أردوغان يثير لغطا جديدا بتدخله في قضية بيوت الطلبة

حزب الحرية والعدالة يواجه انقساما بين المحافظين المؤيدين لرئيس الوزراء والمعتدلين من فريق غل

أردوغان يثير لغطا جديدا بتدخله في قضية بيوت الطلبة
TT

أردوغان يثير لغطا جديدا بتدخله في قضية بيوت الطلبة

أردوغان يثير لغطا جديدا بتدخله في قضية بيوت الطلبة

منذ صعوده إلى سدة الحكم منذ أكثر من عشر سنوات، فعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الكثير من الأشياء التي جعلت شريحة كبيرة من الشعب التركي تنفر منه بسبب تدخلاته الواضحة في شؤونهم الخاصة، بالإضافة إلى تصرفه الغريب عندما ألقى كلمة انتقد فيها بشدة الخبز الأبيض.
وقد رأى قطاع كبير من الأتراك، الذين أيدوا إصلاحات أردوغان الديمقراطية والتي كان من بينها فرض مزيد من الرقابة المدنية على الجيش، في تلك التصريحات نوعا من عدم اللياقة، ودليلا على تصاعد اللهجة السلطوية عند رئيس الوزراء. وقد أسهم ذلك في موجة الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي ضربت تركيا صيف العام الحالي ومثلت الأزمة الأخطر التي واجهت أردوغان وحزبه الإسلامي الحاكم، العدالة والتنمية، منذ تقلده السلطة في البلاد.
وبعد أن كان رئيس الوزراء قد خفف من لهجته، التي سببت الكثير من الخلاف والشقاق، على مدار الأشهر القليلة التي تلت الاضطرابات، عاود أردوغان الكرة مؤخرا بإثارته عاصفة جديدة من الاحتجاجات، عندما صرح الأسبوع الحالي برغبته في حظر بيوت الطلبة المختلطة في الجامعات الحكومية، وزاد على ذلك النُزُل البعيدة عن الحرم الجامعي التي يسكنها الطلبة من الجنسين. ومرة أخرى، تشعل كلمات أردوغان حربا ثقافية شعواء تستدعي إلى السطح الخلافات الشديدة بين العلمانيين والإسلاميين، وتثير ذلك النوع من اللغط الذي لا يفضله حتى أعضاء حزبه الذين كانوا يأملون في تجنب عواقب احتجاجات الصيف الماضي قبل خوض الاستحقاق الانتخابي المقبل.
وقد نقلت وسائل الإعلام التركية عن أردوغان في اجتماع الحكومة الأسبوعي قوله لنواب حزبه في البرلمان «من الممكن أن يحدث أي شيء، فيصرخ أولياء الأمور (أين دور الدولة؟).. هذه الإجراءات تُتخذ حتى نوضح للجميع أن الدولة موجودة وتقوم بدورها. وكحكومة محافظة وديمقراطية، ينبغي لنا أن نتدخل». ويبدو أردوغان في تصريحه هذا وكأنه يقدم أوراق اعتماده كسياسي محافظ، كما يريد أن يرسل رسالة مفادها أن الحكومة لديها معلومات استخباراتية عما يجري دخل بيوت الطلبة المختلطة.
وقد خصصت البرامج الحوارية التلفزيونية، التي غالبا ما تتناول عددا من القضايا الثابتة، يوم الأربعاء، جزءا كبيرا من وقتها لمناقشة حالة الخلاف التي فجرتها تصريحات أردوغان. وبدا بعض كتاب الأعمدة في الصحف وقد راق لهم صب الزيت على النار في القضية، خاصة أن أردوغان قد عاد لتسديد سياط كلماته نحو التيارات الثقافية بعدما هدأت عاصفة الاحتجاجات الصيفية.
يقول إزغي باساران، الصحافي في صحيفة «راديكال» ذات التوجه اليساري «إننا الآن نقف وجها لوجه ضد رئيس وزراء يعتقد أن لديه الحق في فرض آرائه الأخلاقية على بيوتنا، وفرض الرقابة على حرياتنا الشخصية مستخدما في ذلك محافظيه وقوات أمنه».
ومع إثارته لحالة جديدة من اللغط الثقافي، يخاطر أردوغان بتهييج مشاعر منتقديه الذين لعبوا دورا مؤثرا في احتجاجات الصيف. ولكن بالأخذ في الاعتبار حقيقة أن المجتمع التركي مُنقسم إلى حد كبير يستطيع أردوغان اللعب على مشاعر مؤيديه من المحافظين قُبيل الاستحقاق الانتخابي المقبل.
تقول إزغي كورتال، طالبة في قسم التاريخ في جامعة البوسفور «اخترت العيش في مدينة جامعية مخصصة للطالبات فقط، وأنا سعيدة بهذا الاختيار. لكنني على الجانب الآخر لا أؤيد تصريحات أردوغان، فما دخل رئيس الوزراء في هذا الأمر الشخصي؟». وفي إشارة إلى احتجاجات الصيف التي اندلعت بسبب حديقة مركز جيزي، تضيف كورتال «لقد اعتقدنا أنه فهم الرسالة التي بعثنا له بها من خلال احتجاجات جيزي، وهي أنه يجب ألا يتدخل في الحياة الشخصية للناس، لكن أعتقد أننا أخطانا التقدير».
وتأتي حالة اللغط الجديدة مع مساعي تركيا لاستئناف المفاوضات المتعثرة منذ فترة طويلة للانضمام للاتحاد الأوروبي. وتبدو جهود أنقرة الخارجية لبسط نفوذها على الشرق الأوسط في حالة من عدم التوازن بعد الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي الذي كانت تدعمه الحكومة التركية، فضلا عن سياستها في دعم حركة التمرد في سوريا في الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الدولي للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الأزمة.
وقد خرج أردوغان من احتجاجات جيزي قويا أكثر من ذي قبل على المستوى الداخلي، حيث وقف إلى جانبه قاعدته الدينية المحافظة التي تشكل ما يقرب من نصف مجموع الناخبين، رغم أن صورة تركيا على المستوى الخارجي قد أصابها الكثير من الضرر. بيد أن الاحتجاجات أشعلت جدلا شديدا وسط قيادات حزب العدالة والتنمية عن توجهات الحزب ومستقبل الديمقراطية في تركيا، في الوقت الذي تسير فيه البلاد باتجاه استحقاقات انتخابية تبدأ العام المقبل بانتخابات المجالس المحلية التي تمثل اختبارا حقيقيا لشعبية أردوغان على مستوى القواعد الشعبية.
وتشير كل اللقاءات التي أُجريت مؤخرا مع مسؤولي الحزب والدبلوماسيين الغربيين وكذلك الخبراء الأجانب، الذين فضلوا عدم الكشف عن هويتهم، إلى أن حزب العدالة والتنمية يعاني حاليا من خلافات حادة بين أعضائه. فهناك خلاف لا تخطئه العين بين أولئك الذين يؤيدون أردوغان دون قيد أو شرط، والأعضاء الأكثر اعتدالا الذين يصطفون خلف الرئيس التوافقي عبد الله غل ويشاركون المحتجون مخاوفهم.
وقد ألقت موجة الغضب، التي اندلعت ضد تصريحات رئيس الوزراء عن بيوت الطلبة المختلطة والأسلوب الذي يقترحه في تلك المسألة، الضوء على تلك المخاوف. فقد أفيد بأن إحدى الدوائر التي يمثلها نائب من حزب العدالة والتنمية في البرلمان، غالبية سكانها من مريدي الداعية الإسلامي محمد فتح الله كولن، تسودها حالة من التناقض بشأن التصويت لصالح حزب أردوغان في الانتخابات القادمة من عدمه.
وكان السبب وراء اشتعال احتجاجات الصيف الماضي هو خطط الحكومة لإزالة متنزه جيزي، آخر المساحات الخضراء في قلب اسطنبول، وتحويله إلى مركز تجاري. وتحولت تلك الاحتجاجات إلى موجة أوسع من التوبيخ للحكومة، كان من أبرز نتائجها أن قاد أردوغان تحركا يرمي إلى توسيع سلطات مؤسسة الرئاسة، وهو التحرك الذي يبدو تحقيقه مستحيلا على الأقل في الوقت الراهن.
بيد أنه من المحتمل أن يخوض أردوغان انتخابات الرئاسة العام المقبل حتى إذا لم تتحقق الجهود الرامية إلى توسيع سلطات الرئيس، وهذا ما يستدعي سؤالا مهما وهو: من ذلك الشخص الذي يستطيع أن يحتل منصب رئيس الوزراء ذي السلطات الكبيرة؟ واحد من الاحتمالات، التي تتم مناقشتها داخل وخارج أروقة الحزب، هو أن يحدث نوع من تبادل المواقع بين غل وأردوغان على غرار ما حدث في روسيا بين فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف. لكن أردوغان يأمل في تجنب ذلك السيناريو، تبعا للقاءات التي أجريت مؤخرا مع مسؤولي الحزب والدبلوماسيين الغربيين وكذلك الخبراء الأجانب، لأن بعض استطلاعات الرأي تشير إلى تمتع غل بشعبية أوسع من تلك التي يتمتع بها أردوغان بين الشعب التركي.
وسوف تشكل انتخابات المجالس المحلية، التي ستشهد صراعا شديدا على منصب عمدة إسطنبول، اختبارا لأردوغان وطموحه في البقاء في السلطة لعقد آخر حتى عام 2023 عندما تحل الذكرى المئوية لميلاد الجمهورية التركية الحديثة. وسوف يمهد الأداء القوي لحزب العدالة والتنمية في تلك الانتخابات الطريق أمام اعتلاء أردوغان لكرسي الرئاسة وبالتالي تتجدد جهوده لإعادة هيكلة مؤسسة الرئاسة، كما يقول المحللون.
ويعد استقطاب الناخبين عن طريق إثارة مسائل خلافية مثل تلك المتعلقة ببيوت الطلبة استراتيجية انتخابية يتميز بها أردوغان، كما يقول أحد الخبراء. ويقول محلل آخر إن ذلك الأسلوب مقتبس من كتاب كارل روف، أحد مستشاري الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، والذي عمل أيضا مستشارا للحزب الجمهوري.
ومثل كثير من المسائل الخلافية التي أثارها أردوغان، يقول أيوب كان، رئيس تحرير صحيفة «راديكال»: «لنكن أمناء مع أنفسنا، فعلى الرغم من الصراحة التي تؤذي مشاعر البعض، فأنا لا أفهم شيئا، ما هو السبب وراء إثارة ذلك اللغط؟ إذا كان هناك من شخص يعرف فليوضح لي رجاء».

* أسهم في إعداد التقرير سيبنام آرسو وسيليان يغينسو



«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
TT

«المحاسبة الاجتماعية»... فيلم يدقّ ناقوس الخطر

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)
مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت في فيلم «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ليست الصورة الأكثر رسوخاً في الذاكرة لمارك زوكربيرغ، تلك التي يظهر فيها مرتدياً نظاراته الشهيرة المميَّزة، بل صورة مارك المتخيَّلة التي تُختتم بها أحداث «الشبكة الاجتماعية»، فيلم عام 2010 الذي تناول ظروف تأسيس «فيسبوك» المشحونة بالتوتر. عند تلك النقطة، يكون مارك قد حوَّل أصدقاء إلى أعداء، وغرباء إلى أصدقاء، وبات على وشك أن يصبح أصغر ملياردير عصامي في العالم. والآن، يجلس وحيداً أمام حاسوب محمول، ويرسل طلب «صداقة» إلى حبيبته السابقة التي لا تستجيب. فيواصل تحديث صفحته على «فيسبوك» مرة تلو أخرى، في لحظة تجسِّد على نحو مثالي حال الفتى الثري المسكين، وتوحي بكل ما خسره.

جيريمي سترونغ في دور مارك زوكربيرغ (imdb)

حظي «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) بإشادة واسعة، وفاز ببعض جوائز الأوسكار، من بينها جائزة لكاتبه آرون سوركين، الذي واصل منذ ذلك الحين العمل في السينما والتلفزيون والمسرح. وسارت الأمور على نحو جيد أيضاً بالنسبة إلى زوكربيرغ، الذي تحوَّلت شركته الناشئة، التي انطلقت من غرفة في سكن جامعي، إلى عملاق للتواصل الاجتماعي يُقدَّر عدد مستخدميه بنحو 3 مليارات.

وبين الدفاع عن تأثير «فيسبوك»، بما في ذلك تأثيره في الأطفال والانتخابات، وتقديم اعتذارات علنية باسم الشركة، تزوَّج زوكربيرغ، وأنجب أطفالاً. كما غيَّر اسم «فيسبوك» إلى «ميتا»، وتضاعفت ملياراته مرات كثيرة، إذ تُقدَّر ثروته الصافية بنحو 250 مليار دولار، بل زار البيت الأبيض للقاء الرئيس دونالد ترمب.

يعود سوركين إلى تناول زوكربيرغ في فيلمه الجديد «المحاسبة الاجتماعية» (The Social Reckoning)، الذي يحمل عنواناً مفعماً بالأمل، وهذه المرة بصفته كاتباً ومخرجاً معاً. لا ينصبُّ التركيز هنا على البدايات أو الصداقات أو حتى زوكربيرغ، وإنما على الكيفية التي أعادت بها منصات التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك»، تشكيل أدمغتنا، معرِّضةً الأجساد والكيان السياسي الأميركي للخطر. ولا يزال مارك المتخيَّل، الذي يؤديه جيريمي سترونغ على نحو يبعث على القلق، يخيِّم على الأحداث، لكنه يظهر إلى حد كبير بوصفه تجسيداً رمزياً. أما الشخصيتان اللتان تضخّان الحياة في هذا الجزء الثاني، فهما فرانسيس هوغن (مايكي ماديسون)، الموظفة الحقيقية في «فيسبوك» التي تحوَّلت إلى كاشفة للمخالفات، وجيف هورويتز (جيريمي ألين وايت)، صحافي «وول ستريت جورنال» الذي كشفت سلسلة تحقيقاته المنشورة عام 2021 ما أفصحت عنه هوغن من أن الشركة اختارت «الربح على حساب السلامة»، وكانت على علم بالأضرار التي تتسبَّب فيها.

تدور أحداث الفيلم على مدى سنوات عدة، خلال عام 2021 والسنوات المحيطة به، وترصد تحوُّل فرانسيس من مؤمنة بـ«فيسبوك» إلى متشكِّكة فيه، ثم خارجة عن عقيدته. تبدأ صحوتها حين تشاهد مقطع فيديو مقلقاً، وتتواصل في مقرّ «فيسبوك» في مينلو بارك بولاية كاليفورنيا. هناك، وسط مساحات عمل مفتوحة وأفواه مطبقة بإحكام، تعمل ضمن فريق النزاهة المدنية في الشركة، وتدرك أن خللاً خطيراً يحدث. ويقودها ذلك إلى جيف، الذي لا يملك حساباً على «فيسبوك»، لكنه لا يتورَّع عن شرح الديمقراطية بنبرة ذكورية متعالية، ويتمتَّع بإصرار صحافي يُشبه تشبُّث كلب بعظمة، وقادر على تحويل معلومات أولية إلى أخبار تتصدَّر العناوين. وقد وضع «فيسبوك» نصب عينيه، ويخوض مواجهته معه بدعم قوي من إدارة التحرير، تؤدي بيتي غيلبين دور رئيسته، ثم، مع مرور الوقت، بمساعدة فرانسيس المتردِّدة.

مايكي ماديسون وجيريمي ألين وايت بدورَي فرانسيس هوغن وجيف هورويتز في «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

ومن أذكى قرارات سوركين هنا الجمع بين وايت وماديسون، اللذين يتكامل حضورهما على الشاشة، وتجعلهما وسامتهما المميَّزة وغير التقليدية، وما يوحيان به من صدق عفوي، بطلين طبيعيين في مواجهة قوة أكبر منهما. يميل وايت إلى المبالغة في التعبير بعينيه، فيمنح نظراته حدَّة زائدة بسرعة، وقد تبدو التقطُّعات في صوته متدرَّباً عليها، سواء عن قصد أم لا. الشخصية ليست غنية بالتفاصيل، لكن وايت يضيف إليها ملمساً وظلالاً. أما قدرته على الظهور بصورة تُشبه على نحو لافت ابناً يجمع ملامح روبرت ريدفورد وداستن هوفمان في «كل رجال الرئيس» (1976)، فهي ميزة إضافية.

يُحسن سوركين التعامل مع فرانسيس أكثر؛ فهي نابغة مهووسة بالتقنية، حادّة الطباع، تتفوَّق قدراتها الذهنية على مهاراتها في التعامل مع الناس. وتؤدي الشخصية وظائف درامية متعددة، إذ تشكِّل مدخل القصة ومرآة المشاهد في آنٍ واحد. ولأن فرانسيس معزولة نسبياً في العمل، لا يبدو أن أحداً يحبها كثيراً، وتكاد حياتها الشخصية تكون معدومة، ويتعيَّن عليها أيضاً أن تنبض بالحياة من دون الكمّ الهائل من الحوارات التي تميِّز سوركين. تمنح ماديسون فرانسيس نظرة باحثة، ومتسائلة أحياناً، تزداد تركيزاً وقوة، وتتباين بوضوح مع تحفُّظ الشخصية الجسدي في البداية. وبعد العمل، حين تستقرّ فرانسيس في العتمة التي تغلِّف شقتها، تضمُّ جسدها إلى نفسه كما لو كانت تطوي خيمة. ترى وحدتها، لكنك ترى أيضاً استقلاليتها.

من كواليس تصوير «المحاسبة الاجتماعية» (imdb)

بمجرد أن تتواصل فرانسيس وجيف، يتحوَّل الفيلم إلى ما يُشبه فيلم تشويق أكثر اعتماداً على الحوار، مع لقاءات سرية وتهديدات تنذر بالخطر، وحتى بعض التنكُّر. وخلال ذلك، يتلاعب سوركين بالتسلسل الزمني، متنقِّلاً بين السنوات واللحظات الحاسمة. ويطلّ مارك بين حين وآخر، مرتدياً أحياناً بدلة وربطة عنق، فيما يُعدّه مساعدوه، وهنا تظهر وونمي موساكو، للمثول أمام الكونغرس. وبغرّة قصيرة تنسدل على جبينه، يؤدي سترونغ الدور بنظرة جامدة تُحدق في البعيد، ووجه غالباً ما يكون خالياً من التعبير بالقدر نفسه، وصوت قريب جداً من صوت زوكربيرغ، إلى حد أنني ضحكت حين سمعته للمرة الأولى. إنه تقليد متقن تقنياً لكائن بشري لم يعد سوركين، بوضوح، يُكنّ له أي تعاطف.

في «المحاسبة الاجتماعية»، لا يكتفي سوركين باستهداف وسائل التواصل الاجتماعي، بل يدقّ أيضاً ناقوس الخطر بشأن الديمقراطية الأميركية. ولا شكَّ في صدق هذا التحذير، لكن سوركين يطلقه في عالم يظلّ في نهاية المطاف، رغم أشراره وتهديداته، الخوارزمية وغيرها، مألوفاً على نحو مطمئن، شأنه شأن أي عالم في مواقع التصوير الخارجية بهوليوود القديمة. ورغم كل ما يتناوله الفيلم من قضايا راهنة، فإنه يستحضر تلك الأفلام الكلاسيكية التي ترسَّخت في الحمض النووي الأميركي؛ الأفلام التي ينتصر فيها البسطاء، ويتحدَّث فيها شخص مثالي بشغف عن الديمقراطية من قاعة مجلس الشيوخ، من دون أن يتدفَّق إليها مثيرو الشغب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: ترميم لوحة «الأخوين» الأثرية أبرز وجوه الفيوم

ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
ترميم لوحة الأخوين الأثرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

انتهت مصر وإيطاليا من مشروع ترميم لوحة «الأخوين»، إحدى أبرز روائع فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني، وذلك في إطار مشروع شارك فيه فريق من المرممين المصريين والإيطاليين.

وأعلن وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن انتهاء مشروع الترميم مع ترتيبات للعرض الأول للوحة ضمن معرض بروما، فمن المقرر أن تسافر هذه اللوحة من مصر لأول مرة لعرضها في معرض مؤقت بمتحف «آرا باسيس» بالعاصمة الإيطالية روما، ضمن معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم»، والمقرر في المدة من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 وحتى 2 مايو (أيار) 2027، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

ويشهد المعرض، لأول مرة، عرض مجموعة من بورتريهات الفيوم من مقتنيات متاحف الآثار المصرية، تضم قطعاً مختارة من المتحف المصري بالتحرير، ومتحف كوم أوشيم، ومتحف الغردقة، وتتصدرها لوحة «الأخوين» بوصفها إحدى أبرز القطع المصرية المشاركة.

وأكد فتحي أن مشروع الترميم الذي استغرق نحو 3 أسابيع يعكس عمق علاقات التعاون الثقافي بين مصر وإيطاليا، ويبرز الدور المهم للتراث الثقافي في تعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الشعوب، مشيراً خلال مؤتمر صحافي إلى أن ترميم بورتريه «الأخوين» يمثل نموذجاً متميزاً للتعاون الدولي في مجال صون ودراسة التراث الثقافي، بما أتاح تبادل الخبرات بين المتخصصين المصريين والإيطاليين، والاستفادة منها في ترميم هذا العمل الفني الاستثنائي والحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

وأضاف فتحي أن «عرض هذه اللوحات ضمن معرض مؤقت في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الدولي بأحد الجوانب المتميزة للحضارة المصرية، وإلقاء الضوء على التفاعل الثقافي والفني الفريد الذي شهدته مصر خلال العصر الروماني، كما يعكس حرص الدولة المصرية على إتاحة تراثها الثقافي أمام الجمهور حول العالم».

الإعلان عن ترميم اللوحة الأثرية تمهيداً لعرضها بروما (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعد لوحة «الأخوين» لوحة خشبية دائرية يبلغ قطرها نحو 62 سم، ولا يتجاوز سُمكها سنتيمتراً واحداً، ورُسمت باستخدام تقنية «الإنكوستيك»، التي تعتمد على مزج الأصباغ بالشمع المنصهر، وتصور شابين جنباً إلى جنب. وتتميز اللوحة بشكلها الدائري غير المعتاد، وحجمها الكبير، فضلاً عن تصوير شخصين معاً في تكوين فني واحد، وهو ما يجعلها نموذجاً استثنائياً بين بورتريهات الفيوم المعروفة بتصوير الشخصيات فرادى.

وتُعد بورتريهات الفيوم من أبرز نماذج التصوير الشخصي الباقية من العالم القديم. وقد رُسمت في معظمها على ألواح خشبية رقيقة، وكانت توضع فوق وجه المتوفى بين لفائف المومياء، في تجسيد للتفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والتأثيرات الفنية اليونانية والرومانية.

وأكد الدكتور هشام الليثي، على الأهمية الأثرية والفنية الاستثنائية للوحة، موضحاً أن أهميتها لا تقتصر على جودة ودقة أسلوبها الفني فحسب، بل تمتد إلى شكلها وتقنية تنفيذها وحالتها، بما يوفر معلومات مهمة لدراسة فن البورتريه في مصر خلال العصر الروماني.

وتضمنت أعمال الترميم تدعيم الطبقة اللونية المحيطة بالأجزاء المفقودة بعناية، وتثبيت المناطق الضعيفة، إلى جانب معالجة الأنفاق التي خلفتها الحشرات أسفل بعض مناطق الطبقة اللونية. كما قام فريق الترميم بتسوية وتدعيم الأجزاء التي سبق تثبيتها بصورة غير صحيحة، قبل إعادتها إلى مواضعها الأصلية باستخدام دعامات دقيقة.

ومن المنتظر أن يضم معرض «قوة البورتريه... مصر وروما: وجوه الفيوم» أكثر من 110 قطع أثرية وفنية، من بينها ألواح مرسومة، وأكفان جنائزية، وأقنعة، وبورتريهات رخامية، وقوالب جصية، ومجموعة من الحُلي القديمة. ويضم المعرض نحو 60 بورتريهاً مرسوماً من مصر، بما يتيح للزائر التعرف بصورة أعمق على التفاعلات الفنية والثقافية التي شهدتها مصر خلال العصر الروماني، وفق تصريحات لتوماسو رادايلي، رئيس المؤسسة المنظمة للمعرض.

وأوضح الدكتور كلاوديو باريزي، المشرف على التراث الثقافي في روما، أن القطع المصرية ستُعرض إلى جانب عدد من الأعمال من مجموعات ومتاحف دولية، من بينها متحف اللوفر، ومتحف جيه بول جيتي، ومتحف ولاية فورتمبيرغ في شتوتغارت، ومتحف المتروبوليتان للفنون، إلى جانب عدد من المجموعات الإيطالية.

وتمثل عملية ترميم لوحة «الأخوين» خطوة مهمة في صون أحد الشواهد الفنية النادرة التي تكشف عن خصوصية الحضارة المصرية خلال العصر الروماني. وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «اللوحة لا تكتسب أهميتها من قيمتها الجمالية فحسب، وإنما من قدرتها على توثيق التفاعل بين التقاليد الجنائزية المصرية والأساليب الفنية اليونانية والرومانية، مع احتفاظها بملامح مميزة لفن التصوير في مصر القديمة».

وترى سليمان أن «عرض اللوحة في روما يمثل فرصة لتعريف الجمهور الأوروبي بأحد جوانب الإبداع الفني المصري، ويعزز الدبلوماسية الثقافية بوصفها جسراً للتواصل بين الحضارات، شريطة أن يقترن عرض الآثار بالخارج بضمانات دقيقة لحمايتها وصونها».


«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
TT

«القاهرة السينمائي» يحتفي بمرور نصف قرن على تأسيسه

حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)
حسين فهمي إلى جواره محمد طارق المدير الفني للمهرجان (إدارة المهرجان)

يحتفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ47 بمرور نصف قرن على تأسيسه، جاء ذلك في الوقت الذي أثار فيه الملصق الدعائي للمهرجان جدلاً بسبب تصميمه وطريقة استحضاره تاريخ السينما المصرية، مع اختيار الفنانة الراحلة شادية لتتصدر واجهته بالألوان، أمام خلفية تضم صوراً من أفلام وشخصيات سينمائية بالأبيض والأسود.

وتم الكشف عن الملصق الخاصة بالدورة التي تحتفي بمرور 50 عاماً على انطلاق المهرجان عام 1976، ويجمع بين عرض إنتاجات حديثة واستعادة أعمال مصرية مرممة، إلى جانب تكريم سينمائيين وإقامة لقاءات متخصصة حول صناعة الأفلام، وخلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد في القاهرة، الأحد، شرح الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، الفكرة التي يقوم عليها التصميم، مؤكداً أن الخلفية تستعيد الأفلام المصرية المرممة، وما تمثله من تاريخ سينمائي حاضر باستمرار في ذاكرة الجمهور.

وأوضح أن حضور الأبيض والأسود يرتبط بهذه الذاكرة، بينما تشير الألوان إلى مرحلة دخول السينما الملونة، وهو ما يجمع في الملصق صور تنتمي إلى مراحل مختلفة من تطور الفيلم المصري، موضحاً أن اختيار شادية جاء بوصفها رمزاً للحضارة السينمائية المصرية؛ ولذلك ظهرت بالألوان في مقدمة الملصق، إلى جانب الشخصيات الموجودة في الخلفية، التي قدمت «سينما متميزة».

وقال الناقد الفني طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط» إن «إدارة المهرجان اختارت صورة غير موفقة للفنانة الراحلة شادية ومغايرة للانطباع الذي تركته عند الجمهور عبر مسيرتها السينمائية الممتدة بشخصية الفتاة الدلوعة، ومن ثم كان من الأفضل استخدام صورة تعبر عن البهجة، فضلاً عن عدم جودة التقنيات المستخدمة في الملصق الترويجي».

وأرجع الشناوي جزءاً من الاهتمام بالجدل الذي صاحب الملصق الترويجي إلى برنامج المهرجان الذي جرى الكشف عن تفاصيله لكون الصورة تعد المعادل الموضوعي لما يحدث على السجادة الحمراء، ومن ثم تحظى باهتمام كبير. وهنا يشير الناقد محمد عبد الرحمن لتوضيحات رئيس المهرجان حول شرح فكرة الملصق الترويجي واهتمام «القاهرة السينمائي» بترميم الأفلام القديمة كأحد الفعاليات الهامة التي ينجزها المهرجان كل عام، مشيراً إلى أن «تنفيذ الفكرة التي تحدث عنها حسين فهمي لم يكن على المستوى المتوقع».

ليلى علوي ولبلبة وعدد من حضور المؤتمر (إدارة المهرجان)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك حساسية لدى الجمهور من تغيير ملامح الفنانين بالذكاء الاصطناعي، ومن ثم جاءت كثير من الردود الفعل سلبية، وتطالب بتعديل الملصق الترويجي خصوصاً أن شادية لها مجموعة من الصور الجيدة التي تظهر فيها معالمها بوضوح دون الحاجة لتغييرات الملامح التي ظهرت في الملصق الرسمي».

وتُقام الدورة الجديدة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة 145 فيلماً وعملاً سينمائياً من 64 دولة وجهة إنتاج، اختيرت بعد استقبال المهرجان 5600 طلب مشاركة في مختلف البرامج والمسابقات، بينها 2100 طلب للأفلام الطويلة و3500 للأفلام القصيرة. ويصل مجموع العروض الأولى إلى 109 أفلام، بينما يعرض المهرجان 27 فيلماً مصرياً مرمماً، بينها «البوسطجي» و«المتمردون» و«معبودة الجماهير» و«القاهرة 30» و«الحرام» و«الزوجة الثانية» و«شيء من الخوف».

وعلى مستوى التكريمات، يمنح المهرجان الفنان آسر ياسين جائزة «فاتن حمامة للتميز»، تقديراً لمسيرته وإسهاماته في السينما المصرية، وتنوع الشخصيات التي قدمها وقدرته على التعبير عن أبعادها النفسية والإنسانية. كما يكرم مدير التصوير سعيد شيمي والسيناريست والشاعر مدحت العدل بجائزة «الهرم الذهبي لإنجاز العمر»، تقديراً لإسهامات شيمي في تشكيل الصورة السينمائية المصرية عبر مسيرة تجاوزت 5 عقود، ولأعمال العدل التي ارتبطت بوجدان الجمهور، وأسهمت في انطلاق جيل من النجوم.

ويكرم المهرجان أيضاً المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو بجائزة «الهرم الذهبي»، تقديراً لتجربته في تطوير لغة السينما الأفريقية، وتعزيز حضورها عالمياً كما يكرّم المهرجان الموزع السينمائي أنطوان زند تقديراً لمسيرة تجاوزت 6 عقود، أسهم خلالها في إتاحة الأفلام العالمية للجمهور المصري، وتطوير قطاعي التوزيع والعرض. ويشارك فيلمان مصريان في المسابقة الرسمية، هما «برلين» و«البرانية»، من بين 12 فيلماً أعلن المهرجان عنها. ويعود أحمد عبد الله السيد بفيلم «برلين»، بطولة منة شلبي ويسرا اللوزي، متتبعاً حيوات 3 مهاجرين عرب خلال يوم سريالي في العاصمة الألمانية.

أما «البرانية»، أول أفلام المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص الروائية الطويلة، فسبق أن شهد عرضه العالمي الأول ضمن برنامج «أيام المؤلفين» في «فينيسيا السينمائي»، وتدور قصته حول امرأة حامل تعيش بقرية تحيط بها حقول الياسمين، وتواجه عائلتها انقساماً بسبب عرض لشراء أرضها، بينما تنمو داخلها أحلام الانتقال إلى المدينة.

بينما يشارك الفيلم السعودي «جحيم العابرين»، للمخرجة هناء العمير، ضمن برنامج «عروض منتصف الليل» على أن يُعرض قبل أيام من طرحه تجارياً في صالات السينما السعودية، ويأتي ضمن 4 أعمال يضمها القسم، إلى جانب الفيلم الأرجنتيني «جلد الطبل»، والفيلمين الفرنسيين «حبيبي» و«حفلة عيد الميلاد».