شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

مبادئ المكسب والخسارة التجارية تنطبق على سيكولوجية المرضى والأطباء

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية
TT

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

شركة ناشئة تستغل «الاقتصاد السلوكي» لتطوير الرعاية الصحية

أعمل طبيباً في السنة النهائية، بعد أكثر من 10 سنوات من التدريب. ولقد عملت على تشريح الجثث في مختبر التشريح، وأمعنت النظر طويلاً في كثير من مجلدات وكتب فسيولوجيا الأمراض، وتمكنت من علاج آلاف المرضى الذين كانوا يعانون من علل متنوعة، مثل البواسير، وحتى السرطان.
ورغم كل ذلك، فإن الطريقة التي كنت أرعى بها المرضى كانت في غالب الأمر لا علاقة لها بالعلوم الطبية التي قضيت حياتي المهنية محاولاً استيعابها بأكثر من علاقتها بالعادات، والإشارات البيئية، وغير ذلك من التلميحات الخفية التي أعتقد، أو ربما أعرف القليل عنها.
وفي بعض الأحيان، كنت أصف نوعاً من الأدوية، ليس لأنه أثبت فعالية معينة في العلاج، ولكن بسبب أنه مجرد الخيار الافتراضي المتاح في نظام المشتريات الإلكترونية في المستشفى التي أعمل فيها. وكنت أهتم كثيراً بتكرار غسل يدي - التصرف الضروري للغاية للرعاية الطبية الآمنة، الذي يعتبر من سوء الممارسات المهنية إن لم أفعله - وذلك إذ كان الملصق الترويجي المعلق خارج غرفتي يطالبني دائماً بالتفكير في صحة المريض أكثر من التفكير في صحتي. وكان يسهل علي كثيراً التغيير من تصرفاتي، إذا اطلعت على البيانات التي تفيد بأن زملائي يفعلون شيئاً مختلفاً تماماً أكثر مما لو ظهرت لي بيانات تقول إن العلاج المعين يفيد أو لا يفيد.
ويمكن تفسير هذه الاعترافات من واقع مجال الاقتصاد السلوكي، الذي يؤكد على أن عملية صنع القرار الإنساني تبتعد كثيراً، وبشكل كبير، وبصورة متوقعة، عما يمكن توقعه إذا ما تصرفنا بطريقة «عقلانية» تماماً. فالناس لا يتخذون القرارات دائماً - حتى إن كانت غاية في الأهمية بشأن المنفعة المادية أو المالية - بناء على الحسابات الدقيقة للمخاطر والمنافع. بدلاً من ذلك، فإن سلوكياتنا تتأثر وبقوة بمشاعرنا، وهويتنا، والبيئة المحيطة بنا، إلى جانب الكيفية التي تُطرح بها الخيارات علينا.
يميل الناس في الغالب إلى التمسك بالخيارات الافتراضية عند الاختيار (تتجاوز معدلات التبرع بالأعضاء نسبة 90 في المائة في البلدان التي يحتاج المواطنون فيها إلى التخلي عن حالة التقصير في التبرع، مقارنة بنسبة 4 إلى 27 في المائة في البلدان التي يختار المواطنون فيها المشاركة والتطوع). ويشعر الناس بحساسية كبيرة حيال الخسائر أكثر مما يشعرون حيال المكاسب المتناسبة (فإن خسارة 100 دولار تُشعرك بألم مضاعف أكثر من إحساس السعادة بالحصول على 100 دولار).
وإننا نميل إلى المبالغة في تقدير قيمة الحاضر (إذ يفضل معظمنا الحصول على كوب مجاني من القهوة الآن، بدلاً من كوبين مجانيين من القهوة في الأسبوع المقبل)، وعرض كثير من الخيارات ليس بالأمر الجيد على الدوام (فإن الناس أقل عرضة لشراء منتج من المنتجات، إذا ما تعرضوا لعشرات الخيارات، بدلاً من القليل من الخيارات).
وقد بدأنا في المجتمع الطبي، في الآونة الأخيرة، استكشاف كيف يمكن للاقتصاد السلوكي أن يعمل على تحسين الصحة. وكما هو الحال مع أي مجال من المجالات المهمة، هناك دائماً إمكانية لوجود الضجيج، ولكن مثل هذه الرؤى قد تكون ذات قيمة خاصة في مجال الرعاية الصحية، نظراً لأن عملية صنع القرار الطبي مفعمة بكثير من عدم اليقين والتعقيد والعاطفة؛ وكل هذه العوامل تجعل من الصعب كثيراً تحديد الخيارات المناسبة.
ومن رواد هذه الحركة الدكتور كيفين فولب، الطبيب في جامعة بنسلفانيا، المدير المؤسس لمركز المحفزات الصحية والاقتصاد السلوكي، وهو يشرف على تصميم التجارب العشوائية بشأن عدد من أهم التحديات في مجال الرعاية الصحية: توجيه الأطباء لتقديم الرعاية الصحية القائمة على الأدلة، وضمان تناول المرضى للأدوية، ومساعدة المستهلكين على اختيار أفضل الخطط الصحية.
ويقول الدكتور فولب: «لقد بدأنا في الحصول على اعتراف واسع النطاق بأن بيئات صناعة القرار في مجال الرعاية الصحية يمكن أن تعكس، وبصورة أفضل، الكيفية التي يتخذ بها الأطباء والمرضى القرارات».
وكان الدكتور فولب، الذي يستعين كل من القطاع العام والخاص بأعماله، قد تعاون في الآونة الأخيرة مع شركة «سي في إس كيرمارك» لاختبار المحفزات المالية الأكثر فعالية لدفع الموظفين للإقلاع عن التدخين. وقد انقسم الموظفون بصورة عشوائية إلى 3 مجموعات: المجموعة الأولى كانت «الرعاية الاعتيادية»، وفيها يحصل الموظفون على المواد التعليمية، ومساعدات الإقلاع عن التدخين، بصورة مجانية. والمجموعة الثانية كانت «برنامج المكافآت»، حيث يمكن للموظفين الحصول على ما يصل إلى 800 دولار على مدى 6 أشهر، إذا ما أقلعوا فعلاً عن التدخين. أما المجموعة الثالثة، فكانت «برنامج الودائع»، وفيه يدفع المدخنون مبدئياً أكثر من 150 دولاراً من أموالهم، ولكن إذا أقلعوا عن التدخين، فإنهم يحصلون على ودائعهم مرة أخرى، إلى جانب مكافأة بقيمة 650 دولاراً.
وبالمقارنة مع مجموعة «الرعاية الاعتيادية»، كان الموظفون في المجموعتين التحفيزيتين الأخريين أكثر عرضة لأن يقلعوا عن التدخين خلال 6 أشهر، ولكن كانت طبيعة المحفزات مهمة. وأولئك الذين عُرض عليهم برنامج المحفزات كانوا أكثر احتمالاً لقبول التحدي من أولئك الذين عُرض عليهم برنامج الودائع. ولكن برنامج الودائع كان أكثر فعالية بمقدار الضعف في تحفيز الموظفين على الإقلاع عن التدخين، وأكثر فعالية بمقدار 5 مرات من برنامج الوسائل التعليمية وعلكة النيكوتين؛ إن التخلي عن المال أمر مؤلم، ولكنه فعال.
وكان هذا من الدروس في الأبحاث التي يديرها الدكتور فولب حول تحفيز الناس لإنقاص الوزن وممارسة التدريبات أكثر من المعتاد. فقد قدم أحد الأبحاث المحفزات للمرضى من خلال إدخالهم في جوائز اليانصيب، أو في عقود الإيداع لتلبية أهداف إنقاص الوزن لديهم. وأولئك من مجموعة اليانصيب كانوا متأهلين لجائزة يانصيب يومية، مع دفعات صغيرة ومتكررة ومكافآت أخرى كبيرة في بعض الأحيان، ولكن إذا تمكنوا من إحراز هدفهم من إنقاص الوزن، أو أقل منه. والناس في مجموعة الإيداع، استثمروا أموالهم (وكانت بضعة دولارات فقط في اليوم، بوجه عام)، التي خضعت للمطابقة بواسطة الباحثين، وكانوا سوف يحصلون على أموالهم - وربما المزيد - إذا حققوا الأهداف المنشودة في نهاية الشهر.
وخلال 4 أشهر، فقدت كلتا المجموعتين أكثر من 3 أضعاف الوزن، بالمقارنة بمجموعة الضبط (نحو 14 رطلاً مقابل 4 أرطال)، ولكن مجموعة الإيداع فقدت وزناً أكثر بقليل من مجموعة اليانصيب. وهناك دراسة مماثلة خلصت إلى أن المرضى كانوا أكثر عرضة للمشي لمسافة 7 آلاف خطوة في اليوم، إذا تلقوا دفعة مالية مقدماً، وجزء من هذه الدفعة يلزم إعادته في كل يوم لا يلبون فيه هدف التمرين، مقارنة بأصحاب اليانصيب، أو المكافآت، أو عوامل التشجيع التقليدية القديمة.
ولقد سلطت أعمال أخرى الضوء على قوة الافتراضات، التي في مجال الرعاية الصحية قد يترتب عليها آثار الحياة أو الوفاة. وليس هناك مجال في الاتجاه الافتراضي السائد لدى الأطباء أكثر وضوحاً من انحيازنا نحو رعاية الأمراض المزمنة التي تفضل الكم على الكيف، وعلى نوعية الحياة.
ومع وضع هذا في الاعتبار، عكف الباحثون على دراسة ما إذا كان اختيار نوع الرعاية المتوفر لأصحاب الأمراض المزمنة يتأثر بالطريقة التي نعرض بها الخيارات. ولقد تم تكليف المرضى بأمراض مستعصية باستكمال إحدى 3 توجيهات مسبقة، وبصورة عشوائية: حيث تلقت المجموعة الأولى استمارة للمسار المعتمد على الراحة سالفة الاختيار، وتخيرت المجموعة الثانية مربع الرعاية الصارمة، أما المجموعة الثالثة فقد تركت كلا الخيارين فارغين. وكان المرضى أحراراً في تجاوز الخيار الافتراضي، وتخير أي خيار يفضلونه.
ما يقرب من 80 في المائة من المرضى في مجموعة الراحة الافتراضية اختاروا الراحة، بينما هناك 43 في المائة من المرضى في مجموعة الرعاية الصارمة الافتراضية اختاروا الرعاية الصارمة (ونسبة 61 في المائة من المرضى من دون الخيار الافتراضي المدمج تخيروا الراحة). وكما يبدو، فإن القرارات الحاسمة والمهمة للغاية حول الطريقة التي نريد أن نعيش بها أيامنا الأخيرة تتأثر بالأمور المسبقة على القائمة التي نختار منها.
وتراهن شركات التأمين الصحي أيضاً على أن الاقتصاد السلوكي من شأنه أن يحسن من نوعية الجودة، ويقلل التكاليف. وتستخدم شركة «بلو كروس بلو شيلد»، من ولاية ماساتشوستس، مجموعة متنوعة من مفاهيم الاقتصاد السلوكي من أجل التحسين المستمر، بدلاً من البدايات المطلقة. وفي ولاية هاواي، تجري الشركة نفسها التجارب، مع المحفزات المشتركة للأطباء والمرضى من أجل تحقيق أهداف مرضى السكري.
وتحاول الشركات الناشئة المشاركة في هذا المجال هي الأخرى، فشركة «ويلث» الناشئة من حي بروكلين، على سبيل المثال، عملت على تطوير تطبيق لمكافأة المرضى الذين يواظبون على تناول الأدوية. وما يقرب من ثلث الوصفات الطبية في الولايات المتحدة تلقى التجاهل من قبل المرضى، ونحو نصف المرضى لا يتناولون الأدوية بانتظام كما وصفها الطبيب، حتى بعد العرض لأمراض مهددة لحياتهم، مثل النوبات القلبية. وفي كل عام، يتسبب عدم الالتزام بتناول الأدوية في 125 ألف حالة وفاة، تكلف نظام الرعاية الصحية ما يقرب من 289 مليار دولار.
وتعتقد شركة «ويلث» الناشئة أنه بإمكانها مساعدة المرضى في إدارة أنفسهم.
يقول ماثير لوبر، رئيس مجلس إدارة الشركة والمؤسس المشارك: «نريد أن نعطيهم مكافآت فورية وحقيقية مقابل سلوكياتهم الصحية الجيدة. ولكن في نهاية المطاف، فإننا نعمل في مجال تشكيل العادات الشخصية، ونريد للسلوكيات أن تتماسك وتستمر».
إحدى المريضات خرجت من المستشفى بعد نوبة قلبية، وقامت بتحميل تطبيق شركة ويلث، وأودعت الشركة 150 دولاراً في حسابها الشخصي، المبلغ الذي سوف تحتفظ به إذا واظبت على تناول كل الأدوية الخاصة بها لمدة 3 أشهر كاملة. وفي كل صباح، ترسل شركة ويلث رسالة لتذكيرها بتناول الدواء. وإذا التقطت لنفسها صورة ذاتية وهي تتناول الدواء، يمكنها الاحتفاظ بالمبلغ المالي، وإذا نسيت تناول الدواء، تحصل على إخطار آخر من الشركة على مدى اليوم بأكمله، وربما رسالة نصية أو اثنتين. وإذا مر اليوم بالكامل من دون تناول الدواء، تخسر دولارين من حسابها. وإذا تجاهلت تناول الدواء لعدة أيام متتالية، تفقد 2 دولار عن كل يوم، وتتلقى مكالمة هاتفية بالإضافة إلى ذلك.
ويبدو أن النظرة الأكثر شمولاً للسلوك البشري صارت من الضروريات لمزيد من العلاج الفعال. والرعاية الصحية في جوهرها هي نتاج قرارات يومية لا عدد ولا حصر لها من ناحية الأطباء والمرضى، ومن خلال الكشف عن المحفزات الحقيقية لنا، فقد نتمكن من دفع بعضنا بعضاً في اتجاه اتخاذ القرارات الأكثر حكمة لأجل حياة أكثر صحة.

* خدمة «نيويورك تايمز»



المصانع الصينية تسجل أسرع معدل توسع في عام وسط ضغوط الحرب والطاقة

موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
TT

المصانع الصينية تسجل أسرع معدل توسع في عام وسط ضغوط الحرب والطاقة

موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)

أظهر مسح رسمي يوم الثلاثاء، أن نشاط المصانع في الصين نما خلال مارس (آذار) بأسرع وتيرة في 12 شهراً، مدفوعاً بتحسن الطلب المحلي والخارجي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة من اضطرابات سلاسل التوريد وتقلبات أسعار الطاقة الناجمة عن حرب الشرق الأوسط.

قفز مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 50.4 نقطة من 49 نقطة في فبراير (شباط)، متجاوزاً التوقعات عند 50.1 نقطة، ليعود إلى منطقة التوسع بعد أشهر من الانكماش. ويعكس هذا التحسن ارتياحاً مؤقتاً لصانعي السياسات، لكنه لا يلغي المخاوف من أن ارتفاع أسعار النفط قد يعرقل استمرار النمو.

وقال تشي وي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول: «التوقعات للربع الثاني غير واضحة، بالنظر إلى التأثير السلبي الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة»، مضيفاً أن السوق تزداد قلقاً من تباطؤ النمو العالمي وتعطيل سلاسل التوريد.

واستمر قطاع التصدير في دفع النمو خلال يناير (كانون الأول) وفبراير، بعد أن حققت الصين فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي، بدعم الطلب العالمي على الإلكترونيات وأشباه الموصلات. وأكدت وزارة التجارة أن الزخم سيستمر رغم الاضطرابات الجيوسياسية.

كما ارتفع مؤشر مديري المشتريات للقطاعات غير الصناعية -الخدمات والبناء- إلى 50.1 نقطة من 49.5 نقطة، مما يعكس تحسناً نسبياً في الأنشطة الاقتصادية غير التصنيعية.

ويرى محللو بنك «إيه إن زد» أن بيانات مؤشر مديري المشتريات تشير إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول سيتجاوز على الأرجح 4.5 في المائة، وهو الحد الأدنى لهدف بكين لهذا العام. لكن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة يضعان علامات استفهام حول قدرة الاقتصاد على الحفاظ على هذا الزخم.


أوروبا تتأهب لاضطراب طويل الأمد بأسواق الطاقة

مقر تخزين الغاز الأكبر في أوروبا بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
مقر تخزين الغاز الأكبر في أوروبا بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
TT

أوروبا تتأهب لاضطراب طويل الأمد بأسواق الطاقة

مقر تخزين الغاز الأكبر في أوروبا بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)
مقر تخزين الغاز الأكبر في أوروبا بمدينة ريدين الألمانية (رويترز)

قال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن، لوزراء من الدول الأعضاء، قبيل انعقاد اجتماع طارئ، الثلاثاء، إن على حكومات التكتل الاستعداد «لاضطراب طويل الأمد» في أسواق الطاقة نتيجة لحرب إيران.

وفي رسالة موجهة إلى وزراء الطاقة بتاريخ 30 مارس (آذار)، وفقاً لـ«رويترز»، قال يورغنسن إنه يحث الحكومات «على اتخاذ الاستعدادات اللازمة في الوقت المناسب؛ تحسباً لحدوث اضطراب طويل الأمد».

ويعني اعتماد أوروبا الشديد على الوقود المستورد أن القارة متأثرة بشدة بتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة صراع الشرق الأوسط.

وقفزت أسعار الغاز الأوروبية بأكثر من 70 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

ولم تتأثر إمدادات الاتحاد الأوروبي من النفط الخام والغاز الطبيعي بشكل مباشر بإغلاق مضيق هرمز؛ لأن أوروبا تشتري معظم الواردات من موردين خارج الشرق الأوسط.

ومع ذلك، قال يورغنسن إن بروكسل تشعر بالقلق تحديداً على الأمد القصير بشأن إمدادات أوروبا من المنتجات النفطية المكررة، مثل وقود الطائرات والديزل.

وجاء في الرسالة أن على الحكومات تجنب اتخاذ تدابير من شأنها زيادة استهلاك الوقود أو تقييد تجارة المنتجات النفطية أو تثبيط الإنتاج في المصافي الأوروبية التي تتعامل مع هذه المنتجات.

وقالت الرسالة: «نشجع الدول الأعضاء على تأجيل أي أعمال صيانة غير طارئة للمصافي».


تضخم منطقة اليورو يقفز إلى 2.5 % بفعل صدمة أسعار الطاقة

أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)
أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)
TT

تضخم منطقة اليورو يقفز إلى 2.5 % بفعل صدمة أسعار الطاقة

أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)
أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)

تجاوز التضخم في منطقة اليورو هذا الشهر هدف «البنك المركزي الأوروبي» البالغ اثنين في المائة؛ نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز؛ مما زاد من تعقيد معضلة السياسة النقدية. وفي حين تعوق أسعار الطاقة المرتفعة النمو الاقتصادي، فإنها تُنذر أيضاً بخطر دوامة تضخمية متفاقمة.

وتضاعفت أسعار النفط تقريباً بفعل الحرب الإيرانية، ويبحث «البنك المركزي الأوروبي» حالياً رفع أسعار الفائدة لاحتواء تأثير هذه الارتفاعات على أسعار السلع والخدمات الأخرى. وارتفع التضخم الإجمالي في الدول الـ21 المشتركة في العملة الأوروبية الموحدة إلى 2.5 في المائة خلال مارس (آذار) 2026، مقارنة بـ1.9 في المائة خلال فبراير (شباط) الذي سبقه. وهذا أقل قليلاً من توقعات الاقتصاديين البالغة 2.6 في المائة باستطلاع أجرته «رويترز»، مع زيادة تكاليف الطاقة بنسبة 4.9 في المائة.

في المقابل، تراجع مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، إلى 2.3 في المائة مقارنة بـ2.4 في المائة خلال الشهر السابق، وفق بيانات «يوروستات» الصادرة يوم الثلاثاء.

هل يرفع «البنك» أسعار الفائدة أم يتجاهل الوضع؟

تشير النظرية الاقتصادية الأساسية إلى أن البنوك المركزية ينبغي أن تتجاهل الصدمات السعرية العابرة الناتجة عن اضطرابات الإمداد، لا سيما أن السياسة النقدية تعمل بتأخيرات زمنية طويلة.

لكن الارتفاع السريع في أسعار الطاقة قد يتفاقم إذا بدأت الشركات تمرير التكاليف إلى أسعار البيع، وبدأ العمال المطالبة بزيادة أجورهم لتعويض تآكل دخلهم المتاح. كما قد يبدأ الجمهور التشكيك في عزيمة «البنك المركزي الأوروبي» إذا بدا متردداً؛ مما يعزز الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة حتى في حال حدوث موجات تضخم «كبيرة لكنها مؤقتة»، كما صرحت رئيسة «البنك المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، الأسبوع الماضي.

وتتوقع الأسواق المالية الآن 3 زيادات في أسعار الفائدة خلال العام، على أن تكون الأولى في أبريل (نيسان) أو يونيو (حزيران). وأشار بعض صناع السياسات، مثل رئيس «البنك المركزي الألماني» المؤثر، يواكيم ناغل، إلى أن رفع سعر الفائدة في أبريل خيار مطروح، فيما حذر آخرون، بمن فيهم عضو مجلس إدارة «البنك المركزي الأوروبي»، إيزابيل شنابل، من التسرع في اتخاذ أي قرار.

إلا إن جميع صناع السياسات يتفقون على ضرورة تحرك «البنك المركزي» إذا بدأت أسعار الطاقة توليد موجة ثانية من ضغوط الأسعار، خصوصاً بعد أن تجاوز التضخم المحلي اثنين في المائة سنوات عدة.

وانخفض تضخم الخدمات، وهو البند الأكبر في سلة أسعار المستهلك والمؤشر الرئيسي للتضخم المحلي، إلى 3.2 في المائة خلال مارس من 3.4 في المائة في الشهر السابق.

ويُعزى جزء من الأزمة الحالية إلى تأخر «البنك المركزي الأوروبي» في التعاطي مع التضخم خلال 2021 - 2022 حين جادل لفترة طويلة بأن الارتفاع مؤقت وسيزول، ولم يبدأ رفع أسعار الفائدة إلا بعد أن بلغ نمو الأسعار 8 في المائة، مما اضطره إلى الدخول في أشد دورة تشديد نقدي في تاريخه.

لكن الوضع الراهن مختلف تماماً عن 2022؛ إذ ترتفع أسعار الفائدة بالفعل، والسياسات المالية أكبر تشدداً، وسوق العمل تشهد تراجعاً مستمراً منذ أشهر، دون وجود طلب مكبوت نتيجة إجراءات الإغلاق خلال الجائحة.

ومن المقرر أن يعقد «البنك المركزي الأوروبي» اجتماعه المقبل في 30 أبريل 2026.