لدينا هنا مخطوطة من «المصحف الأزرق» وهو أحد أهم المصاحف الأولى في التاريخ، بحماسها المعهود تنطلق سارة بلمبلي رئيسة قسم الفن الإسلامي والهندي في دار كريستيز مستعرضة أهم قطعة في مزاد «فنون العالم الإسلامي والهندي» الذي يعقد الخميس 27 أبريل (نيسان) الحالي. وخلال جولة حصرية داخل قسم الفن الإسلامي بمقر الدار في سانت جيمس بلندن، استعرضت بلمبلي نتاج أشهر من الإعداد والبحث تناثرت حولها ما بين المخطوطات واللوحات والنحاسيات والمجوهرات وغيرها. تشير إلى أن المزاد يضم مجموعة كبيرة من المصاحف النادرة، وتبدأ في استعراض أهمها من الناحية التاريخية والفنية.
* المصحف الأزرق الغامض
البداية بالطبع كانت مع «المصحف الأزرق» وهو أشهر النماذج الأولى لكتابة المصحف بالخط الكوفي على رقع من الجلد، تشير إلى أن هناك الكثير من الغموض حوله، فالموجود منه صحائف قليلة موزعة على مجموعات خاصة وتظل شخصية الخطاط والشخصية التي كلفت بكتابته خفية عن الأعين مع باقي أجزاء المصحف التي لم يعثر عليها حتى الآن.
ومع غياب الحقائق يستطيع الخبير الفني الاستنتاج اعتمادا على مقاربات ومقارنات مع قطع أخرى، وهو ما فعلته بلمبلي، تقول: «نعتقد أن المصحف تمت كتابته تلبية لطلب شخصية هامة قد يكون خليفة أو حاكما، وهو ما نستنتجه من الفخامة التي تنضح منه فهو كتب بالكامل بالذهب والفضة على رقع من جلد الحيوان». وننظر مرة أخرى للرقعة أمامنا والتي تحمل سطورا معدودة وأسألها، كم عدد صفحات هذا المصحف؟ تقول: «أتوقع أنه كان ضخما، ربما 800 صفحة».
شخصية الخطاط والمالك ما زالتا محل تخمين، خاصة أن الصفحات الأولى والأخيرة مفقودة، «في العادة نجد معلومات تدل على الخطاط أو المالك في أول أو آخر صفحة على هيئة توقيع أو ملاحظات أو تدوينات من المالك تساعدنا في تضييق نطاق البحث». الغموض يكتنف أيضا المكان الذي كتب فيه المصحف، فما زال هناك جدل كبير حول هذه النقطة، وإن كان كثير من الخبراء يميلون إلى أن المصحف كتب في مدينة القيروان بتونس بسبب وجود معلومات في الأرشيف هناك حول مصحف بنفس الأوصاف مكتوب بالذهب على أرضية زرقاء.
تؤكد على ندرة ظهور صحائف المصحف في المزادات العامة، «خلال عشرة أعوام رأيت ثلاثة فقط معروضة للبيع، ونعرض رقعتين من هذا المصحف في هذا المزاد وهما من مقتنيات جامع تحف ألماني». ويؤكد السعر المتوقع لكل رقعة (100 ألف - 150 ألف جنيه إسترليني) تلك الندرة والأهمية.
* مصحف بارتفاع 200 متر
وبما أن أهم القطع في المزاد هي المصاحف النادرة تضع بلمبلي أمامنا رقعة ضخمة عليها سطر واحد من المصحف الكريم، تقول معلقة على حجم الرقعة: «نتوقع أن ارتفاع المصحف كان 200 متر بعرض متر واحد». المصحف يعود للقرن الثالث عشر أو أوائل الرابع عشر وتشير بعض المصادر إلى أن الخطاط كان هو بايسنقر بن شاهْرُخ بن تيمور، حَكمَ خراسان وأذربيجان وهو فنان ومن أمراء التيموريين، إلا أن بلمبلي تشير إلى أن ذلك قد لا يكون صحيحا، فليس من المعقول أن يكون لديه الوقت وخاصة بحكم منصبه أن يخط مصحفا بهذا الحجم، وتشير إلى نظرية أقرب: «يظن البعض أن المصحف كتبه الخطاط الشهير عمر عطار لإهدائه لجد بايسنقر». وتستشهد بقصة طريفة: «أراد عطار أن يبهر السلطان بمهارته في الخط وأمضى أعوامه في كتابة أصغر مصحف في العالم يستطيع السلطان إخفاءه داخل خاتمه ولكن السلطان لم يظهر أي انبهار به، فقرر الخطاط أن يكتب أكبر مصحف في العالم، وكان هذا المصحف. ويحكى أنه احتاج لعربة تجرها الأحصنة لنقل المخطوط الضخم لقصر تيمور».
* كتبه العبد الضعيف النحيف
المصحف الثالث في المزاد خطه الخطاط الشهير أحمد الرومي في النصف الأول من القرن الرابع عشر ميلادي. ما يجعل هذا المصحف نادرا للغاية هو أن الخطاط الرومي لم يعثر على أي من أعماله ما عدا واحد ويأتي هذا المصحف ليكون أول مصحف يكتشف بخطه. والرومي أحد ستة من تلاميذ الخطاط الشهير ياقوت المستعصمي والذي يعتبر «أبو الخط العربي» وعاش في بغداد. يوقع الرومي في نهاية المصحف بالجملة التالية: «تمت كتابة المصحف الشريف بعناية الصمد اللطيف على يد العبد الضعيف النحيف أحمد الرومي». السعر المقدر للمصحف (400 - 600 ألف جنيه إسترليني).
ومن أرض فارس ومن عهد الصفويين يأتي المصحف الرابع في المزاد وكتب في شيراز في الفترة ما بين 1570 - 1580 ويعد أفضل تجسيد لفن الزخارف في تلك الفترة.
* أسلحة ومجوهرات
ولا يخلو مزاد لفنون العالم الإسلامي من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وهو ما نجده هنا أيضا، ولكن بحكم المكان المحدود استطعنا فقط رؤية عدد من الخناجر ذات المقابض المصنوعة من اليشم ومن الكريستال الصخري. الأول يحمل مقبضا من اليشم تم تشكيله بحيث يمثل رقبة الحصان ورأسه، ويراعي الفنان فيه تفاصيل عرف الفرس بدقة وبراعة تعكس تأثر الفنان بالاهتمام السائد بالواقعية في التصوير.
الخنجر الثاني يتميز بمقبض من الكريستال الصخري صنع في الهند في بداية القرن الثامن عشر، وهو عصر اشتهر فيه المغول بمهارتهم في نحت وتشكيل الكريستال الصخري واليشم.
ومن المجوهرات التي لا بد لنا من التوقف أمامها، نرى حجرا أخضر كريما وقد حفر عليه آية من المصحف ببراعة تشهد للفنان وهو ما تؤكده بلمبلي مشيرة إلى أن هذا النوع من النقوش نادر. الحجر الذي يبدو أن مالكه الحالي حوله لـ«تعليقة» محاطة ببرواز من الذهب، صنع في إيران بالقرن التاسع عشر.
* علبة قلم برسم من العهد الصفوي
تشير الخبيرة لعلبة طويلة من الخشب تحمل رسما جميلا عليها تبدو فيه سيدة أرستقراطية هندية الملامح وهي مرتدية رداء فاخرا وهي تتنزه في حديقة غناء. ويبدو أن الفنان قرر أن يرسم على كل الأجزاء الظاهرة والمخفية من تلك العلبة الأنيقة، وتفنن في رسم الزهور المختلفة ليستكمل مشهد الحديقة. العلبة تعود لعهد الصفويين ويبدو أنها متأثرة بالفن الأوروبي.
* سفير لويس الخامس عشر في حضرة السلطان
القطعة الأخيرة مفاجأة، لوحتان لمشهد في قصر عثماني، الأول لسفير الملك لويس الخامس عشر في تركيا جالسا في حضرة الوزير الأكبر على وسادة بينما يقف وراءه رجال البلاط العثماني، وإلى جانبهم صرة من الملابس نعرف أنها هدية من الوزير للسفير ليرتديها عند تقديم أوراقه للسلطان عثمان الثالث. وفي اللوحة الثانية نرى السفير مرتديا تلك الملابس واقفا أمام السلطان محاطا بنفس الأشخاص كما في اللوحة السابقة. تقول بلمبلي إن الفنان الذي رسم الصورة الحالية قد يكون نحاتا من القسطنطينية نقلا عن اللوحة الأصلية التي نفذها الفرنسي أنطوان دو فافري.
{المصحف الأزرق} يظهر مرة أخرى في مزاد للفن الإسلامي
ضمن مجموعة نادرة من المصاحف والتحف تعرضها كريستيز
المصحف الأزرق مكتوب بالذهب والفضة على الجلد (كريستيز) - مصحف نادر كتبه الخطاط الشهير أحمد الرومي
{المصحف الأزرق} يظهر مرة أخرى في مزاد للفن الإسلامي
المصحف الأزرق مكتوب بالذهب والفضة على الجلد (كريستيز) - مصحف نادر كتبه الخطاط الشهير أحمد الرومي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

