قبل خمسة قرون، كانت مملكة البرتغال ملء السمع والبصر، بإمبراطورية كبيرة، في أميركا وأفريقيا وأستراليا... ومن خلال تسيدهم البحار في ذلك الوقت، تشكلت إمبراطورية «غير تقليدية» لا تتصل مستعمراتها عبر الأراضي كما كان سائدا من قبل، بل عبر الطرق البحرية.
البرتغال التي كانت إحدى أغنى ممالك الأرض قاطبة وأقوى اقتصاد عالمي في وقته، بدأت في التراجع والاضمحلال مع نشوب خلاف أدى إلى ما يشبه الاتحاد الكونفيدرالي مع جارتها في شبه الجزيرة الأيبيرية، إسبانيا، ثم فترت قوتها البحرية أيضا مع دخولها مرغمة في حروب ونزاعات أوروبية أدت إلى فقدان حلفائها، ما ساعد منافسيها على احتلال مستعمراتها بسهولة فائقة... لتنتهي قصة أقوى اقتصاد أوروبي في العصور الوسطى، وتتحول الإمبراطورية إلى دولة تمثل شريطا رفيعا في أقصى نقاط غرب الأراضي الأوروبية، باستثناء جزيرة آيرلندا.
ومع نهاية الألفية الماضية، ومع تشكل الصورة النهائية للتكامل الأوروبي في صورة الاتحاد القائم، اعتبرت البرتغال من الدول متوسطة المستوى الاقتصادي في القارة، خلف الدول الصناعية الكبرى مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ولكن متقدمة عن دول أوروبا الشرقية الأكثر تأخرا؛ ولذلك لم تكن ذات دور كبير أو محوري؛ فلا هي صانعة قرار، ولا هي في بؤرة التفكير كثيرا بوصفها سببا للمشكلات.
وخلال العقود الماضية، شهد الاقتصاد البرتغالي تقلبا كبيرا، حيث إنه كان اقتصادا قائما على الاستهلاك بدرجة كبيرة، لكنه تحول تدريجيا إلى اقتصاد أكثر متانة مع نمو الصادرات والاستثمارات في مجالات كثيرة، من بينها التكنولوجي مثل قطاعات الطيران والبرمجيات والتقنيات الحيوية، وأيضا ما هو قائم على الصناعات التقليدية من منسوجات وملابس ومنتجات خشبية، إلى جانب الفلين الذي تعد البرتغال أكبر منتجيه على مستوى العالم، إضافة إلى عنصر مهم في منظومتها الاقتصادية وهو القطاع السمكي، وكذلك قطاع السياحة والسفر بشدة.
ورغم تقدم البرتغال الاقتصادي مع بداية الألفية الجديدة، فإن الفساد تسبب في تدهور كبير بالبلاد، لدرجة أنها لقبت في منتصف عام 2007 بـ«رجل أوروبا المريض الجديد» بحسب وصف «الإيكونوميست»، مع ارتفاعات كبرى في نسبة البطالة، وتقييمات سلبية من مؤسسات التصنيف الدولي وتشاؤم عام بشأن نقاط الضعف الهيكلية المتفشية في اقتصادها وضعف قدراتها التنافسية، ما لا يؤهلها للنمو أو القدرة على تعزيز ماليتها العامة أو خفض ديونها.
لكن في السنوات الأخيرة، تحولت الصورة بشكل كبير، حيث يبدو الاقتصاد البرتغالي مثل «طائر العنقاء» الأسطوري الذي يبعث من الرماد... وبداية الأسبوع الحالي على سبيل المثال، ظهرت بيانات تشير إلى ارتفاع مؤشر ثقة المستهلك في مارس (آذار) الماضي إلى أعلى معدل له منذ عام 2000، وفقًا لأحدث تقرير صادر عن المعهد الوطني للإحصاء، ما يدل على انتعاشة باقتصاد البلاد.
وأشار المعهد إلى أن المؤشر زاد من سبتمبر (أيلول) وحتى مارس، كما ارتفع مؤشر المناخ الاقتصادي من يناير (كانون الثاني) إلى مارس، وبذلك استأنف مؤشر ثقة المستهلك مساره الإيجابي الذي لوحظ منذ مطلع عام 2013.
وقال المعهد إن الزيادة جاءت نتيجة للإسهامات الإيجابية لجميع مكونات القياس، ومنها نظرة الأسر إلى التوقعات المستقبلية وللوضع الاقتصادي للبلاد وللمدخرات وإلى حد أكبر بالنسبة للبطالة.
ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، بلغ الناتج القومي الإجمالي (الاسمي) للبرتغال 205.860 مليار دولار في عام 2016، لتأتي بالمركز 47 على مستوى العالم... فيما جاءت في المركز 56 بناتج قومي إجمالي (من حيث تكافؤ القوة الشرائية) 306.762 مليار دولار في تقديرات العام الحالي للصندوق؛ وذلك مقارنة ببيانات البنك الدولي عند عام 2015؛ حيث كان اقتصاد البرتغال في المرتبة 45 بناتج قومي إجمالي اسمي 198.931 مليار دولار فقط.
وقدم البنك المركزي البرتغالي تقييما متفائلا للنظرة الاقتصادية للبلاد، مع انتعاش مدفوع بالتصدير يأخذ الإنتاج الوطني قريبا من مستوى ما قبل عام 2008 في غضون عامين، وعدل البنك توقعاته الاقتصادية، صعودا، لتنمو بنحو 1.8 في المائة هذا العام، و1.7 في المائة في العام المقبل، و1.6 في المائة في عام 2019.
ومن المتوقع أن ترتفع الصادرات بنحو 6 في المائة هذا العام، بعد زيادة بنحو 4.4 في المائة العالم الماضي، فضلا عن انخفاض البطالة من 11.1 في المائة في عام 2016 إلى 7.9 في المائة في عام 2019، بعد بلوغه معدلا قياسيا وصل إلى 16 في المائة في 2013، بعد عامين من حاجة البرتغال إلى حزمة إنقاذ بنحو 78 مليار يورو (84 مليار دولار). كما انخفض عجز الموازنة البرتغالية إلى أدنى مستوى له منذ 42 عاما عند 2.1 في المائة، ومع ذلك، لا تزال وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية الثلاث تصنف الدين البرتغالي على أنه دين رديء أو خردة، لا يُنصح بالاستثمار فيه.
وحثت البرتغال الاتحاد الأوروبي ووكالات التصنيف الائتماني على الاعتراف بحجم دورها الاقتصادي، في ظل اتجاه البلاد إلى رفع معدلات النمو وخفض عجز الموازنة إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من 40 عاما.
ويسعى ماريو سنتينو، وزير المالية البرتغالي، إلى إزالة بلاده من مجموعة الدول الخاضعة لعقوبات كسر القواعد المالية للكتلة، وفي المقابل، وصل العجز المالي للعام الماضي إلى مستويات قريبة من 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهو أدنى مستوى منذ استعادة الديمقراطية في البرتغال في عام 1974. وأضاف سنتينو: «اقتصادنا آخذ في الاتساع خلال الـ13 ربعا على التوالي... وإذا لم يكن هذا كافيا لقيام بلد بمغادرة إجراءات العجز المفرط فيجب أن نتساءل ما هو الضروري».
ويستخدم الاتحاد الأوروبي آلية وإجراءات العجز المفرط المعروفة (EDP) لتصحيح مستويات العجز والديون، وبلغت عائدات الديون على السندات العشرية بالقرب من 4 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ أوائل عام 2014.
ويذكر أن البرتغال كانت واحدة من أكثر البلدان تضررا من الأنظمة المالية العالمية في منطقة اليورو، وفي عام 2011 قامت لشبونة بالتفاوض مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي على خطة إنقاذ بقيمة 78 مليار يورو.
البرتغال... رجل أوروبا المريض يتعافى
عجز الموازنة يصل إلى أدنى مستوى منذ سبعينات القرن الماضي
البرتغال... رجل أوروبا المريض يتعافى
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
