لقاء ترمب وجينبينغ سيكون «صعباً جداً»

الميزان التجاري و«الصين الواحدة» وصواريخ كوريا الشمالية تنبئ بلقاء متوتر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ  (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ (أ.ب)
TT

لقاء ترمب وجينبينغ سيكون «صعباً جداً»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ  (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ (أ.ب)

غرد الرئيس الأميركي دونالد ترمب قائلا: «لقاء الأسبوع المقبل مع الصين سيكون صعباً جدا»، وذلك قبل الموعد المقرر لاجتماعه في بيته بفلوريدا يومي السادس والسابع من الشهر الحالي مع نظيره الصيني شي جينبينغ. وردت الصين أمس الجمعة تقول: إنها تأمل في عقد لقاء ناجح بين الرئيسين. وقال نائب وزير الخارجية الصيني شنغ زيغوانغ للصحافيين إن «الصين مثل الولايات المتحدة تعلق أهمية كبيرة على اللقاء الرئاسي المقبل». وأضاف أن «الجانبين يأملان أن يكون اللقاء ناجحا بهدف دفع تنمية العلاقات الثنائية إلى الوجهة الصحيحة».
وقال شون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض في إفادة صحافية، أوردتها الوكالة الفرنسية، إن الاجتماع سيتيح لترمب فرصة «تطوير العلاقة شخصيا مع الرئيس شي». وأضاف: «تحدث إليه هاتفيا بضع مرات، لكننا لدينا مشاكل كبرى... كل شيء... من بحر الصين الجنوبي إلى التجارة إلى كوريا الشمالية. هناك قضايا كبرى تتعلق بالأمن القومي والاقتصادي بحاجة لمعالجتها». وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون كان قد اتفق مع بكين خلال زيارته لها هذا الشهر على العمل معها فيما يخص كوريا الشمالية وأكد على رغبة ترمب في تعزيز التفاهم بين البلدين.
وردا على سؤال عن التغريدة الأخيرة لترمب الذي توقع الخميس أن يكون اللقاء «صعبا جدا». اكتفى المسؤول الصيني بالقول: إن الرئيسين سيتبادلان وجهات النظر بصورة «معمقة حول العلاقات الثنائية في الحقبة الجديدة وحول مسائل ذات اهتمام مشترك».
العجز في الميزان التجاري والتجارب النووية لكوريا الشمالية ومبدأ «الصين الواحدة» الذي يمنع إقامة علاقات بين واشنطن وتايبيه، ستكون من القضايا الحاضرة في اللقاء بين الزعيمين.
وقال ترمب في تغريدته «ما عاد باستطاعتنا أن يكون لدينا عجز تجاري ضخم... وخسارة للوظائف. يجب أن تكون الشركات الأميركية مستعدّة للبحث عن بدائل أخرى».
غير أن تحذير الرئيس الأميركي الخميس عبر «تويتر» ونفاد صبر واشنطن بشكل متزايد من مواقف بكين إزاء كوريا الشمالية ينبئان بلقاء متوتر. وأعلنت بكين وقف وارداتها من الفحم الكوري الشمالي بموجب عقوبات الأمم المتحدة مما قطع مصدرا ثمينا للموارد يعتمد عليه نظام كيم جونغ أون. إلا أنّ الصين تعترض هي الأخرى على نشر الولايات المتحدة منظومة الدرع الأميركية المتطورة المضادة للصواريخ «ثاد» في كوريا الجنوبية، وتعتبر أنها مساس بقوة الردع التي تملكها.
ويقول مسؤولون بإدارة ترمب إن الحاجة إلى بذل الصين مساعي أكبر لكبح برامج جارتها وحليفتها كوريا الشمالية في القطاعين النووي والصاروخي ستتصدر جدول الأعمال إلى جانب التجارة. ومن المتوقع أيضا أن ينتقد الجانب الأميركي بكين لمطالباتها الواسعة في بحر الصين الجنوبي.
وقالت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هالي الخميس إن الصين يمكنها بل ويجب أن تبذل مزيداً من الجهد لإجبار كوريا الشمالية على التخلي عن برامجها النووية والصاروخية. وشددت هالي على أن واشنطن لن تكتفي فقط بنقاش جديد في الأمم المتحدة. وقالت: «لا صبر لدي لذلك، فهو لا يساعد أحداً. الأمر لا يتعلق بي. فهذه الإدارة (إدارة ترمب) لا صبر لديها لذلك».
وقبل أشهر فقط، لم يكن عقد قمة من هذا النوع وارداً بعد الحملة الانتخابية التي اتهم فيها المرشح الجمهوري الصين «بسرقة» ملايين الوظائف في الولايات المتحدة وهدد بفرض رسوم جمركية عقابية على الواردات الصينية.
وفي حين تطرق ترمب في تغريدته إلى العجز التجاري الأميركي الضخم مع الصين أكد شنغ أن بلاده لا تسعى إلى تحقيق فائض تجاري مع الولايات المتحدة. وقال: «ليس في نيتنا تنشيط صادراتنا من خلال خفض تنافسي» لسعر الصرف في حين اتهم ترمب الصين مرارا في السابق باللجوء إلى ذلك.
وقال شنغ إن الصين وفي حين تدعم الطلب الداخلي لديها ستتيح زيادة في الواردات الأميركية ودعا واشنطن إلى تخفيف القيود على تصدير منتجات التكنولوجيا الفائقة إلى الصين.
وأكد شنغ أن الاستثمارات الصينية ارتفعت بشكل كبير في السنوات الماضية في الولايات المتحدة وهو ما أتاح «إنشاء وظائف للناس وتقليص عدم التوازن التجاري». خلال حملته الانتخابية اتهم ترمب الصين «بسرقة» ملايين الوظائف من الولايات المتحدة وهدد بفرض رسوم جمركية على الواردات الصينية.
وبعيد انتخابه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، أثار ترمب غضب بكين عندما لمح إلى أنه يمكن أن يتراجع عن «مبدأ الصين الواحدة» الذي تحظر بموجبه بكين أي اتصال رسمي بين تايوان والدول الأجنبية. وذهب الأمر بترمب إلى درجة تلقي اتصال هاتفي من رئيسة تايوان تساي اينغ - وين قبل أن يهدد الصين بحرب تجارية. لكن ترمب سعى في اتصال هاتفي مع بكين منتصف فبراير (شباط) إلى التهدئة وأكد أنه سيحترم مبدأ الصين الواحدة، مما أفسح المجال للتباحث في عقد لقاء بين البلدين.
وحث جيف إيميلت المدير التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك ترمب على الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع الصين قائلا إن الولايات المتحدة يمكنها أن تكسب الكثير من العولمة، كما جاء في تقرير الوكالة الفرنسية. وقال إيميلت في منتدى للطيران استضافته مجموعة (وينجز كلوب) أول من أمس الخميس «سيخسر البلد إن لم نعقد صفقات تجارية. العلاقة مع الصين في غاية الأهمية». وأضاف: «إذا تخليتم عن التجارة، تخليتم عن أفضل أداة ضغط يملكها رئيس الولايات المتحدة لدى التفاوض في أنحاء العالم. وأنا أعتقد أن الرئيس ترمب أذكى كثيرا من أن يتخلى عن تلك الأداة».
وكانت وزارة التجارة الأميركية قد قالت في وقت سابق إن على بكين أن تغير ممارساتها التجارية والأسلوب الذي تعمل به مؤسساتها. وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لو كانغ على الحاجة لرؤية الصورة الكاملة لدى النظر للمصالح التجارية المتبادلة. وقال في إفادة صحافية «على الجانبين كليهما أن يعملا معا لجعل كعكة المصالح المتبادلة أكبر وليس مجرد السعي لتوزيع أكثر عدلا».
وطلب ترمب الجمعة من إدارته تحديد الدول المسؤولة عن العجز التجاري الأميركي في تحذير موجه إلى بكين. وقال وزير التجارة الأميركي ويلبر روس إن الهدف هو التوصل خلال تسعين يوما إلى وضع لائحة «لكل دولة على حدة وكل سلعة على حدة» يفترض أن تكشف حالات «الغش»، إلى جانب اتفاقات التبادل الحر التي لم تنفذ وعودها أو التسويات التي لم تحترم. وأضاف أن هذه اللائحة «ستشكل أساس اتخاذ القرار في الإدارة»، مذكرا في الوقت نفسه بأن «أول مصدر للعجز» هو الصين.
وتعتقد الإدارة الأميركية أن نحو 12 بلدا بينها اليابان وألمانيا والمكسيك والهند وفرنسا وحتى سويسرا يمكن أن تستهدف باللائحة التي ستوضع في الأشهر المقبلة وإن كان هذا لا يعني بالضرورة أن إجراءات انتقامية ستتخذ. وأضاف روس «في بعض الأحيان سيعني الأمر ببساطة أنهم أفضل منا في إنتاج هذه السلعة أو تلك أو أنهم يستطيعون إنتاجها بكلفة أقل».
خلال حملته، شدد قطب العقارات مستخدما عبارات حمائية، على قناعته بأن الولايات المتحدة كانت الخاسر الأكبر من الاتفاقات التجارية التي أبرمت في العقود المنصرمة.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended