الأربعاء - 3 شوال 1438 هـ - 28 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14092
نسخة اليوم
نسخة اليوم 2017/06/28
loading..

دَوْر الثقافَة

دَوْر الثقافَة

الثلاثاء - 5 شعبان 1438 هـ - 02 مايو 2017 مـ رقم العدد [14035]
نسخة للطباعة Send by email
يوسف بخيت
الثقافة، هذه الكلمةُ السِّحريّةُ الفاتنة، الجاذبةُ لحاسّةِ السمعِ بجرْسِها الموسيقي، والمحلّقةُ بالعقلِ إلى عوالمِ الخيالِ والسعادة، بما تضمُّهُ مِن معانٍ إنسانيةٍ سامية، وما تستدعيهِ مِن إحساسٍ بالنشوةِ المعرفية، وترسمهُ مِن لوحاتٍ زاهيةٍ بألوانِ الآدابِ التي أنتجها الإنسان شِعراً ونَثراً، وقام بتطويرها على امتدادِ وجودِه في الأرض، وارتحالِه بعقلِه وجسدِه بين الأزمانِ والبُلدان، معبِّراً في كتاباتِه عن أشواقِه وآلامِه وأحلامِه، متخطِّياً حدودَ المكانِ والزمان، وسيلتُه في الانتقالِ خيالُه الذي لا يتوقفُ عندَ حدّ، وزادُه في رحلتِه أشواقُه لوجوهٍ وأصواتٍ مَن أَحبهم وأَحَبُّوه، وبَنَى بينهم وبينه جسورَ المودّة.
يقومُ المثقفُ الحقيقي بِدورٍ عظيمٍ في مجتمَعِه، لا يقِلُ أهميةً عن أدوار المعلمِين والأطباء والمهندسِين وعُمالِ المصانعِ والفلاحِين، وهذا الكلامُ قد لا يروقُ لمن يَعتبرون الثقافةَ ترفًا، لا تأثير ولا فَرْقَ بينَ حضورِها وغيابِها في المجتمَعِ بحسبِ وجهةِ نظرِهِم، وتلك نظرةٌ ضيّقةٌ إلى دنيا الثقافةِ الفسيحة، إنها كمَن ينظرُ مِن ثُقبِ البابِ إلى حديقةٍ غَنّاء، فلا تقعُ عينُه إلا علَى حائطِها؛ فيصِفُها بأنّها مجرَّدُ حائطٍ أَصَمّ، ولو فتحَ البابَ وأطلق لعينيهِ النظرَ؛ لرآها روضةً زاهيةَ الزروعِ والورود، شامخةَ الأشجار متشابكةَ الأغصان، قد أوى إليها الطيرُ؛ فوجدَ بها ملاذًا آمِنًا لنَسْجِ أعشاشِه، وطافَت بِها النحلاتُ والفراشاتُ، فألْفَت الزهورَ الملوَّنة محطّةً تتزوّدُ منها بصافي الرحيق!.
في كتابِه الهامّ «مشكلة الثقافة»، يتحدّثُ الفيلسوفُ والمفكّر، مالِك بن نبي، عن الوظيفةِ الاجتماعيّةِ للثقافةِ قائلاً: «الثقافةُ تستطيعُ أن تمنحَنا اللحظاتِ الممتعة، إذ توحي إلينا أن نُنشِدَ أحياناً مجتمِعِين، وأن نرقصَ مجتمِعِين، ونضحكَ مجتمِعِين؛ والأداء الحَسَنُ لذلك كلّه ظاهرةٌ مشجِّعةٌ وجَمالية ينبغي عدمُ الاستخفافِ بها. ولكنّ دورَها الأساسي أن تعلِّمَنا العيشَ المشترَك والعملَ المشترَك، وخصوصاً الكفاحَ المشترَك».
وتأسيسًا على رأي مالِك بن نبيّ، يتأكد لنا أنّ الثقافةَ، في أي مجتمَعٍ مِن المجتمَعاتِ، نافذةٌ تُطِلُ على الفَرَح، ووسيلةٌ أساسيةٌ لتحقيقِ هدفٍ نبيل، وهو العيشُ المشترَكُ على قواعدَ راسخةٍ مِن السلامِ والتسامُحِ لجميعِ مكوِّناتِ المجتمَع، فمتى ما أَدرَكَ البَشرُ أنّ التكاملَ سببٌ لاستمرارِ حياتِهم، وأنّ ما تعلّموهُ مِن معارِفَ ينبغي نقْلُها لمن يجهلُها، وما يملكونَ مِن أشياءَ قد يحتاجُها غيرُهم؛ عندَ ذلك بإمكاننا أن نَصِفَ هذا المجتَمَعَ بالمثقَّف، لأنه قامَ بتحويلِ ما اختزنَهُ مِنْ عُلومٍ وآدابٍ إلى سلوكياتٍ إنسانيّةٍ راقية، تشدُّه بروابطَ متينةٍ إلى إخوانِه مِن البَشرِ على اختلافِ أجناسِهم وألوانِهم.
تبدأُ زراعةُ الثقافةِ منذُ الطفُولة، بتربيةِ النشءِ على القيمِ الإنسانيةِ كالصِّدقِ والعدلِ والأمانة والنظامِ والإخلاص والإتقان، إلى آخِر تلك القِيم، وهُنا يأتي الدورُ العظيمُ للمنزلِ والمدرَسةِ في تربيةِ الطفلِ على احترامِ أذواقِ الآخرين فيما ارتضوهُ لأنفسِهم، والوقوف حيث تبدأُ حدودُ حريتِهم، مع إيضاحِ أنّ لهُ الحقَّ في التعبيرِ عن رأيِهِ بأدبٍ لا يتجاوزُه إلى إهانةِ الغيرِ أو تحقيرِه فيما اختارَ مِن أفكار أو أشياءَ مادّية، ويتعاظَمُ دورُ الثقافةِ في المراحلِ العُمْريةِ التالية، ببناءِ فكرِ الشبابِ بناءً ثقافياً راقياً، يتعلّم مِن خلالِه النظرَ إلى الحيَاةِ نظرةً يُزيّنُها الذوقُ الرفيع، ويملؤها التفاؤلُ والأملُ بالقادمِ الأجمَل، وإبعادُ الجيلِ الشابِّ عن كُلِّ ما يدفعُهم إلى التشاؤمِ واليأسِ والكراهيةِ لذواتِهم أو لمجتمَعاتِهم.
* كاتب سعودي