طريق الحج المصرية... قلاع وآثار تؤرخ لرحلات ضيوف الحرمين من أفريقيا

السعودية بدأت مشروعاً لترميم برك المياه والآبار عليها

موقع عينونة الأثري يقع على الطريق
موقع عينونة الأثري يقع على الطريق
TT

طريق الحج المصرية... قلاع وآثار تؤرخ لرحلات ضيوف الحرمين من أفريقيا

موقع عينونة الأثري يقع على الطريق
موقع عينونة الأثري يقع على الطريق

تعتبر طريق الحج المصرية إحدى أهم الطرق الأثرية التي تتميز بها الجزيرة العربية والتي تتنوع بين الطرق التجارية وطرق الحج أو الطرق المرتبطة بأحداث تاريخية مثل «طريق الفيل».
وتمتد طريق الحج المصرية من مدينة حقل في أقصى الشمال الغربي للمملكة حتى المدينة المنورة، وتمر بعدد من المدن والقرى والمواقع التي ترك فيها الحجاج آثاراً متعددة منذ بدايات العصر الإسلامي وحتى بداية قيام السعودية.
واستخدمت طريق الحج المصرية على مدار أزمنة مختلفة من قبل الحجاج المصريين إضافة إلى من كان يقيم فيما يُعرف الآن بليبيا وتونس والمغرب العربي، كما كان الدرب يُستخدم من قبل الحجاج القادمين من الأندلس.
وكانت قوافل الحجاج المصريين ومن رافقهم من أهل المغرب والأندلس وأفريقيا تعبر شبه جزيرة سيناء حتى تصل بلدة أيلة الواقعة على خليج العقبة، ثم تواصل السير جنوباً إلى أن تبلغ واحة مدين (البدع)، وكان لحجاج مصر بعد رحلتهم من مدين طريقان إحداهما داخلية تتجه إلى المدينة وتمر بوادي القرى، وهي الأكثر استخداما خلال القرنين الأول والثاني الهجريين (السابع والثامن الميلاديين)، أما الطريق الأخرى فتسلك ساحل البحر الأحمر وتمر بعدد من المحطات أهمها عينونة، والمويلح، وضبا، والعويند، والوجه، والحوراء، ونبط، وينبع، والجار، ثم يتجه إلى مكة المكرمة.
وتحوي الطريق عدداً من القلاع والبرك والاستراحات الأثرية التي أنشأها الحكام والولاة لخدمة الحجاج المصريين على مدى تاريخه.
ونظرا لأهمية طريق الحج المصرية وما يميزها من معالم أثرية متنوعة ممتدة عبر مسافة طويلة، وافق المقام السامي بتاريخ 29/12/1435هـ على طلب الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لتسجيلها ضمن 10 مواقع في قائمة التراث العالمي.
وتنفذ هيئة السياحة والتراث الوطني جملة من مشاريع الترميم لقلاع وبرك ومواقع أثرية في مواقع مختلفة على طريق الحج المصرية تبدأ من محافظة حقل وتنتهي بمكة المكرمة والمدينة المنورة وتبلغ تكاليف هذه المشاريع أكثر من 50 مليون ريال.
ومن القلاع التي تم ترميمها على طريق الحج المصرية قلعة المويلح الأثرية التي أنشأت في عام 968هـ لحماية قوافل الحجاج عند نزولها إلى المويلح وحفظ أقوات الحجاج وأمتعتهم في القافلة وإدارة المنطقة، وقلعة الأزنم التي كانت هذه القلعة محطة رئيسية على الطريق لحفظ الأمن وودائع الحجاج القادمين على طريق الحج المصرية، وتنفذ الهيئة مشروع ترميم للقلعة بنحو خمسة ملايين ريال، كما تعمل الهيئة على تأهيل وترميم موقع الآبار السلطانية بوادي ضباء وموقع الآبار السلطانية بوادي عنتر حيث تم ترميم الآبار والبرك القائمة عليها وتأهيلها للزيارة.
وتحوي طريق الحج المصرية في محطاتها مواقع أثرية متعددة تنوعت بين القلاع والبرك والنقوش الأثرية التي تم الكشف عن العديد منها ضمن أعمال الكشوفات والتنقيبات الأثرية التي قامت بها «هيئة السياحة».
وأعد عالم الآثار السعودي البرفسور علي الغبان، بحثا موسعا عن طريق الحج المصرية أشار فيه إلى أن الطريق بمساريها الداخلي والساحلي نالت عناية الحكام المسلمين في العصور الإسلامية المبكرة، خصوصا حكام مصر الذين أقاموا عليها البرك وحفروا الآبار، ومهدوا العقبات الصعبة، وبنوا المساجد في بعض محطاتها، وأشارت المصادر إلى القليل من هذه المنشآت مثل الآبار السبع التي حفرت في مكان نزول الحجاج بوادي ضباء، وخان العشيرة بينبع، ومساجد بدر التي بناها ملوك مصر، وبركة خليص وقناتها، وتوجد اليوم على الطريق المصرية بعض الآثار التي ترجع إلى تلك الفترة المبكرة خصوصا على مسار الطريق الداخلي، مثل البركة المبنية على الطريق في عين النابع الواقعة قرب شغب، وبركة بدا، وآبار بلاطة الواقعة بين بدا والخشيبة، كما توجد على هذا المسار مئات النقوش العربية المبكرة أهمها تلك المنقوشة على صخور شهيبة بدا الشمالية.
ومن أبرز آثار طريق الحج المصرية آثار عينونة بمنطقة تبوك، التي تضم مواقع أثرية كثيرة بعضها يعود تاريخه إلى عصور ما قبل الإسلام، وبعضها الآخر إلى العصور الإسلامية، وتقتصر آثار العصور الإسلامية المتأخرة بها على موقعين، هما: مناخ قافلة الحجاج في رحلة الذهاب، ويقع على أرض واسعة مرتفعة عن بطن الوادي، وأطلال قرية صغيرة قريبة من مجرى العين تعرف في المصادر بحدرة عيون القصب.
وكشف فريق علمي سعودي بولندي مشترك مؤخرا عن آثار مستوطنة أثرية تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد في موقع عينونة الأثري بمنطقة تبوك.
واكتشف الفريق بقايا جدران ممتدة تحت الطبقة الأرضية الحالية، مما يشير إلى وجود مراحل سكنية سابقة في الموقع، كما كشفت البعثة عدداً من المعثورات الفخارية المتنوعة، والمطاحن والمدقات التي استخدمت في طحن الحبوب، أو ربما المعادن، وعدداً من الأصداف البحرية المتنوعة، فضلا عن العثور على بقايا مجموعة من الأفران داخل الغرف وبقايا صهر لخامات معدنية مختلفة.
ومن تلك الآثار، آثار تريم التي تقع على بعد 30 كم جنوب عينونة، وبها مواقع أثرية قديمة، وموقع لمحطة طريق الحج يقع على أرض مرتفعة قريبة من مجرى العين، فيه بركة كبيرة بنيت على الأرجح خلال العصر العثماني.
كما توجد آثار المويلح إحدى المحطات الرئيسية لطريق الحج المصرية خلال العصرين المملوكي والعثماني، وبها من آثار العصر المملوكي بئران تقعان في الناحية الشمالية من الواحة، أمر بحفرهما الأمير الحاج آل ملك الجوكندار في عصر السلطان محمد بن قلاوون (693-694هـ/698-708هـ)، ثم أصلحهما السلطان قانصوه الغوري (906-932/1501-1516م)، أما آثار العصر العثماني بالمويلح فأكثر عددا، وأهمها قلعة المويلح في ضباء التي تعد إحدى أهم القلاع التاريخية بالمنطقة والتي شهدت مشروع ترميم من قبل هيئة السياحة والتراث الوطني، وتعد قلعة المويلح أكبر قلعة على طرق الحج بالسعودية.
كما يوجد على الطريق آثار وادي الغال الذي يقع بين ضباء والمويلح، وبها بئران قديمتان مطويتان بالحجر الجيري المنظم، وآثار وادي الهاشة شمال مدينة ضباء، وتشمل آبارا تركية قديمة، وآثار وادي ضباء التي توجد في أعلى وادي ضباء على شكل نقوش كوفية يرجع تاريخها إلى القرنين الهجريين الثاني والثالث.
ويعد وادي الأزنم (الأزلم) من أهم المحطات على طريق الحج المصرية خلال العصرين المملوكي والعثماني، ويقع على بعد 40 كم جنوب مدينة ضباء، وبها بقايا خان بني للمرة الأولى في عصر السلطان المملوكي محمد بن قلاوون، فيما تقع آثار وادي عنتر على بعد 40 كم شمال مدينة الوجه، وتوجد به من آثار طريق الحج المصرية ثلاث آبار سلطانية، وبركتان مبنيتان بالحجر الجيري.
وتضم قائمة الآثار أيضا آثار وادي الزريب شرق مدينة الوجه، وبه كانت تنزل قوافل الحجاج المصريين ومن رافقهم، وتوجد اليوم بهذا الوادي ست عشرة بئرا سلطانية كانت تؤمن الماء اللازم لإرواء قوافل الحجاج.
كما توجد في أعلى الوادي قلعة تركية كبيرة أنشئت في عصر السلطان أحمد الأول سنة 1026هـ، لحفظ الأمن بمنزلة الحجاج، ولخزن ودائعهم وأقواتهم، ويوجد على مدخل القلعة نقش تأسيسي يؤرخ لبنائها. وأنشأ أمير الحج المصري رضوان بك الفقاري قلعة الزريب، وهو الذي تولى إمارة الحج المصري في الفترة من 1038هـ إلى 1065هـ.
ومن بين الآثار أيضا جبلا النهدين على مقربة من وادي العرجا، وتوجد في ممر النهدين آثار تمهيد وتسوية لمسار طريق الحج، كما يلاحظ وجود كسر فخارية من أنواع الفخار العثماني المتأخر، فيما تتربع آثار أكرا (بركة أكرا) على بعد 45 كم جنوب شرقي مدينة الوجه، وبها بركة وبئر لطريق الحج المصرية يعود تاريخ إنشائهما إلى العصر العثماني، وذكرت أكرا في المصادر الجغرافية العربية باعتبارها منزلا من منازل طريق الحج المصرية الساحلية.
وتقع مدينة الحوراء على بعد 10 كم إلى الشمال من مدينة أملج، واندثرت خلال القرن السادس الهجري (12م)، ولكن اسمها استمر يطلق خلال العصرين المملوكي والعثماني على منزل قوافل الحجاج بهذا المكان. كما توجد آثار لطريق الحج المصرية في الخنقة، وآثار وادي نبط، وآثار الطريق بين نبط وينبع النخل، ومجموعة من الوحدات المعمارية المبنية بالحجر في موقع المقارح الشمالي والجنوبي (20 كم جنوب شرقي نبط)، وينبع النخل.
وتعتبر آثار بدر من المحطات المشهورة على الطريق المصرية، واشتهرت بالآثار الإسلامية المتعلقة بغزوة بدر كمسجد العريش (مسجد الغمامة)، الذي وقف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، يدعو ربه بالنصر يوم بدر، ومقبرة شهداء بدر، والعدوتين، وتوجد ببدر في الوقت الحاضر نقوش تذكارية وتأسيسية تشير إلى ما أنشأه بها الحكام المسلمون من المباني لخدمة الحجاج، كما توجد بالموقع بقايا قنوات لعين بدر القديمة، وبقايا البركة التي أمر ببنائها السلطان المملوكي قانصوه الغوري.
وعلى الطريق بين بدر ومكة المكرمة توجد آثار لطريق الحج المصرية، ويرجع تاريخ أكثرها إلى العصرين المملوكي والعثماني، وأهم هذه الآثار: السبيل الأولى التي تقع على بعد كيلومترين جنوب مفرق الرايس، وسبيل محسن على بعد 5 كيلومترات من مفرق الرايس، وبئر الشريف أبو نمي بمستورة، وبقايا قلعة في رابغ، وآبار القضيم، وبرك خليص. وكانت خليص من المحطات المهمة على الطريق المصرية.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».