اعتقال شقيق أحد مدبري اعتداء سان بطرسبرغ

الاستخبارات الروسية تقتل شخصين اشتبه بتحضيرهما لاعتداءات

أزيموف المشتبه بمشاركته في اعتداء سان بطرسبرغ خلال مثوله أمام القضاء في موسكو أول من أمس (إ.ب.أ)
أزيموف المشتبه بمشاركته في اعتداء سان بطرسبرغ خلال مثوله أمام القضاء في موسكو أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

اعتقال شقيق أحد مدبري اعتداء سان بطرسبرغ

أزيموف المشتبه بمشاركته في اعتداء سان بطرسبرغ خلال مثوله أمام القضاء في موسكو أول من أمس (إ.ب.أ)
أزيموف المشتبه بمشاركته في اعتداء سان بطرسبرغ خلال مثوله أمام القضاء في موسكو أول من أمس (إ.ب.أ)

أعلنت الأجهزة الروسية الخاصة أنها اعتقلت، أمس، الشقيق الأكبر لأحد المشتبه بتدبيرهم الاعتداء الذي استهدف مترو سان بطرسبرغ.
وقالت الأجهزة الروسية، في بيان وزع على وكالات الأنباء الروسية، إن «أكرم عظيموف المولود عام 1988 اعتقل في 19 أبريل (نيسان)» في قرية قرب موسكو. وأضافت أنه «الشقيق الأكبر للمدبر المفترض» لاعتداء المترو في سان بطرسبرغ، أبرار عظيموف، الذي اعتقل الاثنين في منطقة موسكو ووضع قيد التوقيف حتى الثالث من يونيو (حزيران) المقبل. وخلف الاعتداء 14 قتيلاً وعشرات الجرحى.
وأوضحت الأجهزة الروسية أن أبرار عظيموف «درب الإرهابي الانتحاري أكبر جان جليلوف»، الذي يشتبه بأنه نفذ الاعتداء الانتحاري. ولكن خلال مثوله أمام المحكمة أول من أمس الثلاثاء، نفى أبرار عظيموف أن يكون هو مدبر الهجوم، مع اعترافه بضلوعه غير المباشر فيه. وأقر عظيموف بمشاركته في تدبير الهجوم في مترو بطرسبرغ، لكنه قال إنه فعل ذلك دون علم منه بأنه يشارك في التدبير لعمل إجرامي إرهابي. وأوضحت الأجهزة، أمس، أن شقيقه أكرم «ساعد في نقل مال استخدم للإعداد للاعتداء، وكذلك لتنظيم العلاقة مع موفدي منظمات إرهابية دولية».
من جهتها، قالت فالنتينا كازاكوفا، نائبة مدير دائرة وزارة الداخلية الروسية لشؤون الهجرة، أمس إن الوزارة تتحقق من قانونية حصول أبرار عظيموف، الذي يشتبه بأنه أحد مدبري هجوم ويحمل الجنسية الروسية، وأكبر جون جاليلوف على الجنسية الروسية.
وبعد بضعة أيام من الاعتداء، وجه القضاء تهمتي «الإرهاب» و«التواطؤ في الإرهاب» إلى 8 أشخاص بينهم 6 مواطنين من دول في آسيا الوسطى. واعتقل 6 من هؤلاء في سان بطرسبرغ واثنان آخران في موسكو.
إلى ذلك, أعلنت الاستخبارات الروسية، أمس، أن رجلين يتحدران من آسيا الوسطى ويُشتبه في أنهما أَعدّا لاعتداءات في روسيا قُتِلا في مدينة فلاديمير السياحية، التي تبعد مائتي كيلومتر إلى الشرق من موسكو.
وقالت الأجهزة الخاصة الروسية (إف إس بي)، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية، إن رجالها «قضوا على مواطنين من آسيا الوسطى مولودين في 1987 و1991، عندما أبدَيَا مقاومة خلال محاولة توقيفهما».
وأضافت أن الرجلين كانا على اتصال مع أشخاص «يجندون لمنظمات إرهابية دولية»، مستعدين لتنفيذ اعتداءات في روسيا.
وأوضح البيان أنه عُثِر في المكان على متفجرات وذخائر ورشاش «إي كي 47» ومسدس. ويظهر في تسجيل فيديو بَثَّه جهاز الاستخبارات جثتا رجلين تغطيهما الدماء في غرفة منزل، وأحدهما يحمل رشاشاً.
على صعيد متصل، قال نيكولاي باتروشيف، أمين مجلس الأمن القومي الروسي، أمس، إن المواطنين الذين شاركوا في القتال في صفوف المنظمات الإرهابية، يشكلون خطراً كبيراً على روسيا. وجاءت تصريحاته بهذا الخصوص خلال اجتماع خارجي في مدينة ستافروبول، جنوبَ روسيا، بمشاركة كبار المسؤولين في الدائرة الفيدرالية الجنوبية، ومسؤولين أمنيين، بحثوا خلاله قضايا «التصدي لآيديولوجيا الإرهاب».
وأشار باتروشيف أمام المشاركين إلى أن «المعطيات المتوفرة تدل على وجود نحو 2700 مواطن من الدائرة الفيدرالية الجنوبية يقاتلون في صفوف تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق»، محذراً بموازاة ذلك من زيادة نشاط البروباغاندا وعمل الأشخاص الذين يجندون المواطنين لصالح الجماعات الإرهابية. ولفت إلى أن «النشاط الهدام» من جانب مبعوثي الجماعات الإرهابية الوافدين من جمهوريات آسيا الوسطى من أتباع الفكر المتطرف، يسهم في انتشار الفكر الإرهابي في مناطق جنوب روسيا.
وأكد أن الأمن الروسي تمكن من توقيف 66 شخصاً في منطقة شمال القوقاز يقومون بتجنيد المواطنين للمشاركة في نشاطات المجموعات الإرهابية.
ويرى المسؤول الأمني الروسي الكبير أن التصدي للإرهاب عبر التدابير الأمنية والملاحقات لن يكون وحده كافياً، ولا بد من إجراءات وقائية استباقية. ودعا في هذا الشأن السلطات المحلية في مناطق جنوب روسيا إلى تعزيز مراقبة مواقع الإنترنت، وجذب المنظمات الشبابية ووسائل الإعلام والهيئات الدينية والتعليمية للمساهمة في النشاط الرامي إلى الوقاية من انتشار الفكر المتطرف بين الشباب. كما يتطلب القضاء على الإرهاب، وفق باتروشيف، «تعزيز الرقابة على تدفُّق المهاجرين، ومراعاة قوانين الهجرة، والكشف مبكراً بين المهاجرين عن الأشخاص الذين يعتنقون أفكاراً دينية متطرفة ولديهم ميول للقيام بأعمال مخالفة للقوانين»، محذراً من «محاولات تشكيل خلايا إرهابية سرية مستقلة بذاتها، أي غير مرتبطة فيما بينها، للقيام بأعمال إرهابية مدوية في البلاد».
ولمواجهة هذه الظاهرة، شدد باتروشيف على ضرورة «تحسين وتحديث أساليب عمل الأجهزة الأمنية المختصة في مجال التصدي للإرهاب، ورفع مستوى التعاون بين المؤسسات الأمنية الروسية، وزيادة فعالية التحقيق والبحث الجنائي، ورفع مستوى التدابير والعمل الوقائي»، لا سيما في أوساط الأشخاص الأكثر عرضة للتجنيد من جانب العصابات والجماعات الإرهابية.
وحمَّل المسؤول في مجلس الأمن القومي الروسي الولايات المتحدة وحلفاءها المسؤولية عن تنامي ظاهرة الإرهاب ومستوى عدائية الإرهابيين في العالم، وقال إنه «في ظل الظروف القائمة في العالم حالياً، التي يشكل معظمها نتيجة للسياسات التي تمارسها الولايات المتحدة وحلفائها في العالم وسياسة المعايير المزدوجة، اتسعت مساحات تهديد الاعتداءات الإرهابية في العالم، وتصاعدت النزاعات القومية والدينية».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended