استياء دولي من الهجوم الكيماوي في إدلب... وجلسة عاجلة لمجلس الأمن

لجنة تحقيق أممية: القصف مع استهداف مستشفى سيرقيان إلى جرائم الحرب

عائلة من بلدة حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق تهرب من غارات الطيران الحربي التي طالت المنطقة أمس (أ.ف.ب)
عائلة من بلدة حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق تهرب من غارات الطيران الحربي التي طالت المنطقة أمس (أ.ف.ب)
TT

استياء دولي من الهجوم الكيماوي في إدلب... وجلسة عاجلة لمجلس الأمن

عائلة من بلدة حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق تهرب من غارات الطيران الحربي التي طالت المنطقة أمس (أ.ف.ب)
عائلة من بلدة حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق تهرب من غارات الطيران الحربي التي طالت المنطقة أمس (أ.ف.ب)

يعقد مجلس الأمن اجتماعاً اليوم، بشأن هجوم كيماوي في سوريا قتل عشرات الأشخاص، من بينهم 11 طفلاً، في محافظة إدلب بشمال غربي سوريا، أمس.
ونقلت «رويترز» عن نيكي هيلي السفيرة الأميركية لدى المنظمة الدولية للصحافيين، قولها: «بالطبع نحن قلقون بشأن ما حدث في الهجوم الكيماوي السوري، ولهذا سنعقد اجتماعاً طارئاً (اليوم) في القاعة المفتوحة»، والولايات المتحدة هي رئيس مجلس الأمن المؤلف من 15 عضواً لشهر أبريل (نيسان).
وأثار الهجوم الكيميائي الذي استهدف بلدة خان شيخون الواقعة في جنوب محافظة إدلب في شمال غربي سوريا، استياءً دولياً عارماً، فيما حمّل الاتحاد الأوروبي والرئيس الفرنسي النظام السوري «مسؤولية المجزرة» وطالبا باجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي.
وقال محققون في جرائم الحرب بالأمم المتحدة، إنهم يحققون في «هجوم كيماوي مزعوم في بلدة بمحافظة إدلب السورية وأيضاً بتقارير عن هجوم لاحق على منشأة طبية يعالَج فيها مصابون». وأكدت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا في بيان نددت فيه بالهجوم الذي أودى بحياة عشرات المدنيين، أن استخدام أسلحة كيماوية، وكذلك أي استهداف متعمد للمنشآت الطبية «سيرقيان إلى جرائم الحرب وانتهاكات خطيرة لقانون حقوق الإنسان».
وأضافت اللجنة المستقلة التي يرأسها الخبير البرازيلي باولو بينيرو: «لا بد من تحديد الجناة في مثل هذه الهجمات ومحاسبتهم».
من جهتها، عبّرت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن «قلقها الشديد»، وقالت في بيان إنها «قلقة جداً إثر الهجوم المفترض بالأسلحة الكيميائية الذي تحدثت عنه وسائل الأعلام صباحاً (الثلاثاء) في خان شيخون، المنطقة الواقعة في جنوب محافظة إدلب». وأكدت أنها «تجمع وتحلل معلومات من كل المصادر المتوافرة».
وقالت فيدريكا موغيريني مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي إن رئيس النظام السوري بشار الأسد يتحمل «المسؤولية الرئيسية». وتوجهت موغيريني للصحافيين قائلة: «الأخبار مروِّعة اليوم. هذا تذكير بأن الوضع على الأرض لا يزال مأساوياً في عدة أنحاء في سوريا»، وأضافت أن «من الواضح أن هناك مسؤولية رئيسية من النظام لأنه يتحمل المسؤولية الرئيسية لحماية شعبه».
بدوره، وصف المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا الهجوم بـ«المروع»، مرجحاً أن يكون تمَّ من الجو. وقال في مؤتمر صحافي مشترك مع منسقة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني: «نطالب بتحديد واضح للمسؤولية وبالمحاسبة وأنا على ثقة بأنه سيكون هناك اجتماع لمجلس الأمن بشأن هذا».
على الصعيد الأميركي، استنكر البيت الأبيض الهجوم واعتبره «غير مقبول»، بينما طالب أعضاء في الكونغرس الأميركي الرئيس دونالد ترمب بالرد بشكل حازم على نظام بشار الأسد.
وندد البيت الأبيض بـ«الهجوم الكيميائي»، واتهم النظام السوري بشنه على بلدة في شمال غربي سوريا، معتبراً أنه «لا يمكن القبول به». وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، إن «الهجوم الكيميائي الذي وقع اليوم في سوريا واستهدف أبرياء بينهم نساء وأطفال، شائن»، مندداً بهذا العمل «المروِّع». وأضاف أن «هذا العمل المروع من جانب نظام بشار الأسد هو نتيجة الضعف وانعدام التصميم لدى إدارة باراك أوباما»، مذكراً بـ«الخط الأحمر» الذي رسمه أوباما قبل «ألا يقوم بأي شيء».
من جهته، قال السيناتور الجمهوري، جون كينيدي، في تصريح لشبكة «سي إن إن»: «إن الأسد يحاول اختبار الرئيس ترمب ووزير خارجيتنا ريكس تيلرسون. لا يمكننا أن نبقى مكتوفي الأيدي».
بدوره، انتقد السيناتور الجمهوري جون ماكين سياسة ترمب تجاه الملف السوري، وقال في تصريحات لـ«سي إن إن»: «شاهدنا هذا الفيلم سابقاً (في عام 2013). كان ذلك عندما قال الرئيس السابق باراك أوباما إن هناك خطوطاً حمراء لا ينبغي تجاوزها، النظام السوري تجاوزها، ولم يفعل (أوباما) شيئاً». وأضاف: «بشار الأسد وأصدقاؤه الروس يأخذون ما يقوله الأميركيون بعين الاعتبار». وتابع: «أنا متأكد أنهم أخذوا بعين الاعتبار ما قاله وزير خارجيتنا أخيراً عن أن السوريين سيقررون مصيرهم بأنفسهم»، معتبراً أن هذا التصريح «لا يصدّق»، نظرا لتدخل «حزب الله» والروس والإيرانيين، بالإضافة إلى «القصف بالبراميل المتفجرة والقصف الروسي الدقيق اللذين يستهدفان مستشفيات حلب». واستطرد ماكين أن هؤلاء يشجعهم التراجع الأميركي، ومساعي واشنطن للتوصل إلى اتفاق مع موسكو، واصفاً هذا التحرك «المتوقع» بـ«فصل مخزٍ جديد في التاريخ الأميركي».
أما عن الموقف الذي ينبغي أن تتخذه الإدارة الأميركية، قال ماكين، رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، إنه يود أن يسمع ترمب يقول: «سنسلح الجيش السوري الحر، سنلتزم بإزالة بشار الأسد، وسنعاقب الروس على تدخلهم». وتابع: «حزب الله وإيران لهما دور كذلك. كل الأطراف سيدفعون ثمن (التدخل). الولايات المتحدة ستقف بجانب المدافعين عن الحرية، ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام استخدام أسلحة كيماوية لذبح أطفال أبرياء ونساء». وتابع مستنكراً: «ألم نتعلم مما ترتب عن رفض أوباما القيام بأي شيء؟!».
أما النائب الديمقراطي، إليوت إنغل، فقال إن الهجوم على خان شيخون «روّعه»، مضيفاً: «الآن، بعد أن همش دونالد ترمب القوة العظمى، أخاف مما يمكن أن يحصل للشعب السوري».
من جهته، وصف وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، أمس، الأنباء التي تحدثت عن «هجوم بالسلاح الكيماوي» في سوريا بـ«المرعبة»، ورأى أنه يحمل «كل سمات هجوم نفذه نظام بشار الأسد». وكتب جونسون في حسابه على «تويتر»: «هناك معلومات مرعبة عن هجوم بالأسلحة الكيميائية وقع في إدلب بسوريا. لا بد من إجراء تحقيق في الحادث ومحاسبة مرتكبيه».
وقال أيضاً عن الحادث نفسه في بيان: «في الوقت الذي لا نزال فيه غير قادرين على التأكد مما حصل، فإن ذلك يحمل كل سمات هجوم نفذه النظام الذي استخدم مراراً الأسلحة الكيميائية».
وإذ دعا دي ميستورا المجتمع الدولي إلى توحيد الجهود مع الأمم المتحدة لأجل حل الأزمة السورية، شدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه يتوجب إخراج الأسلحة الكيماوية من سوريا بعد هجوم يرجح أنه كيماوي على محافظة إدلب. وقال نتنياهو في بيان صادر عن مكتبه: «عندما شاهدت صور الأطفال الذين اختنقوا من هجوم كيميائي في سوريا، شعرت بالصدمة والغضب». وأضاف: «أدعو المجتمع الدولي إلى الإيفاء بالتزامه منذ عام 2013 بإخراج هذه الأسلحة الرهيبة من سوريا بشكل كامل».
كذلك أدان رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الهجوم، واعتبر أن «الإدانات لم تعد تكفي إزاء مجازر النظام في سوريا، التي كان آخرها القصف الكيماوي على خان شيخون في إدلب الذي أوقع عشرات القتلى ومئات الجرحى». وقال الرئيس الحريري إنّه «على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولية وقف الجرائم بحق الإنسانية في سوريا عوضاً عن تعداد الأطفال والشيوخ الأبرياء المختنقين بغاز السارين الفتاك».
وكانت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة طرحت في فبراير (شباط) مشروع قرار لفرض عقوبات تستهدف مسؤولي الحكومة السورية، بشأن اتهامات بشن هجمات بأسلحة كيماوية خلال الصراع المستمر منذ ست سنوات. واستخدمت روسيا، بدعم من الصين، حق النقض (الفيتو) سبع مرات لحماية السلطات السورية، ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشروع القرار بأنه «غير مناسب تماماً». وطرحت القوى الغربية المشروع استجابة لنتائج تحقيق للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ووجد التحقيق الدولي أن قوات النظام السوري مسؤولة عن ثلاث هجمات بغاز الكلور وأن تنظيم داعش استخدم غاز الخردل.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.