قاضية أميركية توافق على «مدينة بيضاء» في ألاباما

أهاليها فشلوا في إثبات أن دوافع الانفصال عنصرية

ملصقان في المدينة يجسدان الانقسام العنصري فيها (واشنطن بوست)
ملصقان في المدينة يجسدان الانقسام العنصري فيها (واشنطن بوست)
TT

قاضية أميركية توافق على «مدينة بيضاء» في ألاباما

ملصقان في المدينة يجسدان الانقسام العنصري فيها (واشنطن بوست)
ملصقان في المدينة يجسدان الانقسام العنصري فيها (واشنطن بوست)

تسبب قرار صدر عن قاضية فيدرالية الأسبوع الماضي، يسمح بمقتضاه بفصل جزء من مدينة ألاباما غالبية سكانه من البيض عن منطقة المدارس التي تتميز بتنوع عرقي، في إثارة جدل جديد بشأن المبادرات الداعية إلى إلغاء الفصل العنصري في التعليم العام.
وكانت القاضية بمحكمة «يو إس ديستركت كورت» بمدينة برمنغهام، مادلين هيكالا، قضت بأن الدوافع وراء الجهد الذي بذله الأهالي بمنطقة غاردنديل للانفصال بمنطقتهم كانت عنصرية، وأن عملية الفصل أرسلت رسائل توحي بما يعانونه من إحساس بالدونية العنصرية والإقصاء الذي تسبب في «امتهان لكرامة تلاميذ المدارس من السود».
أضافت القاضية أن أهالي مدينة غاردنديل فشلوا في تحمل العبء القانوني لإثبات أن عملية الفصل لن تعيق الجهود الرامية إلى منع الفصل العنصري بمنطقة «جيفرسون كاونتي» التي طالما ناضلت لتحقيق الاندماج بين تلاميذ المدارس بها. وتعود بداية المطالب بالمساواة إلى حقبة الستينات عندما تقدم الآباء السود بأول شكوى يطالبون فيها بالمساواة بين التلاميذ.
وفي حكمها المثير للجدل، أصرت هيكالا على أن غاردنديل ربما تتقدم للأمام بقرار الانفصال، مرجعة قرارها إلى التعاطف مع بعض الآباء الذين يسعون إلى تحقيق الولاية لمزيد من السيطرة على المدارس وإلى القلق الذي يعتريهم على أبنائهم في تلك المدارس التي تضم أعراقا متنوعة، مشيرة إلى أنها تخشى أن يوجه لها اللوم في حال رفضت التماس الأهالي.
وأفاد يو دبليو كليمون، ممثل المدعين السود في الدعوى، بأن قرار المحكمة، حال جرى تطبيقه «سيضعف جهود التكامل التي بذلت من السكان على مدار نصف قرن، وأن ذلك سيكون له نتائجه السلبية الخطيرة». وأضاف كليمون، القاضي الفيدرالي المتقاعد، أن الأغلبية البيضاء يفكرون بالفعل في بناء مدارسهم المستقلة، وأن قرار القاضية لأهالي تلك المنطقة يقولها صريحة: «طالما أن غاردنديل، بكل تاريخها العنصري، استطاعت أن تفعل ذلك، فأي مدينة أخرى يحق لها أن تفعل نفس الشيء».
ومن جانبهم، أفاد مؤيدي قرار الفصل بأن ما يسعون إليه هو العمل على بسط السيطرة على المدارس، لا تعزيز الفصل العنصري.
ومن جانبه صرح كريس سيغروف، مدير إدارة غاردنديل التعليمية، بقوله: «نعلم أن السكان متلهفون وجاهزون لتنفيذ قرار إقامة نظام تعليمي عام بإدارة محلية، ونحن أيضا كذلك»، مضيفا: «رغم أن حكم المحكمة يهدف إلى تحقيق التقدم ويشير إلى تحقيق التطور في هذا المجال، فإننا نطالبكم بالصبر والدعاء في الأيام القادمة، وأن نعمل سويا لما فيه الصالح العام هنا».
ورفضت وزارة العدل التعليق على قرار المحكمة الذي صدر الأسبوع الحالي. الجدير بالذكر أن الوزارة عارضت عملية الفصل العنصري في عهد باراك أوباما، واستمرت بلدة غاردنديل القريبة من برمنغهام تدفع ولسنوات طويلة في اتجاه فصل المدارس ذات الأغلبية السوداء بمنطقة جيفرسون كاونتي عن منطقتهم الصغيرة.
غير أن قرار القاضية هيكالا الذي راعت فيه رغبة أهالي بلدة غاردنديل، ودفاعها عن الحاجة الملحة لوجود إشراف فيدرالي على تلك المدارس، جعل القرار يبدو محيرا للمدافعين عن الحقوق المدنية.
وعلى مدار سنوات، سمح القضاة الفيدراليين بسحب المدارس من داخل عدد من المدن ذات الغالبية البيضاء والتي تتبع نظام «جيفرسون» التعليمي، لتترك مدارس البلدة بقاعدة ضريبية منخفضة وشريحة متزايدة من أصحاب الدخول المنخفضة والتلاميذ السود. لكن حتى الآن لم يجر قاض اختبارا دقيقا للتأكد من أن عملية إقامة حدود جغرافية جديدة للمدارس جاءت بدوافع عنصرية.
وقال مونيك لين لويس، محامي بهيئة الدفاع والصندوق التربوي الذي حضر ممثلا عن الآباء السود في القضية: «من الصعب تحديد ذلك». لكن إقرار المحكمة أن العرق لعب دورا في عملية الفصل بين الطلاب يعد اعترافا في حد ذاته «وبصورة أكثر مما تمنيناها»، بحسب لويس، لكن القول إن مدينة «غاردنديل» بمقدورها اتخاذ خطوات تجاه تشكيل نظامها الخاص «يمثل مصدر قلق».
وقال كليمون، إن الآباء الذين يمثلهم هو ولين لويس من المرجح أن يطلبوا من القاضية إعادة النظر في قرارها.
ويسرد قرار القاضية هيكالا، الذي جاء في 190 صفحة، تاريخ معركة طويلة بشأن إلغاء الفصل العنصري في المدارس. وتضمن قرار القاضية نقدا لاذعا لمن تولوا حشد جهود مدينة «غاردنديل» للضغط لفصل نظام التعليم عن المتبع في باقي البلاد.
وكتب أحد الطلاب على صفحته في «فيسبوك»، إن «أعداد الطلاب غير المقيمين في ازدياد مستمر وبمعدلات مزعجة»، مضيفا: «هؤلاء الطلاب لا يقدمون مساهمات مالية، ويستهلكون موار مدارسنا، وجهود مدرسينا وطاقة طلابنا المقيمين».
مثل هذه المشاعر من شأنها أن ترسل رسائل واضحة للطلاب السود - الذين تعيش غالبيتهم على بعد أميال في مكان يعرف باسم «نزوث سميثفيلد» ويدرسون في مدارس متوسطة وثانوية وفق نظام تعليمي عمره عشر سنوات يلغي الفصل العنصري – تقول: «إن هذه المدارس ليست ملكك، وأنت لست مرحبا بك هنا»، وفق قرار القاضية هيكالا.
وبحسب القاضية هيكالا، فقد وزع منشور على سكان مدينة «غاردنديل» قبل التصويت على الانسحاب بمدارسهم بسبب «الرسالة الدونية الغامضة» التي تلقاها الطلاب السود. وسأل المنشور الذي حوى صورة طفل أبيض سؤالا يقول: «أي طريق ستختار غاردنديل؟» واشتمل المنشور على عدد من الخيارات العنصرية، وعلى أسماء المدن ذات الغالبية السوداء والتي لا يزال نظام التعليم فيها جزءا من نظام «جيفرسون كاونتي سيستم»، وقائمة من المدن ذات الأغلبية البيضاء التي «تشمل أفضل الأماكن التي تتمنى العيش بها في البلاد»، وفق المنشور، والذي انعزلت مدارسه عن السود عبر السنين.
وأفادت هيكالا بأنه رغم أنه كان بإمكانها معارضة الانفصال على اعتبار أن ذلك من شأنه أن يضعف الاتجاه إلى منع الفصل العنصري بين طلاب المدارس، فإنها قد سمحت به.
وأفادت القاضية بأن الأطفال السود من نورث سميثفيلد يجري نقلهم إلى «غاردنديل» بواسطة حافلات «كاتش 22» المتواضعة، ولولا الجهود والتنسيق الذي يتولاه بعض مسؤولي المدينة لكان هؤلاء التلاميذ شعروا بأنهم غير مرحب بهم، بصرف النظر عمن يدير مدارسهم. واقترحت غاردنديل ضم مدينة نورث سميثفيلد إلى نظامها التعليمي الجديد، لكن بعدما يصل مسؤولو المدينة إلى إدراك أن هذا الإجراء ضروري للحصول على قرار من المحكمة في صالحهم. وكتبت القاضية: «وتلك نتيجة مأساوية للطريقة التي سعى بها سكان غاردنديل إلى الانفصال».
وبحسب قرار هيكالا، فربما تبدأ غاردنديل في تشغيل مدرستين داخل نطاقها الجغرافي الخريف الحالي. وإن أظهرت المدينة ثقة في تنفيذ التوجه الرامي إلى إلغاء الفصل العنصري بتلك المدارس خلال السنوات الثلاث القادمة - من ضمن ذلك سداد رسوم انتقالات الطلاب وتعيين عضو أسود بمجلس إدارة المدارس التي تضم طلابا جميعهم من البيض - فربما تسمح البلدة باستمرار المدارس المختلطة العليا والمتوسطة داخل حدودها.
وحتى حال حدث ذلك، فسوف يتعين على مدينة «غاردنديل» أن تسدد أموالا لمدينة «جيفرسون كاونتي» مقابل مباني المدارس العليا القابعة في قلب المدينة، والتي تكلف إنشاؤها أكثر من 50 مليون دولار. وتلعب المدارس العليا دورا مهما في تعزيز جهود البلدة لتحقيق التكامل باستخدام البرامج التربوية والفنية لجذب الطلاب من المناطق المنعزلة.
وبحسب قانون ولاية ألاباما، يحق لأي بلدة يتعدى عدد سكانها 5000 نسمة أن تطبق نظاما تعليميا مستقلا، وجادلت بلدة «غاردنديل» بأن المحكمة الفيدرالية لا يجب أن تعترض على انفصال نظامها التعليمي. وقال محامو غاردنديل في مذكرتهم للمحكمة: «الأمور تغيرت» بعد قرار المحكمة التاريخي بشأن التمييز العنصري في المدارس، «ويتعين على المحكمة أن تفتح عينيها لترى الوضع الحالي».
وجاء قرار هيكالا قويا ليضع نهاية للجدل الدائر، بأن كتبت تقول في قرارها: «إن رسالة غاردنديل للطلاب السود بأنهم غير مرغوب فيهم واضحة وقوية، والمحكمة لا يمكن أن تغمض عينيها عن تلك الرسالة».
وقالت الأستاذة بجامعة بنسلفانيا، إيريكا فرانكبيرغ، التي تدرس التمييز العنصري في المدارس، إن القرار الذي صدر عن هيكالا والتي عينها الرئيس باراك أوباما، وتعتبر جديدة نسبيا على قضية جيفرسون كاونتي، يعتبر تغييرا جذريا بالنسبة للقرارات السابقة التي صدرت عن باقي المحاكم، والتي سمحت للمدن ذات الأغلبية البيضاء بالابتعاد بطلابها عن الطلاب السود من دون شرح الأسباب علانية أو التطرق إلى عواقبها، فيما أشارت هيكالا بوضوح إلى أنها تحتفظ بحق تغيير هذا الوضع حال فشلت بلدة غاردنديل في تنفيذ التزامها بمنع الفصل العنصري بين طلابها.
وقالت فرانكبيرغ إن القرار يعد دفاعا مهما عن دور الحكومة الفيدرالية في رصد منع التمييز في المدارس والإشراف على تنفيذه، «فلا تستطيع القول إن الوقت وحده كفيل بجعلنا نتخلص من التمييز العنصري السابق».
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».