رينان بين الدين والفلسفة

دخل في جدال ساخن مع الأفغاني حول مدى توافق الإسلام مع العلم

إرنست رينان  -  صورة متخيلة لابن رشد
إرنست رينان - صورة متخيلة لابن رشد
TT

رينان بين الدين والفلسفة

إرنست رينان  -  صورة متخيلة لابن رشد
إرنست رينان - صورة متخيلة لابن رشد

كلنا يسمع باسم المفكر الفرنسي إرنست رينان دون أن نعرف من هو بالضبط. كل ما نعرفه عنه هو أنه اتهم الآيديولوجيا الإسلامية بالمسؤولية عن تخلف المسلمين ومعاداة العلم والفلسفة. واشتبك عندئذ مع جمال الدين الأفغاني في مناظرة عصماء حول الموضوع، كما هو معلوم للقاصي والداني. ربما هذا كل ما نعرفه عنه. عفوا نسيت: نعرف أيضا أنه كرس أطروحة دكتوراه شهيرة لفيلسوف العرب ابن رشد بعنوان: «ابن رشد والفلسفة الرشدية». هذا عموما كل ما نعرفه عنه. لكن ما أصله وفصله؟ ما منطلقاته الكبرى ومؤلفاته الأخرى؟ ثم بالأخص: كيف أصبح أحد أهم المفكرين الفرنسيين في القرن التاسع عشر؟ على هذه التساؤلات يمكن أن نجيب بما يلي: ولد إرنست رينان في منطقة البريتانيا الخضراء الجميلة الواقعة غرب فرنسا عام 1823، ومات في باريس عام 1892 عن عمر يقارب السبعين عاماً. وكان والده ملحدا تقريبا، في حين أن أمه كانت متدينة جدا. ولكن والده مات عندما كان عمره خمس سنوات فقط، فتسلمت رئاسة العائلة أخته الكبرى «هنرييت» التي كانت تكبره باثني عشر عاما. وستلعب هذه الأخت دورا كبيرا في حياته لاحقا. والواقع أنها هي التي توسطت له لكي يقبلوه في أفضل المدارس الدينية في العاصمة باريس. وكان من المقرر أن يتخرج كاهنا لولا أن «جرثومة» الفلسفة أصابته، وهو في الثامنة عشرة. فقد اطلع فجأة على فلسفة كانط وهيغل وهيردر، وعندئذ شعر بوجود تناقض حاد بين إيمانه الديني التقليدي الموروث، وبين الفلسفة العقلانية أو التنويرية. ولهذا السبب ترك مدرسة الرهبان عام 1895 وتراجع في آخر لحظة عن الانخراط في سلك الكهنوت المسيحي. وقرر التفرغ لدراسة الفلسفة والعلوم الدنيوية واللغوية والتاريخية البحتة. باختصار شديد: لقد انتصرت العلوم الفلسفية لديه على العلوم الدينية. وبالتالي، فهو لم يكن معاديا للأصولية الإسلامية فقط، وإنما لكل الأديان، بما فيها الدين المسيحي الذي تربى عليه.
أما من الناحية العملية، فقد نال شهادة التبريز في الفلسفة عام 1848، ثم دخل إلى الجامعة بعدئذ لكي يحضّر أطروحته الجامعية عن الفيلسوف العربي المسلم: ابن رشد كما ذكرنا. وهي الأطروحة الشهيرة التي طالما نوقشت لاحقا من قبل كبار المثقفين في أوروبا والعالم العربي. ولحسن الحظ، فإن هذا الكتاب طبع من جديد مؤخراً بإشراف البروفسور آلان دوليبيرا وتقديمه. وفي هذا الكتاب الشهير أثبت رينان أن ابن رشد كان ذا قدر عجيب. فعلى الرغم من أنه كان فيلسوفا عربيا مسلما فإن تأثيره على العالم الإسلامي كان يشبه الصفر، هذا في حين أن تأثيره في العالم الأوروبي المسيحي كان ضخما. فقد سيطر على الجامعات الأوروبية حتى نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر: أي حتى ظهور ديكارت والفلسفة الحديثة. ولكن ابن رشد في رأيه ظل شارحا لأرسطو لا مبدعا. إنه مجرد ناقل للفكر والفلسفة. والسبب هو أن العرق السامي لا يمتلك الروح الفلسفية كالعرق الأوروبي. وهو يقصد بالعرق السامي ليس فقط العرب، وإنما اليهود أيضا. هنا تكمن عنصرية رينان ونزعته الاستعلائية الفوقية. ولكن لا ينبغي أن نظلمه كثيرا. فقد كانت هذه النزعة عامة شاملة في عصره ولا تقتصر عليه. حتى ماركس وقع فيها. يقول رينان بالحرف الواحد: «أنا أول من يعترف بأننا لن نجد شيئا لكي نتعلمه من ابن رشد أو من العرب أو من العصور الوسطى بشكل عام». وهذا يعني أنه يدين الفلسفة المسيحية أيضا وليس فقط العربية. بمعنى أن الفلسفة الحديثة، أي فلسفة ديكارت وكانط وهيغل، تجاوزت كل ذلك بسنوات ضوئية في نظره. علاوة على ذلك، فإن مفكري القرن التاسع عشر في أوروبا كانوا يعتبرون فلسفة القرون الوسطى مجرد صورة شاحبة أو باهتة عن الفلسفة الإغريقية... لماذا؟ لأنها فلسفة لاهوتية إذا جاز التعبير: أي خاضعة للدين لا متحررة منه على عكس الفلسفة الحديثة.
في عام 1856 أصبح رينان عضوا في أكاديمية الآداب الجميلة، ثم تزوج في العام نفسه. وبعدئذ سافر إلى الشرق، إلى سوريا ولبنان وفلسطين، للبحث عن الآثار الخاصة بالمسيحية. ومعلوم أنه كان قد انخرط منذ ذلك الوقت في تأليف كتابه الشهير عن «حياة يسوع». ثم أصبح إرنست رينان أستاذا في أرقى جامعة فرنسية: الكوليج دوفرانس. لكنهم أوقفوا دروسه فوراً بعد إلقائه المحاضرة الأولى بسبب جرأتها في تناول الشؤون الدينية، ودراسة المسيحية دراسة علمية تاريخية. وهذا ما لا يمكن أن يسمح به رجال الدين. فثارت الأصولية المسيحية عليه عندئذ وهاجت وماجت، واتهمته بالتجديف والكفر، والاعتداء على المقدسات. وعندما نشر كتابه عن «حياة يسوع» عام 1863 أحدث فضيحة في الأوساط الشعبية المسيحية، وإن كان قد لاقى نجاحاً منقطع النظير في المكتبات. وقد انزعج البابا بيوس التاسع كثيراً عندما قرأ الكتاب، أو نقلوا له مقاطع منه. وغضب غضباً شديداً على رينان. نقول ذلك، وبخاصة أن هذا الأخير كان تلميذاً لرجال الدين، بل وكان متوقعاً أن يدخل سلك الكهنوت ويصبح راهباً، كما ذكرنا... فكيف انقلب من النقيض إلى النقيض؟ هذا ما لن يغفره له البابا ورجال الدين. وعندئذ هاجم البابا رينان ناعتاً إياه بأنه كافر أوروبي كبير. ولهذا السبب؛ فإن وزير التعليم الفرنسي أصدر قراراً بمنع رينان من التدريس في الجامعة لأجل غير مسمى. وفي عام 1865 قام إرنست رينان برحلة سياحية وعلمية إلى مصر وتركيا واليونان، ومعروف أنه كان منهمكاً في كتابة دراساته عن الأديان التوحيدية، أي اليهودية والمسيحية أساساً، ثم عن الفلسفة اليونانية التي كان معجباً بها أشد الإعجاب. وفي عام 1869 رشح نفسه للانتخابات النيابية، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، ثم رشح نفسه عام 1878 للأكاديمية الفرنسية ونجح. والواقع أن إرنست رينان كان أحد أعمدة الفكر في فرنسا طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومعلوم أن تلك الفترة شهدت أيضاً ظهور مفكرين كبار من أمثال عالم الاجتماع الشهير إميل دوركهايم، والفيلسوف الكبير أوغست كونت. هذا بالإضافة إلى آخرين كثيرين.
وقد اشتهر رينان بحبه العلم وثقته فيه إلى أقصى الحدود. وفي ذلك الوقت كان العلم في أوروبا قد حقق خطوات عملاقة إلى الأمام بعد أن ظهرت الاكتشافات الطبية والمخترعات التكنولوجية. ولهذا السبب تغلّب العلم الحديث على الدين المسيحي في صيغته الكهنوتية القديمة. وأخذ الناس يعلّقون عليه الآمال وينصرفون عن الدين شيئا فشيئاً. أخذوا يعتقدون بأن العلم هو الذي سيحل لهم مشكلاتهم ويؤمّن لهم الحياة الرغيدة على هذه الأرض. وهذا ما تحقق بالفعل في المجتمعات الأوروبية المتقدمة. ضمن هذه الظروف بالذات، أصدر رينان كتابه الشهير: «مستقبل العلم». لكن هل كان رينان مضاداً للدين إلى الحد الذي نتصوره؟
على هذا السؤال يمكن أن نجيب قائلين: لا... في الواقع أن علاقته بالدين المسيحي كانت معقدة. فمن جهة كان ينتقده لأنه مليء بالخرافات والأوهام والمعجزات التي تنتهك قوانين الطبيعة. ومن جهة أخرى كان يعترف بأهميته بصفته عاملا قويا لتوحيد الشعب. وبالتالي، فمن الخطر أن ندير ظهرنا له بشكل متسرع أو قبل الأوان. وقد لخص موقفه من الدين بعبارة شهيرة واردة في كتابه: مستقبل العلم. تقول هذه العبارة ما يلي: «عندما أكون في المدينة فإني أسخر من أولئك الذين يذهبون إلى الكنيسة لحضور القداس أي الصلاة المسيحية. وعندما أكون في الريف فإني أسخر من أولئك الذين لا يذهبون»!... وهذا يعني أن الفلسفة هي دين النخبة المثقفة، وأما المسيحية فهي دين عامة الشعب الذي لا يستطيع أن يفهم الفلسفة ولا النظريات العلمية.
كما ويعني ذلك أن العلم والتقدم الصناعي حلا محل الدين في المدن، لكنهما لم يحلا محله في الأرياف؛ لأنهما لم يصلا إليها بعد. ولكن على الرغم من إيمانه بالعلم فإن رينان كان يبدو أحيانا قلقاً على مستقبل البشرية. فكان يخشى أن تنقرض بسبب انعدام رطوبة القلب أو كرمه، تماماً مثلما تموت الصناعة بسبب نفاد الفحم المستخرج من باطن الأرض واستخدامه وقودا لها. وهذا تشبيه جميل في الواقع. فالحضارة الغربية وصلت إلى مرحلة من التقدم التكنولوجي لا مثيل لها في التاريخ. لكنها في الوقت ذاتها تشهد جفاف القلب وتصحر العواطف وتشيّؤ النزعة الإنسانية. وذلك على عكس شعوبنا العربية والإسلامية العاطفية جدا والطيبة والكريمة على فقرها. يكفي أن تنتقل بالطائرة من بلدان الغرب إلى بلدان العرب لكي تفهم ما أقول. وبالتالي، فإن نبوءة رينان تحققت جزئياً فيما بعد. ثم حصلت المناظرة الشهيرة بعدئذ بين رينان وجمال الدين الأفغاني حول مدى توافق الإسلام مع العلم أو تعارضه. ومعلوم أن رينان كان قد أكد التعارض لا التوافق، فرد عليه جمال الدين الأفغاني قائلاً بأن الإسلام لا يتعارض مع روح العلم على الإطلاق. على العكس، لقد شجع الإسلام على طلب العلم حتى ولو في الصين! وأكبر دليل على ذلك أن العلوم الفلكية والطبية والتجريبية ازدهرت في أرض الإسلام إبان العصر الذهبي قبل أن تنتقل إلى أوروبا... وبالتالي، فالحق ليس على الإسلام وإنما على المسلمين.



«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.