سياسة الزيادة السكانية في إيران بين المد والجزر وتعود إلى أكثر من 50 عاما

النظام الحالي يعتبر عدم تحديد النسل من قضاياه الاستراتيجية

ملصقات ترويجية تبين أن العائلة الكبيرة سعيدة أكثر بعد أن صادق البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي على مشروع لـ«زيادة نسبة إنجاب الأطفال}  (إرنا)
ملصقات ترويجية تبين أن العائلة الكبيرة سعيدة أكثر بعد أن صادق البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي على مشروع لـ«زيادة نسبة إنجاب الأطفال} (إرنا)
TT

سياسة الزيادة السكانية في إيران بين المد والجزر وتعود إلى أكثر من 50 عاما

ملصقات ترويجية تبين أن العائلة الكبيرة سعيدة أكثر بعد أن صادق البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي على مشروع لـ«زيادة نسبة إنجاب الأطفال}  (إرنا)
ملصقات ترويجية تبين أن العائلة الكبيرة سعيدة أكثر بعد أن صادق البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي على مشروع لـ«زيادة نسبة إنجاب الأطفال} (إرنا)

التصريحات التي أدلى بها مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي، بشأن ضرورة الزيادة السكانية، والتي تلاها وضع لوحات إعلانية في طهران تحمل شعار «تمتع بحياة أفضل من خلال إنجاب أولاد أكثر»، أثارت استغراب ودهشة الرأي العام في إيران.
وقد تطرق آية الله خامنئي، خلال العام الأخير وفي مختلف المناسبات، إلى قضية الزيادة السكانية. واستند خامنئي خلال استقباله لأعضاء «الملتقى الوطني للتغير السكاني ودوره في التطورات التي يشهدها المجتمع في مختلف المجالات» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى الآية القرآنية «إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ»، مناشدا الشعب عدم اعتبار المشاكل الاقتصادية مانعا في سبيل الإنجاب. وقال في كلمة ألقاها أمام مداحي أهل البيت إن «إنجاب الأطفال جهد عظيم».
ولقيت هذه الدعايات والتصريحات المؤيدة لسياسة الإنجاب انتقاد أطياف واسعة من النخبة في إيران، وأثارت سخرية المواطنين في الشبكات الاجتماعية، والمواقع الإلكترونية، وذلك بسبب المشاكل الاجتماعية والاقتصادية وارتفاع نسبة التضخم والبطالة في البلاد. وصادق البرلمان الإيراني الأسبوع الماضي على مشروع فوري لـ«زيادة نسبة إنجاب الأطفال، والحيلولة دون انخفاض معدل نمو السكان في البلاد»، الأمر الذي أثار قلقا عميقا، ومعضلة قانونية في إيران.
وتأتي مصادقة البرلمان الإيراني على المشروع المذكور في إطار تصريحات مرشد الجمهورية الإسلامية، وتمثل إصرارا من الأجهزة الحكومية على اعتماد مشروع زيادة نسبة الإنجاب. وإذا جرت المصادقة على هذا المشروع بشكل نهائي فإنه سيتم فرض الحظر على كل الإجراءات الهادفة لعملية الإجهاض، وطرق «تعقيم» الذكور، وبث الدعايات التي تروج للحد من الإنجاب، وإنزال عقوبة تتراوح بين السجن لستة أشهر إلى خمس سنوات، ودفع الدية، بحق منتهكي القانون، وذلك وفقا للمادة 624 من قانون العقوبات الإسلامية.
وقال النائب والمتحدث باسم اللجنة القانونية البرلمانية محمد علي اسفناني إن إنزال العقوبة بحق الرجال بتهمة «التعقيم» يفتقر إلى أساس قانوني. وينص قانون العقوبات الإسلامية على أن حكم القصاص على الأشخاص بتهمة الإجهاض بعد دخول الروح إلى الجنين جائز. وإذا كانت عملية الإجهاض تترافق مع إذن قانوني فإن المرأة التي تقدم على الإجهاض تعاقب بدفع الدية، وأما إذا لم تحمل سببا قانونيا فيشملها قانون القتل المتعمد. ولا تنص القوانين على اعتبار تعقيم الذكور، أو الترويج للحد من الإنجاب، جرما. ويعتبر المشروع الجديد نوعا من صناعة العقوبات. واعتبر رئيس لجنة الخدمات الصحية البرلمانية حسين علي شهرياري أن التضخم السكاني مؤشر على قوة البلاد. وأعرب شهرياري، الذي يعد المقترح الرئيس لهذا المشروع، عن قلقه من النمو السلبي للسكان خلال السنوات المقبلة، مما يؤدي إلى حرمان الجيل القادم من التمتع بالعائلات الممتدة في العقود المقبلة. واستدل شهرياري في تصريحاته بأقوال مرشد الجمهورية الإسلامية بشأن ضرورة الزيادة السكانية لبلوغ الأهداف الإسلامية والثورية.
وقال الخبير الاستراتيجي الإيراني حسن عباسي، في حوار مثير للجدل مع نادي الصحافة الإيراني العام الماضي، إن «أعداء الإسلام» ومن خلال «مشاريع منظمة الصحة العالمية» يمنعون القوة البشرية من العمل على زيادة الاقتدار الوطني.
وانتقد عباسي السياسات التي تهدف إلى تمكين المرأة، وخلق فرص عمل لهن، واعتبر أن الإجراءات التي تتخذها وزارة العلوم والجامعة الحرة تسهم في انخفاض نسبة الإنجاب. وأشار في ملتقى «الجيل المحروق»، الذي تمحور حول الفتيات اللاتي لن يتمكن من الزواج، إلى «التداعيات السلبية لارتفاع نسبة الطالبات في الجامعات مقارنة مع نظرائهن من الشبان. الأمر الذي يخلق ظروفا غير متكافئة، وسيرتفع معدل سن الزواج، والظروف ستصبح صعبة للفتيات من أجل تكوين الأسرة».
ويورد معارضو تحديد النسل أسبابا عديدة لدعم السياسات التي تحفز على التضخم السكاني، منها المساحة الجغرافية الواسعة، وانخفاض معدل الكثافة السكانية، وزيادة عدد المسنين، وانخفاض نسبة النمو والتنمية الاقتصادية.
كل ذلك يدفع بمشجعي التضخم السكاني إلى الإصرار على أن يتجاوز عدد سكان البلاد عتبة الـ150 مليون شخص، وذلك وفقا لأوامر مرشد الجمهورية الإسلامية.
وتشكل المناطق الصحراوية، والجبلية، أجزاء واسعة من مساحة إيران، وتعد هذه المناطق من الأجزاء غير المأهولة بالسكان. ولا مبرر اقتصاديا لجعل هذه المناطق من الأجزاء المأهولة بالسكان في المستقبل القريب. وبالتالي لا يمكن الاستناد إلى الأسباب المذكورة من أجل زيادة السكان. ويعتبر نقص المياه، والاضطرابات البيئية، من العوامل التي تؤثر سلبا على توفير السكن، والخدمات الغذائية للسكان في معظم المدن والقرى الإيرانية، ناهيك عن العوامل الثانوية كالنقص في البنى التحتية والذي يؤدي إلى سوء الخدمات الصحية، والتعليمية، وعدم خلق فرص العمل في البلاد.
وارتفاع نسبة الشيخوخة في إيران غير صحيح، إذ أفادت إذاعة «دويتشه فيله» الألمانية بأن انخفاض النمو السكاني لا يهدد إيران حتى الجيلين القادمين، على عكس معظم الدول المتقدمة في العالم التي تواجه أزمة الشيخوخة. لكن هذه الظاهرة تدخل البلدان في دوامة المشاكل في حال تجاوزت نسبة المسنين المتقاعدين عن العمل والأفراد العاطلين عن العمل عدد القوة العاملة، مما يؤدي إلى دفع جزء كبير من رواتب القوة العاملة من أجل تقديم الخدمات للمسنين.
وأما في إيران فتجري الأمور نقيضا للحالة السائدة في معظم الدول المتقدمة. وتواجه أطياف واسعة من الشباب البطالة بسبب ارتفاع معدل «البطالة الهيكلية»، و«البطالة المستترة»، إذ يتحمل المسنون عادة أعباء تأمين حياة الشباب العاطلين عن العمل، والمستعدين للدخول في أسواق العمل. وتؤدي ظاهرة البطالة المنتشرة بين الشباب إلى التقليل من التداعيات الاجتماعية السلبية المحتملة الناتجة عن ارتفاع معدل الشيخوخة. ومن شأن ارتفاع نسبة المواليد أن يسهم في إثارة الأزمات الاجتماعية، والاقتصادية، وحتى السياسية على المدى البعيد في حال ارتفاع نسبة الشيخوخة.
وخلافا للعصور القديمة، فإن التضخم السكاني في العالم المعاصر لا يؤدي إلى زيادة القوة العسكرية، واتساع هيمنة الحكومات على الدول الأخرى، بل إن القدرات العلمية والفنية للمواطنين تعد مؤشرا على تقدم الدول، وترتقي بها على المستوى العالمي. وينطبق الأمر على إيران، إذ إن زيادة عدد السكان الذين يعانون من الفقر والعجز في القدرات العلمية والفنية لا تؤدي إلى اقتدار البلاد.
ويرجع تاريخ اعتماد سياسات تحديد النسل في إيران إلى أكثر من خمسين عاما، وتعتبر هذه القضية من القضايا الاستراتيجية للنظام الإيراني. وتحولت سياسة تنظيم الأسرة من عامل تنموي قبل قيام الثورة إلى عنصر يحمل نوايا استعمارية بعد قيام الثورة. ودأبت السلطات الإيرانية بعد الثورة على تقديم امتيازات مثل تقديم المنح المالية، والأوراق غير النقدية، كمساعدات للناس، من أجل تشجيعهم على زيادة نسبة المواليد، والتي ارتفعت بالفعل بنسبة 4 في المائة. غير أن هذه السياسة جعلت إيران خلال السنوات الأولى من الثورة، وفترة الحرب بين إيران والعراق، وفي خضم المشاكل الاقتصادية العديدة، تستورد حليب الأطفال بقيمة مائة ألف دولار سنويا.
وإثر اعتماد هذه السياسة، توالت المشاكل التي تمثلت في توفير أزياء المدارس للتلاميذ، وتوفير الخدمات الصحية، وصفوف الدراسة، والمواليد الجدد. وفي عام 1989 وبعد انتهاء الحرب بين إيران والعراق اعتمدت السلطات الإيرانية سياسة تحديد النسل، وأطلقت شعار «الحياة الأفضل في ظل مواليد أقل». وأدت سياسات الزيادة السكانية التي اعتمدتها السلطات بعد قيام الثورة إلى وصول نسبة عدد السكان إلى الضعف خلال فترة تتراوح بين أواخر السبعينات وأواخر التسعينات، وقفزت من 36 مليون إلى 75 مليون نسمة.
وتعتزم إيران وبتوجيهات من مرشدها إعادة تطبيق سياسة الزيادة السكانية، لكن هذه المرة تستخدم إيران آليات التهديد، وإنزال العقوبات بحق المواطنين المعارضين لهذه السياسة، حتى إذا كان ثمن هذه الإجراءات عدم حصول الشعب على الخدمات الصحية والعلاج.
ولم تمض أشهر على تصريحات أدلى بها مرشد الثورة حول سياسة الزيادة السكانية في 2012، حتى أعلنت وزيرة الصحة مرضية وحيد دستجردي، في الأول من أغسطس (آب) عن عدم تخصيص الميزانية للخطط الهادفة للحد من النسل. ولا تقدم وزارة الصحة حاليا خدمات مجانية للمواطنين لعمليات تعقيم الذكور الإناث، ولا تمنحهم وسائل منع الحمل مجانا.
وسيؤثر اعتماد مثل هذه السياسات على ذوي الدخل المحدود، وسكان الأرياف الذين يجدون صعوبة في شراء الواقي الذكري، أو حبوب منع الحمل، أو إجراء عمليات تعقيم الذكور بسبب إغلاق المؤسسات الحكومية التي تقدم لهم هذه الخدمات. وقد يؤدي عدم توزيع الواقي الذكري إلى انتشار مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، وحصول حالات حمل غیر مرغوب فیه يسفر عن عمليات إجهاض لا تتمتع بالمعايير الضرورية، وتهدد حياة الأم للخطر.
أفسانة (35 عاما)، وهي من ذوي الدخل المحدود وتقطن في مدينة قزوين ومتزوجة ولديها ولدان، تعتقد أن سياسة التضخم السكاني تؤدي إلى انخفاض الأجور. وأجرت أفسانة عملية قطع البوق من أجل التعقيم. تقول أفسانة «لا تتلقى المرأة في إيران أي دعم من الحكومة أو حتى زوجها إذا أصبحت حاملا. فلماذا يتم تشجيع إنجاب الأطفال؟ ستصبح الأمور أسوأ من خلال هذا المشروع الحكومي».
آوا، تسكن في شمال طهران وتبلغ من العمر 27 عاما وليس لديها أولاد، توجه انتقادات إلى سياسة الزيادة السكانية. وتقول إنها تشتري وسائل منع الحمل من مصروفها الخاص. وتضيف «حكم الإقدام على عملية الإجهاض هو دفع دية تقدر قيمتها بـ18 مليون تومان، وهذا مبلغ باهظ، وسيخلق فرض الحظر على عملية الإجهاض مشاكل عديدة. إن الظروف غير ملائمة لنا أنا وزوجي حاليا لإنجاب الأطفال، ويشكل تطبيق هذا المشروع مصدر قلق لنا».
يؤدي اعتماد سياسات عقابية للحيلولة دون الإقدام على عمليات الإجهاض أو التعقيم إلى زيادة نسبة الإنجاب في المناطق الريفية، وبين الأفراد من ذوي الدخل المحدود، وغير المتعلمين في المناطق المحرومة. فالطبقة المتوسطة قادرة على دفع التكاليف البسيطة لتوفير وسائل منع الحمل، وتفادي الكلفة الباهظة التي يترتب عليها إنجاب الأولاد. وإذا حصلت حالات حمل غير مرغوب فيها في المدن ولم تتمكن المرأة من الإجهاض، فهؤلاء المواليد سيشكلون نسبة بسيطة جدا من عدد السكان الذين يطمح الساسة الإيرانيون إلى زيادتهم.
ولا تسفر هذه الحالة عن ارتفاع عدد السكان فحسب، بل تؤدي كذلك إلى زيادة غير متكافئة للطبقة الفقيرة لسكان الأرياف على حساب الطبقة المتوسطة من سكان المدن.
ولا تعتبر سياسات الحد من النسل ظاهرة منفصلة عن أطر الواقع الاجتماعي، حيث إن هذه السياسات مرهونة بشكل كبير بعوامل سياسية واقتصادية. تتطلب الزيادة السكانية توسيع نماذج أخلاقية خاصة بين العائلات الممتدة التي يرتكز اقتصادها على تلبية الحاجات الأولية واليومية للأفراد، وعدم التمتع بالرفاهيات من أجل الحفاظ على كيان الأسرة، وزيادة روح التضحية، والقناعة بين أفراد الأسرة. وبالتزامن مع ارتفاع عدد أفراد الأسرة ينخفض معدل الدخل السنوي للفرد، فتزداد العائلات الممتدة فقرا. ويأتي اعتماد هذه السياسة على نقيض معايير التنمية التي تبنتها الدول الأوروبية في منتصف القرن العشرين، والتي كانت تهدف لتقديم خدمات رفاهية أفضل للعائلات، وترويج «الحد من الإنجاب مقابل التمتع بنسبة أكبر من الخدمات الرفاهية».
ستصبح إيران ومن خلال اعتماد سياسة الزيادة السكانية أكثر فقرا، وستنخفض نسبة الدخل السنوي للفرد في البلاد. إن ارتفاع نسبة الأفراد من ذوي الدخل المحدود، وغير المتعلمين، وانخفاض نسبة الطبقة المتوسطة، والمتعلمة، وأصحاب الكفاءات، يؤدي إلى خلل في الإمكانيات والتوازن الاجتماعي مستقبلا. من دون أدنى شك فإن الحكام خاصة في الأنظمة الشمولية يجدون سهولة أكبر لبسط هيمنتهم على الشعب الذي يعاني من الفقر، وتدني مستوى التعليم. ويطالب الشعب الجائع برغيف الخبز، فيما ينادي الشعب الشبعان بالحرية، والكرامة الإنسانية.
* إعداد «الشرق الأوسط» بالفارسية - «شرق بارسي»



إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين في إسلام آباد، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».