أعلنت دولة قطر اتفاقها مع روسيا على إجراء تحقيق دقيق وموضوعي بشأن الهجوم الكيماوي على بلدة خان شيخون بريف محافظة إدلب، وأصرّت قطر على تحديد آلية لفرز المعارضة السورية المعتدلة عن الجماعات المتشددة. وشددت الدولتان على دعم حلبة آستانة لمفاوضات السوريين في إطار التسوية.
جاءت هذه المواقف خلال المباحثات التي أجراها وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يوم أمس في العاصمة الروسية موسكو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، حيث أكد الجانبان سعيهما لتجاوز الخلافات بشأن الأزمة السورية وإيجاد حل سلمي لها وفق المرجعيات الدولية. وأكد وزير الخارجية القطري على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الهجوم الكيماوي على خان شيخون، الذي أوقع أكثر من مائة قتيل ونحو 500 مصاب.
وقال لـ«الشرق الأوسط» الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وزير الخارجية القطري، عقب لقائه وزير الخارجية الروسي في موسكو: «أجرينا مباحثات مكثفة اليوم (أمس) في موسكو مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وتركزت مباحثاتنا حول الوضع الراهن في سوريا، ولا سيما التطورات الأخيرة في أعقاب مجزرة خان شيخون، التي استخدم فيها النظام الأسلحة الكيماوية بحق المدنيين والأطفال والنساء».
ومضى وزير الخارجية القطري قائلاً: «وجدّدت التأكيد على إدانة هذه المجزرة المروّعة، وضرورة تقديم مرتكبيها إلى المحاسبة الدولية، وعدم إفلاتهم من العقاب».
وأضاف: «روسيا لاعب مهم في المعادلة السورية، ونحن نعوّل دائماً على الحوار والتشاور البنّاء فيما نختلف فيه. ودائماً ما نضع مصلحة الشعب السوري والحالة الإنسانية المتدهورة التي يتعرض لها الأهالي نصب أعيننا في جميع المباحثات التي نخوضها مع مختلف الأطراف». وعن موضوعات الخلاف مع الجانب الروسي، قال الشيخ محمد آل ثاني: «هناك نقاط نتفق عليها مع الروس، وهناك أيضاً ما نختلف بشأنه، ولقد أكدت بأن دولة قطر ترفض التقسيم أو التغيير الديموغرافي في سوريا، وأن (جنيف 1) وقرار مجلس الأمن 2254 هما اللبنة الأساسية لأي حل سياسي يُطرَح لإنهاء الأزمة، وموقف دولة قطر ثابت حول دعم الشعب السوري الشقيق».
وأضاف: «لا بد للمجتمع الدولي من التحرك لإنهاء سياسة التجويع والحصار، وأن تتحرك الدول الفاعلة في الضغط من أجل وقف استخدام النظام الأسلحة المحرمة دولياً، والمساهمة الإيجابية في إحلال السلام والأمن».
وخلال مؤتمر صحافي للوزيرين قال الشيخ محمد: «نطالب بتحقيق دقيق وموضوعي بشأن ما حدث في خان شيخون. لقد بحثنا قضية الهجوم المفجع، واتفقنا على ضرورة إجراء تحقيق مستقل وموضوعي»، مشيراً إلى أن «حل الأزمة السورية ينبغي أن يستند إلى القرارات الدولية ذات الصلة». ثم أضاف: «نحن مستعدون لدعم جهود لجنة التحقيق فيما حدث في خان شيخون، لكن إذا كانت مخرجات هذه اللجنة غير قابلة للتفعيل فإن الأمر سيكون مجرد وضع عراقيل، وهنا يأتي دور المحاسبة». وتابع الوزير القطري: «يجب أن نؤكد على ضرورة التزام كل الدولة لنتائج التحقيق، ولتكون هناك محاسبة لمرتكبي الجرائم، لأن تكرار الجرائم هو بسبب الإفلات من العقاب، لذلك غياب الردع عن مثل هذه الجرائم سبب رئيسي لتكرارها».
في المقابل، قال لافروف موجهاً حديثه للوزير آل ثاني: «في ظل مرور العلاقات الدولية بهذا الوقت العصيب ينبغي علينا ألا نفقد مرونتنا في الاتصال ومناقشة الاتفاقات الثنائية، والتي منها بالطبع تعاوننا فيما يتعلق بالقضايا الدولية وعلى رأسها قضايا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، وأردف الوزير الروسي: «نشدد على ضرورة التحقيق المستقل تحت رعاية منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وسنواصل المطالبة في الأمم المتحدة بالتحقيق في الحادث». ثم قال: «بحثنا مع الجانب القطري الأزمة السورية والأوضاع في ليبيا واليمن والتسوية الشرق أوسطية... ومما لا شك فيه أننا متمسكون بالحل السلمي للأزمات التي أشرت إليها. وفيما يتعلق بسوريا، يطالب بلدانا بضمان الوقف التام لإطلاق النار بين الحكومة والمعارضة المسلحة، ومواصلة مكافحة تنظيمي داعش وجبهة النصرة والعمل على تحقيق الحل السياسي العاجل للأزمة السورية استنادا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الشأن».
واستطرد لافروف قائلاً: «الإشارات التي تلقيناها بشكل مباشر من المعارضة المسلحة، تؤكد استعدادها لحضور اجتماعات آستانة يومي الـ3 والـ4 من مايو (أيار) المقبل. وأعربت قطر عن استعدادها لدعم هذه العملية مستفيدة من الاتصالات المتوفرة لديها، كما أكد الزملاء الأتراك لنا أن المعارضة المذكورة سوف تشارك في هذه الاجتماعات».
وحول آستانة، قال وزير الخارجية القطري: «بحثنا مع الجانب الروسي الاتصالات المستمرة بين موسكو وأنقرة على حلبة آستانة، وأعربنا عن تأييدنا هذه المفاوضات، بما يخدم عملية جنيف للتسوية في سوريا».
وأوضح: «غاية في الأهمية إجراء تحقيق مستقل وموضوعي للكشف عن ملابسات ما حدث في (محافظة) إدلب ومحاسبة المتورطين، وهذا ما يحملنا على دعم جميع الجهود التي تصب في هذا الاتجاه»، وأن قطر تدعم عملية آستانة بشأن سوريا.
أما على صعيد العلاقات بين بلاده وروسيا وتباين وجهات النظر تجاه الأزمة السورية، فاعتبر الوزير القطري أن الخلافات حول سوريا «غير مستعصية وقابلة للتسوية»، مضيفاً: «نتفق مع الجانب الروسي على كثير من النقاط التي أهمها: احترام وحدة الأراضي السورية ووقف معاناة الشعب السوري.. ولا أخفي حقيقة وجود بعض الخلافات بين بلادنا وروسيا حول كيفية تحقيق هذه الأهداف المشتركة، إلا أنني آمل في أن نتمكن عبر الحوار البناء من تجاوز الخلاف والانتقال إلى مرحلة إحلال الأمن والاستقرار في سوريا في أسرع وقت ممكن».
اللافت خلال المؤتمر الصحافي أن وزير الخارجية الروسي لافروف شدد على أهمية تنسيق الجهود في عملية آستانة حول الأزمة السورية مع دول الخليج العربي. إذ قال إنه «من المهم جدا تنسيق الجهود بين الأطراف المنخرطة في عملية آستانة وقطر، وكذلك مع كل دول الخليج العربي»، ولفت إلى أنه «سيكون مثالياً لو أن يجري التنسيق مع جميع القوى التي لها تأثير على هذه المجموعة أو تلك من مجموعات المعارضة السورية المسلحة».
كذلك كان لافتاً بحث الوزيرين مسألة الفصل بين المعارضة والمجموعات الإرهابية، وبينما رأى لافروف أن المعيار الذي يحدد مَن هو «معارض» ومَن هو «إرهابي» هو مدى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، باستثناء «جبهة النصرة» و«داعش»، أعرب وزير الخارجية القطري عن قناعته بأن «ضمان الفصل بين المعارضة والمجموعات الإرهابية، يتطلب خلق بيئة مناسبة للتوصل إلى تسوية سياسية، ومنح الناس بعض الأمل»، لافتاً إلى أنه «في بعض الأحيان يدفع اليأس بالناس إلى التعاون مع المنظمات الإرهابية». وتابع الوزير القطري: «لا بد من العمل لخلق ظروف مناسبة لإنجاز عملية الفصل، وكي يصبح الشعب السوري والمعارضة أقوى سلاح في الحرب ضد الإرهاب».
وحول عملية إجلاء سكان بلدتي الفوعة وكفريا مقابل سكان مدينتي الزبداني ومضايا، رفض الوزير القطري الاتهامات بأن قطر «تشارك في تغيرات ديمغرافية في سوريا»، وقال إن «قطر لم تشارك يوماً في تغيرات ديمغرافية. ونحن لا ننظر إلى انتماء سكان هذه القرية أو تلك إن كانوا سنة أم شيعة، بل ننظر إليهم جيمعاً باعتبارهم سوريين... وننطلق من دواعٍ إنسانية بالمطلق». وأردف: «تلك المدن كلها كانت تخضع لحصار شديد، وكان الوضع الإنساني هناك معقداً للغاية، وهذه هي الأمور الأكثر أهمية خلال فتح ممرات إنسانية».
الجدير بالذكر أن زيارة وزير الخارجية القطري لروسيا جاءت في خضم حراك سياسي تمحور حول الأزمة السورية شهدته موسكو، التي زارها قبله وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ووزير خارجية إيران جواد ظريف ووزير خارجية نظام دمشق وليد المعلم.
اتفاق روسي ـ قطري على إجراء تحقيق دولي في الهجوم الكيماوي ودعم {آستانة}
وزير خارجية قطر لـ «الشرق الأوسط»: نرفض التغيير الديموغرافي في سوريا ومتمسكون بـ«جنيف 1»
اتفاق روسي ـ قطري على إجراء تحقيق دولي في الهجوم الكيماوي ودعم {آستانة}
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة











