أموال الحكومة المركزية، يريد صناع السياسة في الصين دمجها في الاقتصادات الإقليمية» المجاورة. ومن الأمثلة على ذلك «الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان» الذي يربط إقليم شينغ يانغ الصيني بميناء جوادار الباكستاني، حيث تعهدت الصين باستثمار 45 مليار دولار في مشروعات البنية التحتية والطاقة في باكستان، لتصبح من أهم مشروعات مبادرة «الحزام والطريق».



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.