صناعة الإعلانات على الإنترنت تمر بمرحلة «التأمل الذاتي»

الحواسيب لم تستطع بعد تمييز «المحتوى العنصري» وطرده خارج سوقها

صناعة الإعلانات على الإنترنت تمر بمرحلة «التأمل الذاتي»
TT

صناعة الإعلانات على الإنترنت تمر بمرحلة «التأمل الذاتي»

صناعة الإعلانات على الإنترنت تمر بمرحلة «التأمل الذاتي»

بكل تأكيد، إنها تدعم الكثير من وسائل الإعلام وتكنولوجيا الأعمال اليوم. وهي تعطينا شبكات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث – وأيضا، هل يمكنك أن تتركني أشاهد الفيديو الخاص بي كما أشاء؟ لماذا تدفعني إلى المكوث لمدة 30 ثانية لمشاهدة رجل يحاول أن يبيع لي بوليصة لتأمين القوارب؟
ما أحاول أن أقوله هو، الناس يتميزون غضبا وسخطا عندما يفكرون في صناعة الإعلانات الحديثة.
وهذه النزعة اللاعقلانية تجعل الأمور أكثر صعوبة عند التحدث بصراحة حول ما يجري بالفعل عندما تتصدر أعمال الإعلانات عناوين الأخبار. ومن الصعب بشكل خاص اتخاذ موقف دقيق عند الحديث عن «الإعلانات البرنامجية» – وهي الإعلانات المبيعة والموضوعة وفقا للوغاريتمات التي تحدد مدى ارتباطها بك تحديدا والتي تبدو في بعض الأحيان وكأنها تتابع خطواتك عن كثب عبر مختلف النطاقات الرقمية.
تعرضت هذه الإعلانات في الآونة الأخيرة للكثير من الهجوم والانتقادات. وخلصت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن محرك الإعلانات على موقع «يوتيوب» كان يضع الإعلانات من العلامات التجارية الكبيرة على مقاطع الفيديو ذات المحتوى العنصري. وردا على ذلك، سحب الكثير من المعلنين الكبار إعلاناتهم من الموقع. وفي الأثناء ذاتها، أثارت تجربة أجرتها مؤسسة «جيه بيه مورغان تشيس» التساؤلات، ودعت إلى التشكيك في فاعلية الإعلانات البرنامجية. ولقد عمدت المؤسسة، وبشكل ملحوظ، إلى التقليل من الإعلانات التي تعرضها، لكنها لم تشهد انخفاضا في الاستجابة لدى المستخدمين.
لكن، دعونا نأخذ نفسا عميقا قبل إدانة الإعلانات البرنامجية.
فمن إحدى النواحي، هناك بعض المشكلات الواضحة تتعلق بكيفية وضع الإعلانات البرنامجية. وتشتهر هذه الصناعة بالتعقيد. وهذا النوع من الإعلانات حديث بعض الشيء؛ ولذلك فإن الكثير من الآليات التي تدير أسواق الإعلانات لا تزال قيد العمل والتطوير.
ولكن هذه المشكلات قابلة للحل، وينبغي ألا تتعمد حجب الحقيقة الكبرى، على الرغم من أنها أبعد ما تكون عن حد الكمال، فإن الإعلانات البرنامجية من طرق عدة تحاول فتح سوق أكثر كفاءة للإعلانات. ومع اعتبار أن الإعلانات هي الممول الحقيقي لأغلب ما نشاهده ونفعله على الإنترنت، فإن الاتجاه التصاعدي لكل هذا الكم من الضيق والشك هو ما نحاول الآن دراسته بشأن كيفية إنفاق كل هذه الأموال – العملية التي ينبغي أن تؤدي إلى إخراج أفضل للإعلانات، وظهور أفضل لوسائل الإعلام كذلك.
ولتفهم ما هو على المحك الآن في صناعة الإعلانات، والتحول الظاهر نحو الإعلانات البرنامجية، فإننا نحتاج أولا إلى مراجعة التاريخ الموجز لوسائل الإعلام والإعلانات.
ذات مرة سيطرت صناعة الإعلانات على حجم الأعمال التجارية، حيث رغبت الشركات الكبيرة ذات الأموال الكثيرة في خلق طريقة لإقناع الناس لشراء منتجاتها. ومن حسن الحظ، أنه يسهل العثور على الناس في كل مكان: حيث كانوا جميعا إما يشاهدون أو يقرأون واحدة من حفنة من الوسائل الإعلامية – ثلاث شبكات تلفزيونية، وبعضا من المجلات الكبيرة اللامعة، وصحيفة أو اثنتين في كل بلدة.
لذلك؛ كان كل شيء بسيطا للغاية، حيث دفعت الشركات لبعض الرجال من مانهاتن لتأليف بعض الأغاني الجذابة لحث الناس على شراء الصودا والصابون وشفرات الحلاقة. وكان الرجال يفضلون تناول بعض المشروبات في أماكن العمل، وبالتالي لم يكن لأي منهم سبب قوي للشكوى.
لكن، رغم الجاذبية والبهاء اللذين تميزت بهما الإعلانات، لم تكن الأعمال الإعلانية هي أفضل الصفقات بالنسبة للشركات التي كانت تدفع مقابل الإعلان عن منتجاتها. وكانت المشكلة الأساسية تتعلق بإرباك الجماهير ومنافذ وسائل الإعلام المختلفة: عند عرض إعلان عن شفرات الحلاقة، تفضل شركة «جيليت» استهداف الرجال الذي يحلقون بانتظام. لكنك لا تستطيع على الدوام استهداف الرجال الذين يحلقون بانتظام.
يقول بريان ليسير، المدير التنفيذي في شركة «غروب إم»، وهي فرع عن شركة الإعلانات العملاقة (دبليو بي بي): «لم يكن يسهل علينا التيقن من أننا نتواصل ونستهدف هذه الشريحة من الجماهير؛ ولذلك استخدمنا المحتوى في بعض البرامج المعينة لتحديد هذه الشريحة من الجمهور والوصول إليها». بعبارة أخرى، بدلا من استهداف الرجال، كانوا يعرضون الإعلانات عبر البرامج التي يعتقدون أن الرجال يفضلون مشاهدتها – وهو حل جيد بصورة كافية، باستثناء السيدات والرجال كافة الذين لا يفضلون الحلاقة الذين يشاهدون البرامج نفسها أيضا.
ولقد تمكنت الإعلانات الرقمية من إحداث التغيير الجذري في هذا النموذج. فمن خلال التنميط، تعرف الشركات الإعلانية الآن – أو، على أدنى تقدير، تهدف إلى معرفة – على نحو محدد من يقرأ الموقع المعين أو يشاهد الفيديو المعين. وبدلا من شراء الإعلانات المرتبطة بجزء معين من المحتوى، يمكن للشركات شراء الإعلانات التي تستهدف جمهورا بعينه.
يقول السيد ليسير عن ذلك: «يمكننا الآن الهبوط إلى مستوى المستخدم الفرد، كما يمكننا التأكد أننا نوجه الإعلان إلى المستخدم نفسه عبر مختلف الأجهزة».
لكن الأمر يبدو أعمق من ذلك؛ فإن الشركات الإعلانية لا تعرف المستخدم فحسب، لكنها تعرف أيضا سياق كل مستخدم – على سبيل المثال، سواء كنت في المنزل أم في العمل، أو سواء كنت في مزاج يدعوك إلى التسوق أم لا. فإن كل ذلك يتجمع معا في حسابات الوقت الحقيقي أثناء تجوالك عبر العالم الرقمي، من التطبيق إلى الموقع الإلكتروني إلى مدونات التواصل الاجتماعي. فإن الحواسيب تراقب ما تصنعه وتقرر نوع الإعلانات التي تصلح لخدمتك. وغالبا ما تُباع الإعلانات بصورة ديناميكية في مزاد – وتعرض مختلف الشركات دفع مبالغ متباينة من الأموال لجذب انتباهك في مختلف الأوقات.
وهناك بعض الجوانب السلبية الواضحة في هذا النموذج. وإحدى عواقب هذا النموذج أنه يدفع لقاء الكثير من المحتوى الذي لم يكن يسهل تمويله تحت إطار النموذج القديم – يمكن للشاب المراهق الآن جذب الملايين من المتابعين على موقع «يوتيوب»، والاشتراك في برنامج تقاسم الأرباح في إحدى الشركات، وجني الأموال من جميع رعاة البرامج.
وهذا من المكاسب المختلطة. واتضح أن هناك الكثير من الأشياء المجنونة على شبكة الإنترنت. والبعض منها مشهور ومعروف، حتى وإن كان عنصريا أو غير مقبول. ولذلك؛ وعلى نحو مفاجئ، قد تجد مجموعة كاملة من العلامات التجارية التي تمول المحتوى الذي، في الأيام الأولى لشراء الإعلانات التي تعمل بالمجهود البشري، لم تكن لو مضى عليها مليون سنة أن تنجح في العثور عليه في أي مكان آخر.
وأفضل السبل للتفكير في ذلك هو كمشكلة سلاسل التوريد. فالصناعات الكبيرة والمعقدة التي تبيع السلع الأساسية غالبا ما تتعثر: فأنت لا تعرف من صنع الملابس التي تشتريها، وهل الماس الذي تشتريه قد كان مصدرا لتمويل الحروب، أو ربما أن الروبيان الذي تفضله كان متواطئا في عملية لتجارة العبيد. والسبيل للتعامل مع هذه العوامل الخارجية هو عن طريق التحقيق والتوثيق الأفضل – ولمتابعة الأموال حتى أعماق سلاسل التوريد، ومعرفة من الذي يحصل عليها في نهاية المطاف.
يحدث شيء كهذا الآن في صناعة الإعلانات البرنامجية. فمن النادر الحديث مع شخص ما في مجال الإعلانات ويخبرك بأن الأمور تسير على ما يرام. إنهم يقرون بوجود ثغرات في النظام: الحواسيب ليست على مستوى القوة والكفاءة العالية لمعرفة المحتويات العنصرية وتمييزها عما سواها، أو ما الأخبار الوهمية الزائفة وأيها الصحيح والسليم؟
لكن الأمور تتحسن بمرور الوقت، وكلما ازداد عدد الناشطين عبر المنصات مثل موقع «يوتيوب» حول هذه المسألة، زاد الحافز لدى المنصات من أجل تحسين المحتوى للأفضل.
يقول آري بابارو، المدير التنفيذي في شركة «بيزواكس» لتكنولوجيا الإعلانات: «إن طبيعة الإنترنت تقوم على التجزئة. لا يمكنك شراء إعلانات المشروبات في كل مكان تريد فيه الوصول إلى الجمهور. إن الأمر لا يسير على هذا المنوال. ومهما كان مقدار الرغبة في عودة الأيام الخوالي، فهي لن تعود».
* خدمة «نيويورك تايمز»



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.