تقرير غربي يكشف تمويل إيران وتسليحها للإرهابيين في البحرين

تفاصيل جديدة خاصة بذخائر تم العثور عليها في المنامة

مجموعة من المتفجرات والأسلحة التي هربت من إيران إلى البحرين وتم ضبطها مخبأة في أحد المنازل في المنامة (واشنطن بوست)
مجموعة من المتفجرات والأسلحة التي هربت من إيران إلى البحرين وتم ضبطها مخبأة في أحد المنازل في المنامة (واشنطن بوست)
TT

تقرير غربي يكشف تمويل إيران وتسليحها للإرهابيين في البحرين

مجموعة من المتفجرات والأسلحة التي هربت من إيران إلى البحرين وتم ضبطها مخبأة في أحد المنازل في المنامة (واشنطن بوست)
مجموعة من المتفجرات والأسلحة التي هربت من إيران إلى البحرين وتم ضبطها مخبأة في أحد المنازل في المنامة (واشنطن بوست)

الرجال الذين شيدوا مصنعاً سرياً لصناعة القنابل كانوا أذكياء، بشكل مريب، كما يعتقد المحققون البحرينيون، بالنسبة إلى عصابة تُعرف بعمل المولوتوف. كانت تلك المنشأة موجودة تحت الأرض أسفل فيلا في إحدى الضواحي دون أن يظهر لها أي أثر على مستوى الشارع، ولم يكن لها مدخل سوى ذلك المخبأ وراء خزانة في مطبخ. مع ذلك كانت المفاجآت الحقيقية في الداخل، حيث وجدت الشرطة في إحدى الغرف مخارط ومكابس هيدروليكية قيمتها 20 ألف دولار تستخدم في صناعة القذائف المخترقة للدروع، والقادرة على اختراق الدبابات أيضاً. كان هناك صندوق داخل صندوق يحتوي على المتفجرات العسكرية طراز سي4، أجنبية المنشأ، بكميات قادرة على إغراق سفينة حربية.
وقال محققون في البحرين في تقييم فني سري تم تقديمه إلى مسؤولين أميركيين وأوروبيين خلال الخريف الماضي: «لم يرَ أحد أكثر هذه الأشياء في البحرين من قبل».
وتضمن هذا التقييم تفاصيل جديدة خاصة بترسانات السلاح التي تم العثور عليها في الفيلا، وفي حملات أمنية متفرقة مشابهة تمت على مدى 3 سنوات تقريباً. وذكر التقرير أن تلك المخابئ كانت «عاملاً يغير قواعد اللعبة تماماً»، بل و«لها أثر قاتل متفوق» في مواجهة الشرطة ذات التسليح الخفيف.
ويوضح التقرير، الذي تم نشر نسخة منه في صحيفة «واشنطن بوست»، تنامي الشعور بعدم الارتياح بين مسؤولي الاستخبارات الغربيين بشأن وضع دولة البحرين الصغيرة، التي تعد من أهم حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في الخليج العربي، ومقرّ الأسطول الخامس الأميركي. وبعد 6 سنوات من أحداث الشغب الذي قادته مجموعة في البحرين، يرى محللون أميركيون وأوروبيون حالياً ظهور خطر متزايد على هامش تلك الأحداث يتمثل في خلايا مسلحة تسليحاً ثقيلاً تقوم إيران بتمويلها، وتزويدها بالموارد والأسلحة، كما يقول مسؤولون.
وتتراكم مؤشرات تدل على تنامي الحركة المسلحة طوال سنوات، حيث تم إلقاء القبض على عناصر ملثمة تزرع قنابل على جانب الطريق، وتم العثور على أسلحة ومتفجرات مهربة داخل البلاد براً وبحراً. مع ذلك كان المسؤولون الغربيون أخيراً حذرين تجاه اتهام إيران بالتورط المباشر في هذا الاضطراب، حيث كانوا يشيرون إلى أدلة غير قاطعة، أو لا يمكن الاعتماد عليها، وكذلك إلى مخاوف من تزايد التوترات الطائفية.
وفي الوقت الذي اتهم فيه مسؤولون بحرينيون طهران بالتحريض على العنف، كثيراً ما كان يتم الحديث عن تلك الاتهامات، وعلى الجانب الآخر، يبدو أن تردد الغرب يتبدد حالياً، فرغم المشكلات الخاصة بالمصداقية الواردة في سجل حقوق الإنسان البحريني، ترى أجهزة الاستخبارات الغربية تجرؤاً جديداً من جانب إيران في دعم المتمردين المسلحين في البحرين، بحسب عدد من المحللين من الولايات المتحدة، واثنين من حكومات أوروبا الغربية.
وتشير الوثائق، ومقابلات مع مسؤولي استخبارات حاليين وسابقين إلى برنامج تدريبي متكامل يديره الحرس الثوري الإيراني، من أجل تدريب العناصر المسلحة البحرينية على التقنيات المتقدمة لصناعة المتفجرات، وعلى الحرب غير النظامية. كذلك تم اكتشاف مجموعة متنوعة من الأسلحة المتطورة، التي تبين أن لها صلة وثيقة بإيران، في البحرين على مدى السنوات الثلاث الماضية، كان من بينها مئات الأرطال من المتفجرات المتطورة إيرانية المنشأ، على حد قول مسؤولي استخبارات أميركيين وأوروبيين. كذلك يبدو أن هناك محاولات لبناء شبكة داعمة لإيران من المجموعات المسلحة في مناطق أخرى من الشرق الأوسط من اليمن إلى العراق وسوريا، بحسب عدة محللين.
وقال مسؤول استخبارات أميركي لديه خبرة طويلة في مراقبة الاضطرابات المدنية والسياسية في البحرين: «نرى مزيداً من الأدلة التي تشير إلى محاولات إيران لزعزعة الاستقرار في المنطقة». وأضاف: «قد تبالغ البحرين أحياناً في الحقائق، لكن هذا الأمر حقيقي».
ودفعت هذه الأدلة المتزايدة الولايات المتحدة، والحكومات الأوروبية، نحو اتخاذ خطوات غير مسبوقة تستهدف قادة مزعومين لجماعات مسلحة شيعية بحرينية. وأصدرت السلطات الألمانية في 16 مارس (آذار) أمراً بالقبض على شاب شيعي بحريني يبلغ من العمر 27 عاماً، ويطلب اللجوء السياسي ويقيم في برلين، على خلفية اتهامه بالعمل كعنصر إرهابي في «كتائب الأشتر»، وهي من الجماعات المسلحة الشيعية البحرينية، وكانت قد أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ هجمات مميتة ضد أفراد شرطة بحرينيين.
وفرضت وزارة الخارجية الأميركية في 17 مارس عقوبات على قائدين اثنين للجماعة نفسها مع وصفهما بـ«إرهابيين عالميين». واتهم الإعلان الرسمي إيران بدعم تلك الجماعة في إطار «تنفيذ أنشطة تستهدف زعزعة الاستقرار، وتتصل بالإرهاب في المنطقة». كذلك اتجهت إدارة الرئيس الأميركي ترمب يوم الأربعاء نحو إلغاء تجميد بيع طائرات «إف 16» للبحرين، وهو يعد إلغاءً لقرار مغاير اتخذته إدارة أوباما العام الماضي احتجاجاً على حظر حزب «الوفاق»، المعارض الرئيسي في البلاد. وأثار ذلك القرار الذي اتخذه البيت الأبيض انتقادات من جانب منظمات لحقوق الإنسان، حيث ينمّ عن رغبة في تجاهل ممارسات حلفاء رئيسيين في الخليج العربي لصالح إقامة درع وقائي قوي ضد أي عدوان إيراني محتمل في المستقبل.
وفي الإعلان الخاص بالعقوبات خلال الشهر الماضي، سعت وزارة الخارجية الأميركية إلى التأكيد على مواصلة المسؤولين الأميركيين الضغط على البحرين من أجل «التمييز بوضوح» بين ردها على التهديدات الإرهابية الحقيقية، وبين تعاملها مع المتظاهرين السلميين وجماعات المعارضة السياسية. مع ذلك اتهمت طهران بالتدخل المباشر بهدف جعل الموقف أكثر سوءاً، والمشكلات أكثر تعقيداً.
وجاء في الإعلان: «لقد زودت إيران مسلحين بحرينيين بالأسلحة، والمال، والتدريب».
مع ذلك، السؤال هو: هل كانت تلك المتفجرات التي تم العثور عليها في الفيلا حقيقية؟ أم كانت ذريعة لتبرير عمليات القبض على قادة معارضة شيعة؟ وهنا يشير ماثيو ليفيت، محلل سابق في شؤون مكافحة الإرهاب لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي، التقى بعدد من المسؤولين البحرينيين رفيعي المستوى لمناقشة أمر مخابئ السلاح، إلى أن الشكوى الدائمة من سجل حقوق الإنسان البحريني تجعل من الصعب على المراقبين من الخارج معرفة ما إذا كانت تلك المزاعم حقيقية أم لا. وأوضح في مقابلة قائلاً إنه في التحليل النهائي أشارت الأدلة المتمثلة في مخابئ السلاح إلى خطر حقيقي يتمثل في إرهاب برعاية إيرانية.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ «الشرق الأوسط»



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.