رينان بين الدين والفلسفة

دخل في جدال ساخن مع الأفغاني حول مدى توافق الإسلام مع العلم

إرنست رينان  -  صورة متخيلة لابن رشد
إرنست رينان - صورة متخيلة لابن رشد
TT

رينان بين الدين والفلسفة

إرنست رينان  -  صورة متخيلة لابن رشد
إرنست رينان - صورة متخيلة لابن رشد

كلنا يسمع باسم المفكر الفرنسي إرنست رينان دون أن نعرف من هو بالضبط. كل ما نعرفه عنه هو أنه اتهم الآيديولوجيا الإسلامية بالمسؤولية عن تخلف المسلمين ومعاداة العلم والفلسفة. واشتبك عندئذ مع جمال الدين الأفغاني في مناظرة عصماء حول الموضوع، كما هو معلوم للقاصي والداني. ربما هذا كل ما نعرفه عنه. عفوا نسيت: نعرف أيضا أنه كرس أطروحة دكتوراه شهيرة لفيلسوف العرب ابن رشد بعنوان: «ابن رشد والفلسفة الرشدية». هذا عموما كل ما نعرفه عنه. لكن ما أصله وفصله؟ ما منطلقاته الكبرى ومؤلفاته الأخرى؟ ثم بالأخص: كيف أصبح أحد أهم المفكرين الفرنسيين في القرن التاسع عشر؟ على هذه التساؤلات يمكن أن نجيب بما يلي: ولد إرنست رينان في منطقة البريتانيا الخضراء الجميلة الواقعة غرب فرنسا عام 1823، ومات في باريس عام 1892 عن عمر يقارب السبعين عاماً. وكان والده ملحدا تقريبا، في حين أن أمه كانت متدينة جدا. ولكن والده مات عندما كان عمره خمس سنوات فقط، فتسلمت رئاسة العائلة أخته الكبرى «هنرييت» التي كانت تكبره باثني عشر عاما. وستلعب هذه الأخت دورا كبيرا في حياته لاحقا. والواقع أنها هي التي توسطت له لكي يقبلوه في أفضل المدارس الدينية في العاصمة باريس. وكان من المقرر أن يتخرج كاهنا لولا أن «جرثومة» الفلسفة أصابته، وهو في الثامنة عشرة. فقد اطلع فجأة على فلسفة كانط وهيغل وهيردر، وعندئذ شعر بوجود تناقض حاد بين إيمانه الديني التقليدي الموروث، وبين الفلسفة العقلانية أو التنويرية. ولهذا السبب ترك مدرسة الرهبان عام 1895 وتراجع في آخر لحظة عن الانخراط في سلك الكهنوت المسيحي. وقرر التفرغ لدراسة الفلسفة والعلوم الدنيوية واللغوية والتاريخية البحتة. باختصار شديد: لقد انتصرت العلوم الفلسفية لديه على العلوم الدينية. وبالتالي، فهو لم يكن معاديا للأصولية الإسلامية فقط، وإنما لكل الأديان، بما فيها الدين المسيحي الذي تربى عليه.
أما من الناحية العملية، فقد نال شهادة التبريز في الفلسفة عام 1848، ثم دخل إلى الجامعة بعدئذ لكي يحضّر أطروحته الجامعية عن الفيلسوف العربي المسلم: ابن رشد كما ذكرنا. وهي الأطروحة الشهيرة التي طالما نوقشت لاحقا من قبل كبار المثقفين في أوروبا والعالم العربي. ولحسن الحظ، فإن هذا الكتاب طبع من جديد مؤخراً بإشراف البروفسور آلان دوليبيرا وتقديمه. وفي هذا الكتاب الشهير أثبت رينان أن ابن رشد كان ذا قدر عجيب. فعلى الرغم من أنه كان فيلسوفا عربيا مسلما فإن تأثيره على العالم الإسلامي كان يشبه الصفر، هذا في حين أن تأثيره في العالم الأوروبي المسيحي كان ضخما. فقد سيطر على الجامعات الأوروبية حتى نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر: أي حتى ظهور ديكارت والفلسفة الحديثة. ولكن ابن رشد في رأيه ظل شارحا لأرسطو لا مبدعا. إنه مجرد ناقل للفكر والفلسفة. والسبب هو أن العرق السامي لا يمتلك الروح الفلسفية كالعرق الأوروبي. وهو يقصد بالعرق السامي ليس فقط العرب، وإنما اليهود أيضا. هنا تكمن عنصرية رينان ونزعته الاستعلائية الفوقية. ولكن لا ينبغي أن نظلمه كثيرا. فقد كانت هذه النزعة عامة شاملة في عصره ولا تقتصر عليه. حتى ماركس وقع فيها. يقول رينان بالحرف الواحد: «أنا أول من يعترف بأننا لن نجد شيئا لكي نتعلمه من ابن رشد أو من العرب أو من العصور الوسطى بشكل عام». وهذا يعني أنه يدين الفلسفة المسيحية أيضا وليس فقط العربية. بمعنى أن الفلسفة الحديثة، أي فلسفة ديكارت وكانط وهيغل، تجاوزت كل ذلك بسنوات ضوئية في نظره. علاوة على ذلك، فإن مفكري القرن التاسع عشر في أوروبا كانوا يعتبرون فلسفة القرون الوسطى مجرد صورة شاحبة أو باهتة عن الفلسفة الإغريقية... لماذا؟ لأنها فلسفة لاهوتية إذا جاز التعبير: أي خاضعة للدين لا متحررة منه على عكس الفلسفة الحديثة.
في عام 1856 أصبح رينان عضوا في أكاديمية الآداب الجميلة، ثم تزوج في العام نفسه. وبعدئذ سافر إلى الشرق، إلى سوريا ولبنان وفلسطين، للبحث عن الآثار الخاصة بالمسيحية. ومعلوم أنه كان قد انخرط منذ ذلك الوقت في تأليف كتابه الشهير عن «حياة يسوع». ثم أصبح إرنست رينان أستاذا في أرقى جامعة فرنسية: الكوليج دوفرانس. لكنهم أوقفوا دروسه فوراً بعد إلقائه المحاضرة الأولى بسبب جرأتها في تناول الشؤون الدينية، ودراسة المسيحية دراسة علمية تاريخية. وهذا ما لا يمكن أن يسمح به رجال الدين. فثارت الأصولية المسيحية عليه عندئذ وهاجت وماجت، واتهمته بالتجديف والكفر، والاعتداء على المقدسات. وعندما نشر كتابه عن «حياة يسوع» عام 1863 أحدث فضيحة في الأوساط الشعبية المسيحية، وإن كان قد لاقى نجاحاً منقطع النظير في المكتبات. وقد انزعج البابا بيوس التاسع كثيراً عندما قرأ الكتاب، أو نقلوا له مقاطع منه. وغضب غضباً شديداً على رينان. نقول ذلك، وبخاصة أن هذا الأخير كان تلميذاً لرجال الدين، بل وكان متوقعاً أن يدخل سلك الكهنوت ويصبح راهباً، كما ذكرنا... فكيف انقلب من النقيض إلى النقيض؟ هذا ما لن يغفره له البابا ورجال الدين. وعندئذ هاجم البابا رينان ناعتاً إياه بأنه كافر أوروبي كبير. ولهذا السبب؛ فإن وزير التعليم الفرنسي أصدر قراراً بمنع رينان من التدريس في الجامعة لأجل غير مسمى. وفي عام 1865 قام إرنست رينان برحلة سياحية وعلمية إلى مصر وتركيا واليونان، ومعروف أنه كان منهمكاً في كتابة دراساته عن الأديان التوحيدية، أي اليهودية والمسيحية أساساً، ثم عن الفلسفة اليونانية التي كان معجباً بها أشد الإعجاب. وفي عام 1869 رشح نفسه للانتخابات النيابية، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، ثم رشح نفسه عام 1878 للأكاديمية الفرنسية ونجح. والواقع أن إرنست رينان كان أحد أعمدة الفكر في فرنسا طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومعلوم أن تلك الفترة شهدت أيضاً ظهور مفكرين كبار من أمثال عالم الاجتماع الشهير إميل دوركهايم، والفيلسوف الكبير أوغست كونت. هذا بالإضافة إلى آخرين كثيرين.
وقد اشتهر رينان بحبه العلم وثقته فيه إلى أقصى الحدود. وفي ذلك الوقت كان العلم في أوروبا قد حقق خطوات عملاقة إلى الأمام بعد أن ظهرت الاكتشافات الطبية والمخترعات التكنولوجية. ولهذا السبب تغلّب العلم الحديث على الدين المسيحي في صيغته الكهنوتية القديمة. وأخذ الناس يعلّقون عليه الآمال وينصرفون عن الدين شيئا فشيئاً. أخذوا يعتقدون بأن العلم هو الذي سيحل لهم مشكلاتهم ويؤمّن لهم الحياة الرغيدة على هذه الأرض. وهذا ما تحقق بالفعل في المجتمعات الأوروبية المتقدمة. ضمن هذه الظروف بالذات، أصدر رينان كتابه الشهير: «مستقبل العلم». لكن هل كان رينان مضاداً للدين إلى الحد الذي نتصوره؟
على هذا السؤال يمكن أن نجيب قائلين: لا... في الواقع أن علاقته بالدين المسيحي كانت معقدة. فمن جهة كان ينتقده لأنه مليء بالخرافات والأوهام والمعجزات التي تنتهك قوانين الطبيعة. ومن جهة أخرى كان يعترف بأهميته بصفته عاملا قويا لتوحيد الشعب. وبالتالي، فمن الخطر أن ندير ظهرنا له بشكل متسرع أو قبل الأوان. وقد لخص موقفه من الدين بعبارة شهيرة واردة في كتابه: مستقبل العلم. تقول هذه العبارة ما يلي: «عندما أكون في المدينة فإني أسخر من أولئك الذين يذهبون إلى الكنيسة لحضور القداس أي الصلاة المسيحية. وعندما أكون في الريف فإني أسخر من أولئك الذين لا يذهبون»!... وهذا يعني أن الفلسفة هي دين النخبة المثقفة، وأما المسيحية فهي دين عامة الشعب الذي لا يستطيع أن يفهم الفلسفة ولا النظريات العلمية.
كما ويعني ذلك أن العلم والتقدم الصناعي حلا محل الدين في المدن، لكنهما لم يحلا محله في الأرياف؛ لأنهما لم يصلا إليها بعد. ولكن على الرغم من إيمانه بالعلم فإن رينان كان يبدو أحيانا قلقاً على مستقبل البشرية. فكان يخشى أن تنقرض بسبب انعدام رطوبة القلب أو كرمه، تماماً مثلما تموت الصناعة بسبب نفاد الفحم المستخرج من باطن الأرض واستخدامه وقودا لها. وهذا تشبيه جميل في الواقع. فالحضارة الغربية وصلت إلى مرحلة من التقدم التكنولوجي لا مثيل لها في التاريخ. لكنها في الوقت ذاتها تشهد جفاف القلب وتصحر العواطف وتشيّؤ النزعة الإنسانية. وذلك على عكس شعوبنا العربية والإسلامية العاطفية جدا والطيبة والكريمة على فقرها. يكفي أن تنتقل بالطائرة من بلدان الغرب إلى بلدان العرب لكي تفهم ما أقول. وبالتالي، فإن نبوءة رينان تحققت جزئياً فيما بعد. ثم حصلت المناظرة الشهيرة بعدئذ بين رينان وجمال الدين الأفغاني حول مدى توافق الإسلام مع العلم أو تعارضه. ومعلوم أن رينان كان قد أكد التعارض لا التوافق، فرد عليه جمال الدين الأفغاني قائلاً بأن الإسلام لا يتعارض مع روح العلم على الإطلاق. على العكس، لقد شجع الإسلام على طلب العلم حتى ولو في الصين! وأكبر دليل على ذلك أن العلوم الفلكية والطبية والتجريبية ازدهرت في أرض الإسلام إبان العصر الذهبي قبل أن تنتقل إلى أوروبا... وبالتالي، فالحق ليس على الإسلام وإنما على المسلمين.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.