أبحاث دولية حول «سيكولوجية الإرهابيين»

الأفكار المتشددة تحول قلة من حامليها إلى متطرفين

ريتشارد ريد صاحب الحذاء المفخخ أمضى جلسات الاستماع في المحكمة الفيدرالية الأميركية منصتاً وغير مكترث  («الشرق الأوسط»)
ريتشارد ريد صاحب الحذاء المفخخ أمضى جلسات الاستماع في المحكمة الفيدرالية الأميركية منصتاً وغير مكترث («الشرق الأوسط»)
TT

أبحاث دولية حول «سيكولوجية الإرهابيين»

ريتشارد ريد صاحب الحذاء المفخخ أمضى جلسات الاستماع في المحكمة الفيدرالية الأميركية منصتاً وغير مكترث  («الشرق الأوسط»)
ريتشارد ريد صاحب الحذاء المفخخ أمضى جلسات الاستماع في المحكمة الفيدرالية الأميركية منصتاً وغير مكترث («الشرق الأوسط»)

في سلسلة من الأبحاث الدولية التي شارك فيها باحثون في علم النفس من عدة دول في العالم، نشرت مجلة جمعية علم النفس الأميركية APA إصدارا خاصا حول سيكولوجية الإرهاب.
وتناولت الأبحاث المنشورة في العدد الخاص من مجلة «أميركان سيكولوجيست» مواضيع تبحث في دوافع تحول بعض الأفراد لتبني الأفكار المتشددة، وكيفية التنبؤ بتحولهم إلى إرهابيين، وعمليات الانتقال التدريجي من تبني التطرف السلمي نحو التطرف الإرهابي، ودور المجموعات السكانية في منع الشباب من الوقوع في فخ التطرف العنيف.
ويطرح علماء النفس دوما تساؤلات مثل: لماذا يتحول بعض الأشخاص من ذوي الأفكار المتشددة إلى إرهابيين بينما لا يتحول أغلب الآخرين من حملة تلك الأفكار؟ وما هي الأسباب التي تدفع البعض إلى القيام بأعمال عدوانية متطرفة؟ كما يطرحون أيضا تساؤلات حول العلاقة بين الأمراض العصبية وبين الانخراط في النشاط الإرهابي، وأخيرا يتساءلون عن دوافع المحققين لاستخدام طرق التهديد والتعذيب بينما تشير كثير من الدلائل إلى أن بناء علاقة مع المشتبه بهم، أو المناصحة، تقدم نتائج أفضل.
وقال الدكتور جون هورغان البروفسور في جامعة جورجيا للدولة، الذي استضافته المجلة بوصفه «رئيس تحرير - ضيف» لهذا العدد الخاص أن «الإرهاب يمثل أكثر المشاكل الاجتماعية تعقيدا في عصرنا الراهن». وأضاف أن «كثيرا من المناهج الأكاديمية تبذل الجهود لفهم الإرهاب، إلا أن كيفية التنبؤ بوقوع الحدث الإرهابي ودرئه، لا تزال غير معلومة. ولذا فإن الحاجة أصبحت ماسة لتدخل علم النفس بقوة في هذا المجال».

تفريق بين الفكر والإرهاب
من بين الأبحاث المنشورة بحث للدكتور كلارك ماكاوي والدكتورة صوفيا ماسكولينكو من كلية براين ماور الأميركية بعنوان «نموذج الهرمين» الذي يتناولان فيه مسألة التفريق بين «الرأي المتشدد» و«العمل المتطرف». ويقدم الباحثان استنتاجا مفاده أن التحول الجذري نحو «حمل الأفكار المتشددة» يمثل ظاهرة سيكولوجية تختلف عن ظاهرة التحول الجذري نحو «تنفيذ العمل المتطرف».
ولذا يصف الباحثان أولا «هرم الرأي» الذي يتألف من الأشخاص الذين يتشاركون بمستويات متسارعة من الأفكار المتشددة، ويصفون ثانيا «هرم الفعل المتطرف»، حيث تتدرج المستويات من مستوى السلبية إلى الانخراط في النشاط الحقوقي، إلى العمل السياسي العنفي، وإلى الإرهاب.
وقالت الدكتورة صوفيا ماسكولينكو في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» لدى سؤالها عن مفهوم «الهرمين» والسبب الذي حدا بها إلى طرحه، أن «الدراسات السيكولوجية حول التشدد والإرهاب لم تبدأ إلا أخيرا، وأن كثيرا من الناس والاختصاصيين يخلطون بين الرأي المتشدد وبين الفعل الإرهابي». وأضافت أن «الفرق كبير جدا بين حمل رأي معين وبين تنفيذ أي فعل لتبرير هذا الرأي، فكثير من الناس يتحدثون عن آرائهم بضرورة تدوير النفايات، إلا أنهم لا ينفذونها بالضرورة». أما عن طرح مفهوم «الهرم» فأجابت ماسكولينكو أن الهرم يمثل شكلا هندسيا بقاعدة عريضة من الأشخاص الذين يحملون الآراء نفسها إلا أنهم خاملون، أما عند قمة الهرم فيوجد عدد صغير جدا من الأشخاص الذين دفعتهم تلك الآراء إلى تنفيذ فعل متطرف.
وأضافت الباحثة الأميركية أن «تبرير وجود نموذج الهرمين ينبع من الملاحظات المستقاة التي تشير إلى أن 99 في المائة من حاملي الفكر المتشدد لا ينفذون أي أفعال... ولذا فإن كثيرين يلتحقون بالعمليات الإرهابية من دون حملهم لأفكار متشددة».
واعتبرت أن البرامج المعدة لمكافحة الأفكار المتشددة التي لا تفرق بينها وبين التطرف العنفي أو الإرهاب، ستؤدي وبلا مبرر إلى مضاعفة التهديدات الإرهابية.

سيكولوجية الإذلال
وقدم الدكتور كلارك ماكولي أيضا ولشكل منفصل دراسة عن «سيكولوجية الإذلال والصراع غير المتكافئ» تناول فيه كيف يصبح الإذلال (وهو توليفة من الشعور بالعار والشعور بالغضب)، وفي أغلب الأحوال، العامل الرئيسي لتصاعد الأعمال الإرهابية.
وأضاف أن الدراسات حول سيكولوجية الإذلال لا تزال في بداياتها. وقال: «عندما يناقش المحللون دور الإذلال في وقوع الحروب، والإرهاب، والتطهير العرقي، فإنهم يتحدثون في الغالب وكأنهم يفهمون العواقب الناجمة عن الإذلال... إلا أن الحقيقة تقتضي أن نفهم الإذلال جيدا قبل أن نحاول فهم العنف الذي يجري بين المجموعات».
وتعتبر الأبحاث في مجال الإذلال حيوية لفهم ردود أفعال الحكومات على الإرهاب - وهو الأمر الذي يعتبره الكاتب غير مدروس بما فيه الكفاية من قبل الاختصاصيين في الإرهاب.
وقال: «ربما أن أكثر العواقب المفزعة لهذه التحليلات أن الإذلال لا يصيب الضعفاء فقط، إذ إن الأقوياء يمكن أيضا أن يتعرضوا له من قبل الضعفاء، إن لم تتمكن السلطات من ردع المجرمين مباشرة».

كشف الإرهابي المحتمل
وفي بحث آخر أعده الدكتور كيران سارما من الجامعة الوطنية بآيرلندا تحت عنوان «تقييم المخاطر ودرء التحول الراديكالي من اللاعنف إلى الإرهاب»، طرح التساؤل المحير حول ما إذا كان بالإمكان رصد وكشف الأشخاص الذين ينخرطون أو لا ينخرطون في الأعمال الإرهابية في المستقبل. ويظل هذا التساؤل محوريا لسلطات الأمن.
ويناقش الباحث تحديات تقييم المخاطر لدى الإرهابيين المحتملين، ويصف أساليب التحري الحالية للمشتبه بهم لرصد احتمالات تحولهم إلى عناصر إرهابية قائلا إنها لا تصمد أمام التحديات الأخلاقية والتجريبية. ولذا فإنه يؤكد على ضرورة اللجوء إلى ما يسميه «الحكم الهيكلي» أي التوصل إلى الحكم البشري لأصحاب القرار أو المحققين الذي عليهم القيام بجمع وتقييم وتركيب المعلومات قبل اتخاذ قراراتهم وإصدار أحكامهم.
وقدم الدكتور بول جيل والدكتورة إيميلي كورنر الباحثان بجامعة يونيفرسيتي كوليدج - لندن دراسة عن دور الأمراض العقلية في الانخراط بالأعمال الإرهابية.
وبعد تدقيقهما في الأبحاث التي أجريت على مدى 40 سنة في هذا المجال لم يتوصل الباحثان إلى استنتاج محدد لشخصية الإرهابي النفسية (البروفايل السيكولوجي). وقالا إن الدلائل المتوفرة تشير إلى وجود خصائص سيكولوجية تكون موجودة على الأكثر لدى الإرهابي تختلف عن خصائص أفراد الجمهور الآخرين، إذ إن لدى الإرهابيين معدلات عالية من الاضطرابات العقلية. وأضافا أنه لا يوجد اضطراب عقلي متميز منفرد يمكنه التنبؤ بتحول الشخص إلى إرهابي.

ممانعة المواطنين للإرهاب
وقدمت الدكتورة هيدي إيليس من كلية الطب في جامعة هارفارد ومستشفى الأطفال في بوسطن والدكتورة سعدية عبدي الطبيبة في المستشفة والباحثة في كلية الأعمال الاجتماعية بجامعة بوسطن تقريرهما الموسوم «بناء مجموعات سكانية مرنة وممانعة للتطرف العنفي عبر عملية التعاون الحقيقي الأصيل».
واعتبرت الباحثتان أن التواصل بين أفراد المجموعات يمثل أساس تحولها إلى كتل مرنة يمكنها منع الشباب من الانزلاق إلى تبني الأفكار المتشددة والعنف. وأشارتا إلى المبادرات الحالية التي تثير الجدل، وقالتا إن من الأفضل بناء علاقات صحية سليمة بين الهيئات الحكومية وبين أفراد المجموعات السكانية، وهو الأمر الذي سيتيح حصول السلطات على إشارات إنذار مبكر لمنع وقول الأعمال الإرهابية.
وفي تقريرهما الموسوم «الانتقام بدلا من الصلة» قال الدكتور لورنس أليسون والدكتورة إيميلي أليسون الباحثان في جامعة ليفربول، إن الفكرة القائلة بأن توليد الإحباط والفزع والخوف تشكل استراتيجية معتمدة للكشف عن المعلومات لدى المشتبه بهم، تناقض نتائج الأبحاث الجارية. وأضافا أن أساليب مثل الحرمان من النوم والتعريض للحرارة العالية والبرد الشديد وعملية حشر الجسم تؤدي بالفعل إلى اضطراب عملية التذكر وتقود إلى تشويه المعلومات المستقاة من المشتبه بهم.
وتجدر الإشارة إلى أن جمعية علم النفس الأميركية تضم نحو 116 ألفا من الباحثين والتربويين والأطباء والاستشاريين.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.