«الخائفون» عند ديمة ونوس ينتهون إلى الجنون

سيرة «غير صريحة» للحياة العائلية لسعد الله ونوس

سوريا... جمهورية الخوف
سوريا... جمهورية الخوف
TT

«الخائفون» عند ديمة ونوس ينتهون إلى الجنون

سوريا... جمهورية الخوف
سوريا... جمهورية الخوف

عليك أن تنتظر حتى الثلث الأخير من رواية ديمة ونوس «الخائفون»، كي تتيقن أنك لست ضائعاً في التفاصيل، ولا تائها في الحكايات، وأنك أمام عمل يكاد يكون شبيهاً بسوريا في قلقها قبل اندلاع الثورة وتمزقها خلال الحرب، ومثلها في الارتباك والارتجاج قبل لملمة أشلاء القصة.
تداخل في الشخصيات لا بل في المهن أيضاً والأسماء. قصص يختلط فيها الواقعي الفج بما هو متخيل فنتازي، سفر في الأزمنة جيئة وذهاباً، انتقال في الأمكنة بين دمشق وحماة وبيروت والطرقات التي تربط بينها، وصولاً إلى ألمانيا. تقلب في الأمزجة وحضور لبيوت كثيرة، ربما في محاولة لتأطير الذاكرة وإعادة بنائها، في زمن التفتت.
الراوية سليمى هي العمود الفقري، وبلسانها الشخصي تقص حكايتها، التي تشبه في وجوه كثيرة منها حياة الكاتبة نفسها. هكذا تستعير ديمة ونوس من سيرتها الذاتية ما تشاء، خاصة تلك العلاقة الاستثنائية التي ربطتها بوالدها، مقابل نفور شديد من غالبية أفراد عائلته. دمج الروائي بالشخصي يحرر ونوس ويسمح لها في الوقت ذاته أن تبوح خلف ستر روائية متلونة.
تفتتح الرواية في عيادة الطبيب النفسي كميل الذي يستقبل مرضى يتزايدون بفعل تصاعد الألم والاختلالات لدى أناس خضعوا لأنواع مختلفة من القمع والعنف والكبت، حتى تحول مكتبه إلى ما يشبه مستشفى. في عيادته نماذج هي في مشاكلها، مرآة لمجتمع يتصدع. عند كميل الذي تداوم على زيارته ليساعدها على قراءة مخبوءاتها، تلتقي سليمى نسيم ذا العظام الناتئة الذي تحبه، وتعرف منه أنه كاتب، لتكتشف لاحقاً أنه في الأصل طبيب درس الاختصاص كي يرضي والدته، وبقي «غير موهوب وناقص الجرأة» في ممارسة مهنته. نعرف فيما بعد أيضاً أن سليمى رسامة، لكنها لم تعد تقوى على الرسم، وأخذت تنخرط في الكتابة. تكتشف تدريجياً حين يسلمها نسيم مخطوطة رواية يكتبها ولم تكتمل أن بطلته سلمى، لا تشبهها فقط في اسمها وإنما تكاد تكون هي. وتسأل نفسها إن كان نسيم يحبها فعلاً؟ وهل سرق قصتها منها وكتبها، أم ثمة امرأة أخرى بهذه المواصفات، تمر بظروف مشابهة. «لماذا كتبت عني، هل لأنك لم تعد قادراً على الكتابة؟ هل استعرتني لتهرب من قصتك؟».
في غمار الانتقال بين حياتين لسليمى وسلمى، تكمل إحداهما الأخرى وتساعدها على تعرية الذات، تأخذنا سليمى إلى قرية والدها، إلى عائلته العلوية التي تنظر إلى والدتها السنية بعين النبذ. يتجلى ذلك على لسان ابنة عمتها التي تقول لها عن أمها: «الرحم السني اللي حملك يبلاه بالسرطان» عندها «صرت أتضاءل، أرى نفسي أنكمش، وأتحول إلى بذرة في رحم أمي». لا تتوقف سليمى عن الربط بين ما تسمعه من عائلة والدها وما تعرفه عنها، وممارسات نظام بأكمله بشبيحته وفكره وسلوكياته: «صرت أفهم كيف يقتلون الناس ويعذبونهم، ويستلذون. إنهم لا يرون بين أيديهم المتوحشة أجساداً بل نطفاً قذرة يجب سحقها».
تصفية حساب أدبية مع العائلة أم النظام لا فرق. يكاد الاثنان يجسدان رؤية واحدة وذهنية متكاملة تفسر واحدتها الأخرى. سليمى تذهب في الزمن إلى طفولتها يوم كان لباسها أقرب إلى الأميرات في دمشق، لكنها حين تعود من ضيعة الأب ومن أحضان عائلته تصير تتحدث لهجة لا تليق ببنات وأبناء المدن الكبرى. «اللهجة الفلاحية» هذه تحمل دلالات كبرى لأنها «قادرة على تحويل رجل بسيط ومهمش إلى سلطة تتحدى سلطات شرطة السير والموظفين الحكوميين والمارة والباعة وكل فرد لا يتقنها. اللهجة كانت هوية. وليست أي هوية، إنها هوية السلطة المطلقة وهوية الظالم والمتجبر. هوية الرعب والهلع والمجهول. من يتحدثها بإتقان، يختصر وقتاً وجهداً وطاقة يتطلبها العيش في بلد كسوريا الأسد». هذا يأتي مقابل عائلة الأم الصغيرة التي تكاد تكون «عائلة افتراضية»، لكنها «حاضرة كالأساطير» في حياتها.
حياة سليمى معجونة بأحداث جسام. التمفصل بين الخاص والعام سمة الرواية. الأب طبيب من حماة تركها هرباً من مجازر 1982. الأم لا تسامح هذا الوالد الذي يعلق صورة القائد فوق رأسه خوفاً. صورة الأم المتمردة والهادئة التي ترعى زوجها المريض بالسرطان، تطغى على كل الرواية. الأخ فؤاد يختفي. الأب المصاب بالسرطان يموت تاركاً الحياة من بعده خواء لسليمى التي لا تزال في الرابعة عشرة. الحبيب نسيم بعد أن تقضي عائلته في حمص ويتهدم منزله، يذهب إلى ألمانيا في قوارب الموت برفقة أب مجنون مريض، ويبقى هناك تاركاً سليمى التي بدورها تتنقل بين بيروت ودمشق.
يكاد الجميع يسجن تقريباً، أو يموت في ظل نظام يبث الرعب في قلوب الناس. ومن لا يسجن فعلياً، يبقى سجين مخاوفه. إنهم أبطال «خائفون» أبداً من كل شيء، حتى من خوفهم.
هكذا يختفي الرجال تدريجياً «لا رجال في حياتي أبي مات باكراً، فؤاد اختفى، نسيم سافر، وها أنا أجلس وحيدة مع أمي، كما تجلس هي وحيدة مع أمها». لكن الأم فقدت رجالها هي الأخرى «هل تحتمل أمي كل هذا الفقدان؟ أخاها وزوجها وابنها وابنتها؟».
تترك سليمى البيت ذاهبة إلى بيروت للقاء سلمى بطلة نسيم، وغريمتها أو قرينتها، بعد أن مزقها الفضول. تعرف عنها أنها «تعمل في دار نشر لبنانية إلى جانب عملها في منظمة غير حكومية تعنى بأمور اللاجئين. ولم تعد تجرؤ على المجيء إلى دمشق لأنها مطلوبة لأحد الفروع الأمنية».
في بيروت، وبعد أن تضرب لها موعداً تذهب سليمى للقاء سلمى، في أحد مقاهي الأشرفية، لكنها تنظر إليها من بعيد وتنصرف. فهي ليست سوى لعبة روائية، خدعة لإضافة المزيد من التفكك إلى المشهد، المزيد من اللبس والضبابية في العلاقة مع الذات والآخر. فهذه المرأة لا تعرف إن كان نسيم يحبها أم أنها مجرد اختراع أدبي. لا نعرف أيضاً على وجه التحديد إن كانت سليمى تحب نسيم كما تقول طوال الرواية، أم أنها تتوهم هذه العاطفة. كل شيء في القصة قد يحمل المعنى وضده. «لم أعشق نسيم، بل رجلاً آخر تخيلته، رسمت ملامحه، نحت عضلاته وعظامه، نفخت فيه الروح، وألبسته لنسيم. أي أنني أصلاً لم أعشق رجلاً موجوداً إلا في خيالي». نسيم، إذن مجرد وهم، بدلاً عن ضائع. مشهد موت الأب يعود إلى ذاكرتها حين كان راقداً في المستشفى وإلى جانبه زوجته، تودعه. ذهب الأب الذي كان يرقبها عن كثب صارت هي تراقب نفسها عوضاً عنه، لتصل إلى حافة الجنون.
هذا الخلط في هوية الشخصيات وماهيتها هو جزء من اللعبة، يرتفع بالرواية حيناً، ويهبط بها حيناً آخر، خاصة حين يجد القارئ نفسه تعباً من ملاحقة تفاصيل تدخله في حيثيات كان يمكن الاستغناء عنها، والتواءات في القص كان بالإمكان تبسيطها. عليك أن تجمع الخيوط بين حياة سليمى ووالدها الطبيب المريض الذي يقضي باكراً، وقصة سلمى ووالدها الكاتب الذي يحمل الكثير أيضا من ملامح سعد الله ونوس، لتلج إلى مشهد شبه مكتمل. تقول سليمى: «إن كانت سلمى تلاحق والدها كالظل فأنا كان والدي هو ظلي يرافقني في البيت وبين غرفه الكثيرة، وكأننا في نزهة. يساعدني في إنجاز دروسي. يقلقه مرضي أو ارتفاع حرارتي. يحرص على عدم تفويت فرصة قراءة القصص قبل النوم».
ليس مهماً من يروي، وعلى لسان من تأتيك الحكاية وعبر أي شخصية، فكل الحكايات ستصب في النهاية في مكان واحد. ها أنت أمام عالم يكاد يشرّح ببطء في عيادة الطبيب النفسي كميل الذي يصبح هو أيضاً من المرضى ومعه الشبيحة الذين لا ينقطعون عن زيارته، لنصل إلى التساؤل التالي «هل فقدنا عقلنا جميعاً... ما يحدث أقوى منا كلنا، يفوق قدرتنا على التحمل، يتجاوز قدرة كل منا على حدة».
يعود الأب بقوة في آخر الرواية تستذكره ابنته وهي في بيروت تبحث عن قرينتها. «الآن أشتاق إليه أكثر من أي وقت مضى، كلما تذكرت نسيم أشتاق إليه أكثر! كلما حضر نسيم، ابتعد بابا أكثر.... لم يترك لي بابا عائلة قبل رحيله. كان هو العائلة بأكملها. رحل وترك لي أمه وبيت طفولته، والكثير الكثير من الكتب والأوراق ودفاتر مذكرات وصوراً وأقلاماً».
الأب لا يموت بل يغيب، أو يموت تكراراً ويبقى موجوداً، لكن حين تصل الابنة إلى الحدود السورية اللبنانية بعد خمسة عشر عاماً على وفاة والدها يسألها ضابط الأمن «أين والدك»؟ فتخبره أنه رحل، أنه مات. وتعرف من الضابط أنه مطلوب للمخابرات. إنهم لا يزالون يفتشون عنه. وتقول وكأنما فقدت كل أمل: «اليوم قبل قليل تحديداً، على الحدود السورية اللبنانية مات بابا».



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.