«مبادرة طريق الحرير» حزام نفوذ صيني جديد

بكين تعد العدة لإقامة أكبر حدث دبلوماسي لتدشينه

إشارات تبين المسافات للقطارات الصينية المحملة بالبضائع المتجهة إلى وجهات مختلفة في عدد من الدول الواقعة على طريق الحرير الجديد (أ.ف.ب)
إشارات تبين المسافات للقطارات الصينية المحملة بالبضائع المتجهة إلى وجهات مختلفة في عدد من الدول الواقعة على طريق الحرير الجديد (أ.ف.ب)
TT

«مبادرة طريق الحرير» حزام نفوذ صيني جديد

إشارات تبين المسافات للقطارات الصينية المحملة بالبضائع المتجهة إلى وجهات مختلفة في عدد من الدول الواقعة على طريق الحرير الجديد (أ.ف.ب)
إشارات تبين المسافات للقطارات الصينية المحملة بالبضائع المتجهة إلى وجهات مختلفة في عدد من الدول الواقعة على طريق الحرير الجديد (أ.ف.ب)

على الرغم من تقديم الصين مشروع «طريق الحرير» الجديد للعالم بوصفه جهدا فريدا يهدف إلى تبادل المنافع التنموية من خلال تمويل البنى التحتية للدول المشتركة في هذا الحزام النفوذي الاقتصادي؛ فقد عبرت الكثير من الدول الغربية عن قلقها من عدم توفر البيانات ونقص الشفافية فيما يخص تفاصيل المشروع، وتنتاب تلك الدول الشكوك بشأن نوايا الصين السياسية التوسعية.
الصين عبرت عن رغبتها في حضور رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي احتفالية إعلان خطة إنشاء «طريق الحرير» لكي لا يبدو الحدث متمركزا حول الصين، بيد أن بريطانيا قررت إرسال وزير خزانتها فيليب هاموند نيابة عن ماي، في حين سترسل ألمانيا وفرنسا ممثلين عنهما.
لحد الآن أعلنت الصين قائمة تضم 28 رئيس دولة وجهت لهم الدعوة، وتأكدت مشاركتهم في القمة المقرر انعقادها يومي 14 و15 مايو (أيار) الحالي. تضم القائمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، وجميعهم تنظر إليهم الصين باعتبارهم شركاء حقيقيين. «غالبية الرؤساء ورؤساء الوزراء المقرر حضورهم القمة يمثلون دولا تلقت أو تتوقع أن تتلقى دعما ماليا من الصين. فقد نجحت الصين في إقناع الدول ذات الصلة بنزاع بحر جنوب الصين، منها فيتنام وإندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، بإرسال قادتها لحضور القمة»، بحسب الخبير الصيني رجا موهان.
وأفادت مصادر سياسية بأن حضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وغيره من قادة الدول ذات السجل المريب في حقوق الإنسان، مثل الفلبين ودول وسط آسيا، جعلت زعماء الدول الغربية يحجمون عن الحضور.
الكثير من الدول المجاورة للصين، مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وسنغافورة لم تؤكد حضورها، في حين تأكد عدم حضور ممثلين عن ثلاثة من رفقاء الصين في مجموعة دول «بريكس» وهم البرازيل والهند وجنوب أفريقيا، وفق القائمة التي أعلنتها وزارة الخارجية الصينية. ومن ضمن المتغيبين عن الحضور أيضا أستراليا التي تعد حليفا قويا للولايات المتحدة، وتتمتع بعلاقات وثيقة مع الصين. ولم تبدِ الدول الغربية رغبة في حضور القمة الصينية، باستثناء إيطاليا التي تعتبر الدولة الغربية الوحيدة التي قررت إرسال رئيس وزرائها لحضور الحدث الذي وضعته الصين على قمة خططها التنموية على الرغم من محاولات الصين لإعطاء الحدث نكهة دولية.

ما «طريق الحرير»؟

بحسب إعلان الرئيس الصيني شي جينبنغ، الذي كشف عن المشروع عام 2013، يعد طريق الحرير مبادرة استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إحياء الرابطة القديمة بين المحيطين الهادي والهندي عن طريق ربط الخط الساحلي الصيني بجنوب شرق آسيا، وغرب آسيا، والساحل الشرقي لأفريقيا.
وتعود تسمية طريق الحرير إلى عالم الجغرافيا الألماني فرديناند فون ريتشفون الذي عاش في القرن التاسع عشر، حيث لم يكن مجرد طريق، بل شبكة طرق تجارية داخل وعبر آسيا وأوروبا تطورت خلال الألفي عام الماضية. تقع الصين في نهاية ذلك الطريق، وعلى الطرف الآخر الهند وبلاد فارس، وشبه الجزيرة العربية وأوروبا، في منظومة عولمة مبكرة بدأها المغول في القرن الثالث عشر.
ويهدف الحزام الاقتصادي لطريق الحرير الجديد إلى إحياء الرابطة البرية القديمة بين الصين والبحر المتوسط من خلال وسط آسيا وأوروبا. ويشمل الحزام 60 دولة يسكنها نحو ثلثي سكان العالم، وبها 55 في المائة من إجمالي الناتج العالمي، و75 في المائة من احتياطي الطاقة العالمي؛ مما جعل الصين تعيد تسميته ليصبح «مبادرة طريق الحرير الجديد»؛ وذلك لحث جميع الدول على المشاركة فيه.
يعتبر هذا الحدث هو المرة الأولى التي تدفع فيها الصين تجاه المشاركة الجماعية في مشروعها الطموح لإعادة إحياء الطريق، في مشروع ضخم تقدر استثمارات بنيته التحتية بمليارات عدة من الدولارات، تشمل خطوط للسكك الحديدية والموانئ والأقطاب الكهربائية. ووقّعت الصين أيضا عقودا مع 56 دولة لتعزيز الدعم المقدم للمشروع. وخصصت الصين 40 مليار دولار أميركي لـ«صندوق طريق الحرير».

الهند تتملص من المشروع

رئيس الوزراء الهندي نارندا مودي لن يشارك في القمة، وحتى الآن غير معروف ما إذا كانت الهند سترسل من يمثلها هناك، أم أنها ستحجم عن المشاركة من الأساس. ورغم إعلان الصين أن الغرض من المبادرة الجديدة ليس سياسيا؛ فقد وجدت معارضة من الهند. وبحسب دبلوماسي هندي رفيع المستوى، لا ترغب القيادة الهندية في إقرار المشروع «من قبل أعلى مستويات في الدولة».
كانت المرة الأولى التي عبرت فيها الهند عن معارضتها لـ«طريق الحرير» في عام 2016، ثم جددها رئيس الوزراء مودي العام الحالي. ومشددا على «حتمية ومنطقية الترابط الإقليمي من أجل السلام والتقدم والرخاء»، وصف مودي «مبادرة طريق الحرير» بأنها مبادرة صينية فردية تلعب فيها الدول المشاركة دورا محدودا، في حين اعترض مودي على الممر الاقتصادي الذي يربط بين الصين وباكستان بتكلفه 50 مليار دولار أميركي، الذي يمر من خلا منطقة غلغيت - بالتستان بمنطقة كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية، وصولا إلى غوادار بمنطقة بلوشستان. وحذر مودي من «الطموحات المتزايدة والعداوات المتأججة»، مؤكدا أن الحاجة هي «منع ميل أي طرف ناحية طرف آخر بصورة تؤدي إلى الإقصاء».
طريق الحرير ليس السبب الوحيد لكراهية الهند للفكرة، فزيارة الدلاي لاما الأخيرة إلى توانغ بمنطقة أرونشيل براديش، التي ادعت الصين تبعيتها لها، تسببت في ردود فعل عنيفة في الإعلام الحكومي الصيني. فمعارضة الصين الحالية لعضوية مجموعة الهند في مجلس الأمن المعروفة باسم «مجموعة مجلس الأمن وموردي المواد النووية»، ساهمت في تآكل شعبية الصين في الهند. فمبادرة طريق الحرير تبدو نشازا في أذن الكثيرين في الهند. الصين غير مسرورة لما يجري، وكثيرا ما حذر الدبلوماسيون الصينيون في دلهي بقولهم: «كلما أسرعت الدول بالانضمام إلينا، كانت لهم كلمة مسموعة ومزايا أكبر»، مشيرين إلى أن الهند ستدفع ثمنا لعدم مشاركتها في مبادرة طريق الحرير.
يقول بعض الخبراء الأجانب: إن الهند لن تستطيع تجاهل المبادرة على علاتها. وذكر الكاتب الصحافي مارينال بيسواس في مقال نشر مؤخرا: «ربما تجد الهند نفسها منعزلة استراتيجيا بعد أن تكون الكثير من الدول الآسيوية والأوروبية قد انضمت إلى خطة الربط الصينية، وستجد الهند نفسها بمعزل عن الآخرين. فجميع جيران الهند مقبلون على المبادرة، في حين تقوم الهند حاليا بدراسة المزايا والمخاطر التي ستعود عليها حال انضمت للمبادرة».

طموحات الصين

في وقت بات فيه موقع الولايات المتحدة من العالم في عهد دونالد ترمب غير واضح بعد تعهده بأن تكون «أميركا أولا»، ترى الصين فرصة أكبر في لعب دور القائد العالمي، وبخاصة بعد أن وجدت صدى وقبولا لمبادرة طريق الحرير الجديد.
وبحسب الخبير الأجنبي مورلي مينون، فإن القمة تعد خطوة في سبيل تعزيز نفوذ الصين الدولي، في الوقت الذي جعل فيه الرئيس الصيني من بلاده قوة إقليمية منفتحة، وفي الوقت الذي أثيرت فيه التساؤلات عن التزام ترمب بالمحافظة على وضع الولايات المتحدة التقليدي بصفتها قائدة للعالم.
لا يكمن لب الموضوع في مبادرة الصين في السيادة على منطقة ما؛ فالأمر يعتمد على قدرة الأسطول البحري الصيني على تنظيم أو منع مرور البنتاغون أو الأسطول الأميركي. بالنسبة للصين، فطريق الحرير يعد مثالا مهما لبسط النفوذ السياسي في الوقت الذي تعزز فيه الصين من مشروعات بنيتها التحتية، وتقوم بتصدير الفائض عن حاجتها إلى دول العالم».
في السنوات الثلاث الماضية، بدأ العالم، باستثناء الهند، في التقارب مع الصين فيما يخص طريق الحرير. ففي أبريل (نيسان) 2016، وافق الاتحاد الأوروبي على ضخ مبلغ 10 مليارات يورو في «الصندوق الأوروبي للاستثمارات الاستراتيجية» لصالح «صندوق طريق الحرير الصيني». ووفق ذلك الاتفاق، وعلى عكس استثماراتها الاستراتيجية والاقتصادية مع أفريقيا وفي مشروع «الطريق الاقتصادي الصيني الباكستاني»، فقد وافقت الصين على الالتزام بقوانين الاتحاد الأوروبي، ومنها الاشتراطات الخاصة بالمشتريات والعمالة والبيئة.
وبسبب الرعب من الولايات المتحدة سارعت الكثير من دول الاتحاد الأوروبي، وتقريبا نصف أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالانضمام إلى عضوية «بنك البنية التحتية الآسيوي» ليصبحوا أعضاء مؤسسين به، وهو البنك الذي ينظر إليه باعتباره المصدر الرئيسي لتمويل طريق الحرير الجديد.
وذكر تقرير صادر عن «حركة الإنصاف الباكستانية» نقلا عن خبير أميركي رفيع، أن مبادرة طريق الحرير تمثل تحديا استراتيجيا خطيرا للولايات المتحدة، ودعا إلى عمل دراسة وافية لهذا المشروع الطموح. وبحسب تقرير «حركة الإنصاف الباكستانية»، قال أشلي تيليس، عضو مؤسسة «كارينغي أندومنت للسلام الدولي»، خلال جلسة استماع بالكونغرس الأميركي نظمتها لجنة التسليح: إنه «ينبغي على الولايات المتحدة أن تتعامل بجدية بالغة مع التحدي الاستراتيجي الذي تمثله مبادرة طريق الحرير الصيني». أفاد تيليس بأن «حجم برنامج طريق الحرير مذهل بالفعل: فبنك التنمية الصيني وحده سيقوم باكتتاب نحو 900 من مشتملات المبادرة بتكلفة تقترب من تريليون دولار».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.