العين... هل تفكر حقاً؟

العين... هل تفكر حقاً؟

مؤلف {التفكير بالعين} يعتقد أنها أكبر من مكتبة وأوسع من مُتحف
الثلاثاء - 6 شعبان 1438 هـ - 02 مايو 2017 مـ
من أعمال الفنانة رانيا عقل
لندن: عدنان حسين أحمد
صدرَ عن «دار الوطن» بالرباط كتاب جديد يحمل عنوان «التفكير بالعين» للفنان والناقد التشكيلي المغربي سعيد العفاسي. وبما أنّ الكاتب قد درَس الفن والفلسفة وتخصّصَ في علم الاجتماع فلا غرابة أن يستعين بالمقاربات الفلسفية في قراءة الصورة التشكيلية، وتحليلها، وتفكيك عناصرها المُتشابكة التي قد تستعصي على «القارئ» العادي الذي لا يتمترس خلف خبرات بصرية متراكمة.
يتألف الكتاب من أربعة فصول يُشكِّل فيها الفصل الأول ثلث الكتاب لأنه يتمحور على الثيمة الرئيسية فيه وهي «التفكير بالعين». تُرى، هل تفكِّر العين؟ وإذا كانت كذلك فما الذي يفعله العقل؟ وما الذي تقوم به البصيرة في أعماق الكائن البشري الذي يُبجِّل الصورة ويُوقِّر ملَكة التفكير؟
يعتقد العفاسي أن العين «المُدرّبة» هي أكبر من مكتبة، وأوسع من مُتحف، وأنها بتآزرها مع اليدّ «باتت الأساس في غالب ما نفعله وننتجهُ ونفكر فيه» (ص18). يتوقف العفاسي عند كتاب «المُتحف المُتخيّل» لأندريه مالرو ليطرح أسئلة كثيرة عن جوهر الفن وماهيتُه لكن يظل السؤال الأبرز هو: مَنْ الذي يصنع الفن، أهو الفنان أم المُتحف؟ لا شكّ في أن هذا السؤال يتعلق بالعين تحديداً، مثلما تعلقت عين مالرو بالفن التشخيصي وأهملت الفنانين التجريديين عموماً بطريقة توحي بتفاديه للفن الإسلامي بينما انصبّ جُلّ اهتمامه على فنون فرعونية أو آسيوية قديمة. كما يستعرض المؤلف كتاب «العين والروح» لموريس مرلو - بونتي مُشدِّداً فيه على أن التصوير التجريدي لم يستطع أن يغفل «مسألة الكائن» من الناحية التشخيصية. يتوقف الناقد عند مادة «عين» في «لسان العرب» ودلالاتها ومشتقاتها الكثيرة التي يمكن العودة إليها في المعجم لكن الأهم فيها هي الأفعال المرادفة والقريبة مثل «أبصر، رأى، ونظر» التي «تجمع بين حاستي البصر والعمل العقلي على الأشياء» (ص28). يفرِّق العفاسي بين نوعين من الرؤية وهما الرؤية الخارجية والرؤية الداخلية وإذا كانت الأولى بصرية فإن الثانية تأملية حيث تنتمي الأولى إلى «القوّات الحسيّة» الخمس، كما يسمّيها المؤلف، وهي «الشمّ والطعم واللمس والسمع والبصر»، بينما تنتمي الثانية إلى «القوّة الخيالية» التي نستدل بواسطتها إلى «معرفة الحقّ» ورؤية الباري عزّ وجل من خلال إطراق النفوس. وبما أن «للعين ذاكرة تباشر بها المرئيات» (ص39) فلا وجود إذن للعين البريئة البدئية، بل هناك عين مسبوقة دوماً، كما يذهب كلود مونيه، «فهي النافذة التي تقدّم للعقل العلامة أو الصورة لكي يتمّ تفكيكها ودراستها وبالتالي التعبير عنها في ظرف وجيز جداً» (ص43).
يسعى العفاسي في الفصل الثاني إلى رصد مفهوم الجمال وتعريفه، فالإغريق كانوا يرون فيه «كل ما يثير الإعجاب والتقدير سواء في ميدان الحواس أو الخواص الروحية» (ص69) وقد ربطوا الجمال بالخير، والقُبح بالشرّ، كما اعتبروا «الكمال» شرطاً أساسياً من شروط «الجمال».
وعلى الرغم من أن الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون قد أحاط هذا المفهوم بهالة من الغموض حينما قال: «إنّ جوهر الجمال يبقى سرّاً من الأسرار» (ص75) فإن المفكر الألماني ألكسندر غوتليب بومغارتن هو الذي اجترح مفهوم الاستاطيقا مُفرِّقاً إيّاه عن بقية المعارف الإنسانية وقد وضعنا في دائرة التجلّي حينما قال إن «الفن هو أعلى درجات التواصل الكوني بين البشر» (ص81) بغض النظر عن إدراكه سواء أكان بالعقل والمنطق أم بالأحاسيس والمشاعر الإنسانية المرهفة.
يكرِّس الناقد الفصل الثالث من الكتاب للفنانة الفلسطينية رانية عقل ليدرس من خلال أعمالها ثنائية الوجود والغياب مستعيناً بالكوجيتو الذي يتقرر بمقتضاه وجود الأنا «أنا أشك إذن أنا موجود» ليصبح «أنا حاضر إذن أنا غائب»، فالغياب يقارب الوجود، والشكّ يجاور التفكّر ليصل في خاتمة المطاف إلى الاستنتاج القائل: «أنت تشك في وجودية شخص غائب، إذن هو موجود بفعل قوة الغياب القاهرة» (ص115).
لا تحتاج الأعمال الفنية لرانية عقل إلى جهد نقدي كبير لتأويلها فهي بسيطة شكلاً ومضموناً لكنها لا تخلو من بعض الرمزية التي تتعلق بثنائية الغياب والحضور ويمكن للمتلقي المُدرّب قليلاً أن يفهم رمز «طائر السنونو» أو إشارة «الثوب» أو علامة «الحرف العربي» ولعل عناوين بعض اللوحات الصريحة تكشف عن مضامينها الواضحة مثل «الوطن» و«الحرية» و«حق العودة» وما إلى ذلك.
يستغرق العفاسي في الفصل الرابع بالتنظير لعدد من الحركات الفنية مثل الواقعية، والتجريدية، والتعبيرية، والتكعيبية، والبنائية، والبوب آرت، والفن البصري في محاولة لقراءة الظاهر المرئي للعمل الفني لكن تركيزه انصبّ على الواقعية والتجريدية أكثر من بقية التيارات والمذاهب الفنية المعروفة وتوصّل إلى نتيجة معقولة مفادها أن جدارية «الغورنيكا» لبيكاسو هي عمل واقعي قدر ارتباطه بروح العصر وتعبيره عن المأساة الإنسانية. ويضيف بأن اللوحة الواقعية لا بد أن تتكئ على شيء تجريدي ولا يمكن تصوُّر لوحة تجريدية من دون واقع محسوس تنطلق منه، وتؤسس جانباً من ثيمتها عليه. وأنّ هذا التفريق بين الواقعية والتجريد إنما ورثناه، كما يعتقد الناقد، من الفكر والفلسفة في القرن التاسع عشر حيث ذهبا إلى انفصال المادة عن الروح، وتباين الواقع مع الذات، ومثلما ترتبط الواقعية بالمادية فإن التجريدية قد ارتبطت بالمثالية، ولهذا اعتبر النقاد الفن الواقعي أكثر أهمية من التجريد لأنه يرتبط بالواقع اليومي ويؤرخ له، بينما اعتبر نقاد آخرون أن التجريد أكثر أهمية من الفن الواقعي لأنه يعكس عالم الروح بكل تجلياتها وينأى بنفسه عن المادة التي تقيّده باشتراطاته المعروفة سلفاً.
ثمة مقاربة نقدية أخرى يرصدها العفاسي بأن الفن اليوناني أو الأوروبي عموماً هو فن واقعي وأن الفن العربي زخرفة وتجريداً هو فن لا واقعي حيث لعبَ هذا التقسيم دوراً عنصرياً يقدّم فيه الأوروبيون الفن الواقعي بينما لا ينجح العرب إلاّ في تقديم الصيغ والأشكال التجريدية المحرّفة التي دمغت الفن الشرقي بالروحانية والتجريد، بينما أغدقت على الفن الغربي بالواقعية. يتساءل العفاسي في خاتمة الفصل الرابع والأخير من الكتاب إن كان فن الرسم في طريقه إلى الزوال، خصوصاً وأن المدارس النقدية الحداثية قد انحرفت به إلى مسارات غير مألوفة، كما أن «فن الأداء» والفن الأرضي Land Art قد ذهبا بمعطياته إلى فضاءات وتكوينات جديدة وكأنها قد ضاقت ذرعاً بأطر الرسم التي تظل محدودة مهما اتسعت.
حظي كتاب «التفكير بالعين» بمقدمتين، الأولى بعنوان «جوهر العين وسلطة التفكير» للفنان محمد بن كيران وهي مقدمة عامة لم تلامس مضمون الكتاب إلاّ من مسافة بعيدة.
أما الثانية فقد جاءت تحت عنوان بليغ وهو «العين المُفكرة والعقل الرائي» للدكتور الناقد سعيد أصيل، الذي قرأ الكتاب جيداً واعتبره «مقدمة» لمشروع نقدي قد يرى النور لاحقاً لكنه يحتاج إلى مزيد من الشرح والتحليل والأمثلة المستفيضة التي توضح لنا «آلية التفكير بالعين» فقد أثار هذا الكتاب النقدي بعض الأسئلة لكنه لم يقدّم لنا إجابات شافية وافية عن الموضوع البكر الذي لا يخلو من مفاجآت مدهشة.
ختاماً لا بد من الإشارة إلى أن غالبية الهوامش والإحالات المتعلقة بالفنانين والفلاسفة والحركات الفنية منقولة حرفياً أو مع بعض التعديل من موسوعة ويكيبيديا الحرة بينما كان يُفترض بالمؤلف أن يُعيد صياغتها في الأقل كي لا يقع في «مطبّ» الانتحال أو سوء الظن.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة