ماكرون على عتبة قصر الإليزيه واستطلاعات الرأي تنصبه رئيساً

ماكرون على عتبة قصر الإليزيه واستطلاعات الرأي تنصبه رئيساً

السبت - 9 شعبان 1438 هـ - 06 مايو 2017 مـ رقم العدد [ 14039]

انتهت المعركة الرئاسية في فرنسا ودخلت البلاد فيما يسمى مرحلة «الصمت الانتخابي»: لا تصريحات للمرشحين ولا لمساعديهم أو أنصارهم. لا نتائج تنشر لاستطلاعات للرأي قبل مساء غد الأحد عندما تظهر أولى نتائج الدورة الثانية «الحاسمة» وما آل إليه اختيار الناخبين البالغ عددهم 46.9 مليون ناخب. والمتوقع أن يقوم نحو 80 في المائة منهم بواجبهم الانتخابي رغم عطلة الأسبوع الطويلة التي تمتد لصباح الثلاثاء.
بيد أن الساعات الأخيرة نزعت عن هذا الاستحقاق بعض إثارته بسبب التقدم المؤكد لمرشح الوسط إيمانويل ماكرون على منافسته زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان. وبينت آخر ثلاثة استطلاعات للرأي أن ماكرون سيفوز بنسبة مريحة يمكن أن تتراوح ما بين 59 في المائة إلى 62 في المائة. ويأمل أنصاره في أن يكون انتصاره بينا وكاسحا بحيث يلج الانتخابات اللاحقة «التشريعية» من موقع قوة لغرض توفير الأكثرية الضرورية التي ستدعم عمله وعمل الحكومة التي سيشكلها. وفي أي حال، فقد أصبح من شبه المؤكد أن ماكرون سينام الأحد المقبل في قصر الإليزيه بعد عملية التسلم والتسليم التي ستتم بينه وبين الرئيس فرنسوا هولاند الذي تحول إلى طرف فاعل في حملته. وفي آخر تصريحاته، تمنى الرئيس الفرنسي أن يحصل ماكرون على أعلى نسبة معتبرا أن مصير الانتخابات الرئاسية هو «خيار بالنسبة لفرنسا» ولكن أيضا «يهم أوروبا والعالم الذي يتساءل عما ستقوم به فرنسا وإذا ما كانت ستبقى وفية لتاريخها أم أنها ستغرق». ودعا هولاند الفرنسيين للتصويت بكثافة لمرشح الوسط فيما تكاثرت الدعوات العالمية المؤيدة له وأبرزها التغريدة التي نشرها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما على حسابه، التي أعرب فيها عن «إعجابه» بحملة ماكرون و«دفاعه» عن القيم الليبرالية وتركيزه على دور فرنسا في أوروبا والعالم. وبالمقابل، ندد أوباما بلجوء لوبان، من غير تسميتها، إلى اللعب على عامل «الخوف».
وبحسب المحللين السياسيين، فإن ثلاثة عوامل على الأقل تدفع في هذا الاتجاه: الأول، أن ماكرون بدا صلبا في المناظرة ومتمكنا من ملفاته خصوصا الاقتصادية وهي التي تهم المواطن الفرنسي بالدرجة الأولى، فيما بدت منافسته مترددة وبعيدة عن الدقة في إجاباتها وشروحها فضلا عن «عدوانيتها». والثاني، حصول تغير ملحوظ في اتجاهات ناخبي مرشح اليسار المتشدد ومرشح اليمين التقليدي لصالح ماكرون. أما العامل الثالث فيتمثل في انكشاف أمر ما أريد له أن يكون «الفضيحة» الكبرى التي لمحت إليها لوبان في المناظرة التلفزيونية، والخاصة بامتلاك ماكرون لحساب سري «أوف شور» في أحد الفراديس الضريبية «جزر الباهاماس». ولما سئلت لوبان صباح أمس في مقابلة إذاعية عما إذا كانت تملك «دليلا» على ما يروج له فكان ردها بالنفي.
إذا كان ماكرون قد كسب عمليا معركة رئاسة الجمهورية، فإنه منذ لحظة إعلان النتائج سيواجه استحقاقا آخر لا يقل أهمية عن الرئاسيات وهو الانتخابات التشريعية التي ستحصل على دورتين يومي 11 و18 يونيو (حزيران) المقبل. واللافت فيها أن من يدعو للانتخاب لصالحه من خصومه اليوم في الدورة الأولى، يدعو في الوقت عينه لمحاربة برنامجه من خلال الانتخابات التشريعية. وليس سرا أن اليمين التقليدي الذي أخرج مرشحه لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة من المنافسة الانتخابية يعتقد أنه قادر على الفوز بالتشريعيات وقد أوكل للوزير السابق وعضو مجلس الشيوخ الحالي فرنسوا باروان مهمة قيادة الحملة التشريعية ورشحه لمنصب رئاسة الحكومة في حال حصل اليمين على الأكثرية. كذلك ستخوض مارين لوبان وحزبها المعركة القادمة، فيما أعلن ميلونشون أنه سيقود معركة «فرنسا المتمردة» الشهر المقبل.
يعتقد مناصرو ماكرون أن الشعب الفرنسي الذي سيكون قد اختاره رئيسا سيوفر له الأكثرية النيابية ليضع موضع التنفيذ برنامجه الانتخابي. لكن مشكلة الأخير أن حركته السياسية «إلى الأمام» جديدة على الساحة، وأن مرشحيها سيواجهون «بارونات» سياسيين يتمتعون بشبكة علاقات وأحلاف قديمة ولهم جذور في دوائر ترشحهم. وقد أشار مرشح الوسط إلى رغبته في تقديم مرشحين في الدوائر الـ577. والحال أن من تم تسميتهم رسميا بلغ 15 مرشحا. وما يزيد من صعوبة المهمة أن ماكرون يفرض على كل مرشح يرغب في التقدم باسم «إلى الأمام» أن يستقيل من حزبه السابق. وما إذا ما أخفق الرئيس الجديد في الحصول على أغلبية، فإنه سيكون مضطرا لأحد حلين: إما القبول بما يسمى في فرنسا «المساكنة» أي أن يكون رئيس الجمهورية من تيار سياسي والحكومة من تيار آخر. وسبق لفرنسا أن جربت هذا «النظام» مع الرئيس فرنسوا ميتران وجاك شيراك. أما الاحتمال الثاني فهو لإقامة تحالف أو أن يسعى لتوفير أكثرية «متحركة» بمعنى أن تتشكل وفق المشروع الإصلاحي أو الخطة المطروحة وهذا يعني غياب الاستقرار السياسي والمساومات المستمرة.
هكذا تلج فرنسا مرحلة جديدة من تاريخها السياسي سترتسم ملامحها بشكل كامل في الأسابيع المقبلة. وحتى الآن، ما بان منها هو بروز قوى جديدة وضمور أخرى قديمة وأزمات تضرب الأحزاب السياسية التقليدية. اليوم، لا أحد يعرف ما سيكون عليه حال الحزب الاشتراكي وما إذا كان سينجح في المحافظة على وحدته بعد نتائجه الباهتة. كذلك، فإن حزب «الجمهوريين» اليميني سيعرف خضات عنيفة بعدما كان يعتقد أن استعادته للسلطة بعد خمس سنوات من إبعاده عنها ليست سوى أمر شكلي. والحال أن مرشحه أخفق في التأهل للجولة الثانية بسبب الفضائح والانقسامات والطموحات المتضاربة. كذلك يبدو من الصعب استشراف ما سيؤول إليه حزب «فرنسا المتمردة» أو كيف سترسو عليه خريطة القوى داخل «الجبهة الوطنية» بعد فشل لوبان.


فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة